• ×

د. عيسى بن شباب الحيسوني

المعارك المفتعلة

د. عيسى بن شباب الحيسوني

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ابتليت الساحة الدعوية والعلمية منذ خمس وعشرين سنة بمعارك مفتعلة، تنشط أحياناً، وتخف أخرى، نتيجتها خسارة مشتركة بين طرفيها.

وهذه المعارك الخلافية المفتعلة تقوم على أربعة أمور:

الأول: الخوض في النوايا على وجه القطع، وإصدار الحكم بناء على هذه القطعية، فخطأ التصور ينتج عنه خطأ الحكم.

الثاني: قصد إسقاط المردود عليه لمجرد المخالفة بغض النظر عما معه من الحق أو الباطل، وهذا حسب ما توحيه لغة الردود وطبيعة النقاش وشدة الانفعال.

الثالث: الانتصار للنفس والمتحزب له فوق نصرة الحق الذي يؤمن به.

الرابع: الغلو في المتبوعين وفي الآراء، فيجعل الأشخاص في مقام يشبه العصمة، والرأي في مقام الحق المقطوع به، وقد تكون المسألة اجتهادية، ويجعل المخالفين مبتدعة، وقولهم ضلالاً.

وهذه الأمور تحول دون سماع القول فضلاً عن قبوله.

وترتب على ذلك أمور:

1-                  إشغال الشباب في هذه المعارك على وجه تكتلات تنتصر لهذا، وتغير على ذاك، فصدوا عن السبيل، وضلوا الطريق الأكثر أمناً، والأسلم سلوكاً، والأعظم نفعاً.

2-                  انخفاض نسبة الاستقامة في شريحة الشباب؛ لضعف الدعوة، ولانعكاس الخلافات الظاهرة على السطح الدعوي.

3-                  عزوف الشباب عن حلق العلم الشرعي في المساجد، وخاصة حلق كبار العلماء، وتحول النقاش العلمي إلى مراء في الحكم على المناهج وطلاب العلم.

4-                  انخفاض نسبة الندوات والمحاضرات الوعظية والعلمية عدداً وحضوراً.

5-                  بروز ظاهرة التصنيف، فتجد كل تكتل يصم الآخر بألقاب بعضها مستحدث، تؤول إلى الحكم بالبدعة والضلال، ومنها ( الجامية -السرورية -الخلوف-غلاة الطاعة - المرجئة المعاصرة -الخوارج - القطبية ).

6-                  استباحة الغيبة بدعوى نصرة الحق اقتداء بالسلف، وهي شبهة في التقعيد، مزلة في التطبيق، فالفرق بين الحالين كبير.

7-                  استباحة النميمة في نقل كلام هذا الشيخ بالشيخ الآخر على وجه يؤول إلى الإفساد، ويتشبث بدعاوى من نصرة الحق ودحض الباطل، بينما تؤول الأمور إلى مفسدة محققة أو راجحة.

8-                  نكران جهود العلماء الذين صنفوا رؤساء للتكتل المخالف، وقد يكون لبعضهم جهود دعوية وعلمية في نشر العلم والعقيدة الصحيحة في بلدان يكثر فيها الانحراف، فتنسف جهوده لمجرد أنه ابتلي اجتهاداً في هذه الفتنة، وهذا من الظلم.

9-                  الابتعاد عن كبار العلماء تعلماً واهتداء، فاتخذوا رؤوساً جهالاً، فضلوا، وأضلوا، وفي أحسن الأحوال اتخذوا من دونهم علماً ورسوخاً، إلا أنهم أقحموهم في مسائل كبار، لم يوفقوا فيها للصواب.

10-             ظهور الردود مسموعة ومقروءة باسم نصرة الحق ورد الباطل ممن ليسوا على درجة كبيرة في العلم، وقد يكون بعضهم ذا تمكن علمي، لكنه ليس ذا بصيرة في الرد وتصور أقوال المردود عليهم، مما نتج عنه التعسف في تأويل الأقوال، وصار لها آثار عكسية من التعصب والهوى.

11-             الإجراءات الرسمية القائمة على التحفظ الكبير.

12-             انفتاح باب الفتن الفكرية والسلوكية.

13-             التعصب المقيت للتكتل المحسوب عليه، ضد التكتل المخالف، بحيث تحصر الحق في تكتله، وكل الخطأ في مخالفه، فيسمع لتكتله اهتداء، ويسمع لمخالفه تصيداً وانتقاداً.

