• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والذكر

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن المتأمل في نصوص الوحيين يلحظ العناية الفائقة، والوصية المستمرة بذكر الله تعالى؛ كثرةً في النصوص، وتنوعاً في الأسلوب، ووفرة في الثواب ! ولو ذهبنا نسوق الشواهد لطال بنا المقام . وننتخب منها :

(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت/45]، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة/152]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب/41، 42]

وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) رواه الترمذي.

فما سر هذه العناية والحفاوة والتحضيض ؟

ولماذا نشر الشارع الحكيم أزهار الأذكار على صفحة الليل والنهار ؟

سر ذلك هو الارتباط الوثيق، والاتصال العميق بين (العقيدة) و (الذكر). ويتضح ذلك من وجوه متعددة :

أولاً : أن (قول اللسان) جزء مسمى الإيمان، الذي له حقيقة مركبة من : (قول اللسان، واعتقاد الجنان، وعمل الأركان). والذكر يتضمن قول اللسان، الذي هو الاستعلان بالشهادتين،وعمل اللسان المتضمن للتسبيح، والتحميد، والتكبير، والدعاء.

ثانياً : أن الذكر تأكيد لمفردات العقيدة، واستحياء لها في النفس الغافلة، واستحثاث لها في الهمم الغافلة. ولا ريب أن إدمان ذكر الشيء سبب لرسوخه، وحضوره.

ثالثاً : أنه سبب لتحقيق مقام (المحبة) التي هي أشرف العبادات القلبية . قال ابن القيم، رحمه الله : (أنه يورثه المحبة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة. وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذكر. فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل، فليلهج بذكره، فإنه الدرس والمذاكرة. كما أنه باب العلم؛ فالذكر باب المحبة، وشارعها الأعظم، وصراطها الأقوم) الوابل الصيب.

رابعاً : أنه سبب للوصول إلى مرتبة الإحسان، التي هي أعلى مراتب الدين. قال ابن القيم، رحمه الله: (أنه يورثه المراقبة، حتى يدخله في باب الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه. ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت) الوابل الصيب.

خامساً : أنه وقاية وصيانة من الشبهات الشيطانية التي تقدح في العقيدة، وتفسد صفاء القلب؛ فالذكر حرز إيماني من كل هجوم شيطاني . جاء في حديث الحارث الأشعري، رضي الله عنه، الطويل ، مرفوعاً : (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ) رواه الترمذي.

فلا غرو، بعد ذلك، أن يكون (الذكر) من أخص صفات الصالحين، وشعارهم. وسيد الذاكرين، محمد صلى الله عليه وسلم ،كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ . رواه مسلم .

وعلى هذا السنن جرى الموفقون من أئمة الدين، وحراس العقيدة، فقد حكى ابن القيم، رحمه الله عن شيخه، ابن تيمية، رحمه الله، وحسبك به ناصراً للملة، وسداً في وجوه أهل البدعة ، قال : (حضرت شيخ الإسلام، ابن تيمية، مرة، صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال : هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاماً قريبا من هذا. وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي، وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكرٍ آخر. أو كلاماً هذا معناه.

وبذلك يتبين أن (الذكر) غذاء،ودواء،وشفاء،لأهل الإيمان؛ فمن خلاله يوثقون صلتهم بمعبودهم،ويحيون قلوبهم بمعاني العبودية، وينفون عنها طائف الشيطان. والله المستعان.



التعليقات ( 0 )