• ×

خالد المرسي

طريق السعادة (2)

خالد المرسي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد :

     تكلمنا في مقال سابق عن السعادة، وأن على من يريد العيش في هذا الكون بسلام أن يتلائم ويتناسق مع (هذا الكون) بأن يُسلم هو الأخر لله- تبارك وتعالى- وعن ضرورة أن يحافظ المسلم على التزامه الكامل بدين الإسلام (عقيدة وشريعة وأخلاقًا) ليس بالمعنى السطحي عند بعض الناس الذي يقتصر على بعض العبادات دون بعض، ولكن بالمعنى الصحيح الشامل: (وهو أن الله أنزل هذا الدين ليحكم الإنسان بكل أجزاءه ومكوناته الظاهرة والباطنة التي له إرادة في توجيهها وتحديد مسارها).

     وقلنا أنه بقدر ما يقصر الإنسان في حكم نفسه بهذا الدين؛ بقدر ما يقع الخلل والاضطراب في التناسق والملائمة بينه وبين أجزاء الكون المحيط به.

     وهذه المسألة هي من أهم عقائد الإسلام التي قررها الله - تبارك وتعالى - بأساليب متعددة:

     منها كما يقول الإمام ابن القيم: "أن الله يقرن في القرآن الكريم  بين الهدى والرحمة، والضلال والشقاء، فمن الأول قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة(5)] وقال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة (157)] ....

     إلى أن قال ابن القيم: "وقال الله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه(123)] والهدى منعه من الضلال، والرحمة منعه من الشقاء، وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)) فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفى الشقاء عنه، كما قال في آخرها في حق اتباعه: (فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)).

      فالهدى والفضل والنعمة والرحمة متلازمات لا ينفك بعضها عن بعض، كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر قال تعالى ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ) [القمر(47)] والسعر جمع سعير وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء"

     ...إلى أن قال ابن القيم: "ومن هذا أنه – سبحانه - يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة، وبين الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك، قال تعالى:  (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا الأنعام 125 وقال: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر 22 ] [1].

     وهنا يمكن أن أقول أن هذا الأثر يُعَد واحدًا من الآثار والعقوبات القدرية المترتبة على المعاصي، كما أنه توجَد أيضا عقوبات شرعية على المعاصي [2].

     وأيضا هذا الأثر لا يقتصر فقط على العاصي نفسه، بل يتعدى الأثر ليُصيب غيرَ العاصي من المخلوقات حوله (الجمادات والأحياء)، بل ربما أصاب بعض أهل الصلاح والتقوى، لا لذنب اقترفوه ولكن لكونهم يعيشون مع أهل المعاصي في دنيا واحدة، ولأنهم لم يغضبوا لرؤية المعاصي والمنكرات ولم يسعوا إلى نصح أهلها ودعوتهم إلى التوبة منها، (وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي) [3]!

     بل والأعجب من ذلك: أنه إذا جاء اليوم الذي تخلوا فيه الأرض ممن يوحِّد الله حق التوحيد كان إيذانًا بحدوث خلل وانقلاب في أصل ومركز الكرة الأرضية (وهو الكعبة) بأن تُهدم حجر حجر، ثم ينقلب هذا العالم الكبير ويختل توازنه ويفنى كما جاء في صحيح [البخاري (1591) ومسلم (2909)] من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي  -صلى الله عليه وسلم- قال "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" وهذا إنما يكون عند انقضاء الزمن وإقبال الساعة، وخراب الدنيا حين لا يبقى في الأرض من يقول الله الله [كما جاء في صحيح مسلم ((148)] من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله ،.

     بل إن هذا الانقلاب والاختلال (لايقتصر على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك . ولا بأس من استعراض مظاهر هذا الانقلاب كما جاءت في سور متعددة :

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ. . . وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ).

.( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ . وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ .وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ.).

.( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ . وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ).

.( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ).

.( إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا . وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا . فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا .)

.(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً . فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ).

.( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ).

.( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا).

.( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ).

.( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

.( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا).

. (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ).

. (إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ).

. (بَرِقَ الْبَصَرُ . وَخَسَفَ الْقَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ).

.( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ . وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ . وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ).

.( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا).

. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ).

. (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً).

. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ).

. (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ). .

     فهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة , ترج فيها الأرض وتدك , وتنسف فيها الجبال , وتتفجر فيها البحار إما بامتلائها من أثر الاضطراب , وإما بتفجر ذراتها واستحالتها نارا . كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر , وتشقق فيها السماء وتنفطر , وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر , وتختل المسافات فيجمع الشمس والقمر , وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة متلهبة حمراء . . إلى آخر هذا الهول الكوني الرعيب . ) [4]

     وقبل أن يحدث هذا الانقلاب العام الشامل يحدث انقلاب في الجمادات بسبب معاصي بني أدم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من الثلج فسوَّدته خطايا بني آدم.)

     ولذلك فانه أيضا في أيام كأيامنا هذه التي تُعرض فيها الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى يقول فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فأيُّ قلب أُشرِبَهَا نُكِتَ فيه نكتة سوداء) أي نقطة سوداء ويُحتَمل أن تكون نقطة حقيقية لامعنوية فقط!

     ويُروى أن الأرض تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شئ أحدثتموه والذي نفسي بيده لأن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا.

     وللحديث بقية -إن شاء الله- والحمد لله رب العالمين.

 


______________________________________

(1) انظر لكثير من الأيات القرآنية في كتاب الفوائد للإمام ابن القيم ص 166.

(2) انظر لتفصيل هذه العقوبات في الفصل الخاص بها من كتاب الداء والدواء لابن القيم

(3) الداء والدواء ص39.

(4) في ظلال القرآن المجلد الخامس ص2559.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:53 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.