• ×

خالد المرسي

في الرفق في الدعوة سلامة للداعي والمدعو

خالد المرسي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

نعلم جميعا ظاهرة الشدة في الخطاب الدعوي المنسوب لبعض السلفيين([1]) ، وهذه ظاهرة ليست خاصة بهم بل تلوث بها غيرهم من التيارات الإسلامية ممن يشغلون مناصب رسمية ومن غيرهم، وهذه نصيحة أبين فيها الأثر السيء الذي تحدثه هذه الشدة - التي هي غالبا ما تكون في غير موضعها - وأبين أن هؤلاء الدعاة يتحملون جزءا من مسئولية هذا الأثر السيء أمام الله يوم القيامة وتحملهم هذا لا يُعفي الضال من مسئوليته ولا يخفف شيئا من أوزاره يوم القيامة، وكل ذلك في الأحوال العادية التي يكون الداعية فيها خطئه مقصورا في الأسلوب غير الحكيم الذي ينتهجه أثناء دعوته المنحرف، فكيف يكون وضعه لو جمع مع هذا الخطأ خطئا آخر وهو القصور في فهم أحوال المخالف وفي فهم منهجه الذي هو موضوع الخلاف؟!، لا شك أن وضعه سيكون أصعب ونصيبه من المسئولية يكون أكبر.

 

أما عن الأثر السيء فقد نقل وقال الإمام الشاطبي في كتاب " الاعتصام"([2]):" قال الغزالي في بعض كتبه : أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهل أهل الحق ، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء ، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة ، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ،حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة . ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء ، لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستفزاً في قلب مجنون فضلاً عن قلب عاقل .

هذا ما قال . وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك . والله أعلم ."

 

أما عن تحمل الداعية المسئولية في ثبات الضال على ضلاله وزايدتها حيث كان سببا - وإن لم يتعمد - في ذلك يقول الدكتور العلامة " محمد عبد الله دراز:"إننا قد نًسأل عن الفعل، يفعله غيرنا من تلقاء نفسه، دون أن نأمره به، أو نُحرضه عليه، أو نُرغبه فيه؟!. بل دون علم منا ولا شعور بأنه فعله أو بأنه سيفعله، بل حتى لو فعله بعد موتنا، ولو بعد قرون من عصرنا؟!.....،ألم تتدبر هذا التعبير القرآني الحكيم: -{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ } يس (12)؟. ألا ترى كيف جمع إلى الفعل المباشر آثاره كلها، ولم يشترط فيها أن تكون ارادية، أو لاشعورية؟. ذلك أننا متى توجهت نيتنا الى عملنا المباشر، ثم باشرناه عمدًا وقصدًا، ونحن عالمون بما فيه من البر أو الإثم، فقد تمت أركان مسؤوليتنا، ولو لم نعرف مدى ما يتولد عنه من الأصداء والآثار، وما مقدار ما يترتب عليه من الأجزية والنتائج. ألا ترى أن الله يرزق المتقي من حيث لا يحتسب، ويحبط عمل المسيئ من حيث لايشعر؟ فكما أننا نستحق هذه النتائج والأجزية الإلهية وننالها من غير أن نتوقعها أو نشعر بها، كذلك نحمل تبعة النتائج والآثار الاجتماعية التي تنشأُ عن عملنا، ولو لم نقصدها ولم نشعر بها."([3])

 

فإذا كان هذا هو وضع المسألة وحكمها فهل يتصور بعد أن يعرف الداعية فقه هذا الموضوع أن لا يحتاط طلبا للسلامة في نفسه وفي غيره .

_______________________

([1]) راجع بحث بعنوان" تجديد الخطاب السلفي" للدكتور أحمد بن عبد الرحمن القاضي

([2]) وهو أول كتاب يؤسس ويؤصل لفقه البدعة وأحوال المبتدعة وطرق التعامل الصحيحة معهم، وهذا الكتاب يُعد مصدرا رئيسا وأصليا في بابه عند السلفيين، والكلام تجده في ج3: ص 231 تحقيق مشهور حسن سلمان.

([3]) سلسلة دروس صوتية ومفرغة بعنوان" مسئوليات أدبية بعيدة المدى"، الدرس الرابع بعنوان" المسئولية عن فعل الغير".



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:04 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.