14-             قسوة القلب، فالخلافات بطبيعتها تشحن النفوس، وتؤثر في القلوب والسلوك غلبة وتعصبا وانتقاماً.

15-             قلة الطاعة والتوفيق، ولهذا برزت ظاهرة الحور بعد الكور، فالطاعات حفظ وحصن، ففي الحديث الصحيح: « احفظ الله يحفظك ...».

16-             الانشغال عن المهمات الكبار، فدعوة الناس إلى التمسك بالسنة علماً وعملاً ومنهجا، والتوبة والاستغفار، وتبصيرهم بدينهم مهمات عظيمة، وهي دعوة الرسل وأتباعهم.

17-             تنزيل بعض فروض الكفاية منزلة فروض العين، فلهذا تجد نفيراً واسعاً حول بعض فروض الكفاية حتى كأنها فرض عين، ويخوض فيها من ليس من أهلها.

18-             توظيف كلام العلماء على وجه الانتصار، فيقتطع قول أحدهم في مسألة، ويوظفه توظيفا يتوافق مع توجهاته،حتى إن أحدهم يتلقف عالما كبيرا حول مسألة زل فيها مخالفه، فينشر فتواه في تخطئته، ويشهرها سلاحاً في كل مناسبة، وبلا مناسبة.

19-             ضعف التمسك بالسنن ومظاهر التدين، فإعفاء اللحية وترك الإسبال، وتجنب الصبغ بالسواد، والتصوير، والسفر لبلاد الكفر، والولاء والبراء، والاحتياط في المشتبهات من الأموال والمعاملات نالتها درجة كبيرة من التراخي والتساهل، فاختلطت أوراق، واشتبهت أخلاق، كانت من قبل في قمة عالية لا تؤثر فيها الرياح، ولا تميل بها الأهواء.

20-             ظاهرة الأسر الفكري والقسر السلوكي ضاغطة على شريحة واسعة من الشباب؛ لينجر لتكتل ما، ويتخذ موقفا معينا استلاما قسرياً، ويضعف عن المقاومة أو اتخاذ موقف محايد خوفاً من السهام المصوبة تجاه من يبتعد عن التكتل أو يستقل.

وكانت الحال قبل خمسة وعشرين عاماً أفضل ما تكون استقامة وعبادة ورغبة في العلم وعملاً به وتمسكاً بالسنة.

وكانت الردود مقتصرة غالباً على كبار العلماء، كالمشايخ: ابن باز وحمود التويجري وصالح الفوزان، وهي ردود علمية تنضح بالنصح وبيان الحق والشفقة على المخالفين.

توفي الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن غديان، ولا يعرف عنهما كلام في هذه الفتنة - وهي على أشدها-لا نصراً لفئة، ولا دفاعاً عن أخرى، حتى الشيخ ابن باز رحمه الله لم ينتصر لفئة على أخرى، وإنما نصح الجميع بنصيحة عامة مشهورة، ولم يرض بمحاولات التوظيف الخاص.

وهنا تساؤلات:

·       أي مصلحة يساق شبابنا إلى هذه المعارك الكلامية والتكتلات ؟!

·       أليس من الرشد: أني إذا لم أستطع أن أصلح بين الفئتين المختلفتين أن أنأى بنفسي وديني عن هذه الفتنة ؟!

·       ماذا أكسب من خير في الدخول في هذه الفتنة، أو أكتسب من إثم ؟!

·       ما ذا يضير هؤلاء لو ردوا الأمرَ إلى علمائنا الكبار كسماحة المفتي والشيخ صالح الفوزان والشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبدالرحمن البراك، وصدروا عن رأيهم جميعاً، وكفى بهؤلاء الكبار علماً وبصيرة وبياناً للحق ؟!

وأحسب أن هذه الفتنة لن تخمد إلا بامتثال قول الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)) [النساء] فإذا رد هؤلاء جميعاً الأمر إلى العلماء الكبار الراسخين في العلم سلموا من التبعة، ونجوا من الفتنة، وأنقذوا الشباب والأتباع من الهلكة، بل لو سكتت هذه التكتلات ولم تقل شيئا لكان خيراً، ولن يسكت العلماء الكبار عن قول الحق، فإن دين الله لا يزال به قائم.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:39 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.