• ×

مساعد بن عبدالله السلمان

الجمع بين نصوص العقيدة من كلام فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (2)

مساعد بن عبدالله السلمان

 0  0  3.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الجمع بين قول الله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ  ) وبين قوله : (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا زرقاً ) .

 قال أهل العلم في الجمع بين هذا وأمثاله : إن يوم القيامة ليس زمناً متحداً قصيراً تتعارض فيه الأحوال ، لكنه زمن طويل مقداره خمسون ألف سنة ، فيمكن أن تكون الوجوه في وقت من هذا اليوم مسودة ، وفي وقت آخر مزرقة ، هذا جمع .

        الجمع الثاني : أن المراد بالسواد الزرقة ؛ لأن الزرقة كلما اشتدت مالت إلى السواد ، وحينئذٍ يكون زرقاً واسودت بمعنى واحد .

        الجمع  الثالث : أن الناس يختلفون في الجرم والكفر ، فتسود وجوههم أو تزرق بحسب كفرهم وجرمهم ، فمنهم من يكون جرمه شديداً عظيماً فتسود وجوههم ، ومنهم من يكون أخف فتكون زرقاء.

        الجمع الرابع : قالوا : إنهم سود البشرة زرق العيون ، وهذا أعظم في القبح ، إذا كان الوجه أسود والعين زرقاء ، صار هذا أقبح منظراً .

        على كل حال هذه أوجه جمع العلماء بها بين هذا الظاهر الذي يظهر أنه متعارض ، وهنا نقف لنقول : ليس في القرآن شيء متعارض لا يمكن الجمع بينه وبين الآخر ؛ لأن التعارض يقتضي أن يكون أحد المتعارضين حقّا والثاني باطلاً ؛ لأنه ليس معنا إلا حق وضلال : (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) ( يونس :32 ) ، ولا يمكن أن شيء في كتاب الله باطلاً ضلالاً كما قال تعالى : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ( النساء : 82 ) نعم يمكن أن يتعارض النصان ولكن يكون أحدهما ناسخاً للآخر كقوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) ( الأنفال :66 ) والنسخ يكون به إبطال المنسوخ من عند الله ، فلا يكون هناك تعارض ، فإن وجد من القرآن ينتفي به التعارض ، وأما أن يبقى متعارض فهذا شيء ممتنع ، ومن أحسن ما أُلِّف في الجميع بين الآيات المتعارضة كتاب محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله المسمى (( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب )) وهو كتاب جيد ومفيد لطالب العلم . أنظر تفسير سورة آل عمران 2/30 .

    

الجمع بين قول الله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وبين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله خلق آدم على صورته ) وفي رواية : ( على صورة الرحمن ) .
نقول : أ- لا يلزم من كون آدم على صورة الله يماثله ، فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل . ويدل لهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر . وهل يلزم من ذلك أن يكون مثل القمر ؟ . أبداً لكن من حيث الإجمال على صورة القمر وإلا فليس للقمر أنف ، وليس له عين ، وليس له فم ، وأهل الجنة لهم أنوف وأعين وأفواه . وهذا وجه قوي جدًّا ويبقى النص على ظاهره .

        ب- والوجه الثاني أن نقول : إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي على الصورة التي اختارها الله عزّ وجل كما لو قلت : هذا الباب صنعه فلان يعني هو الذي صنعه . فالله هو الذي صور آدم ، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف ، ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلاً للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه لأن آدم خلق على صورة الرحمن . فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عزّ وجل واختار هذه الصورة له ؛ فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيره ، وإذا قبحت الوجه فقلت : ما أقبح هذه الوجه ، فإن هذا أيضاً قدح في الصورة التي خلقها الله عزّ وجل واختارها لهذا الوجه . وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله : ناقة الله ، وبيت الله ، ومساجد الله وما شابه ذلك .. فحينئذٍ تبقى النصوص – ولله الحمد – سليمة لا تتناقص ولا تتعارض . فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير مماثلة ، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق . انظر تفسير سورة آل عمران 1/204و415 .

 

الجمع بين كون أهل الجنة مخلدين فيها كما في قوله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وبين قوله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ... ) الآية .

فا ستثنى فقال : إلا ما شاء ربك ؟

نقول : لا تعارضُ الآيات الدالة على الأبدية هذه الآية ؛ لأنه من المشكل الذي يجب رده إلى المحكم ، والعلماء لهم في هذه الآية أقول .

        ولكن القول الذي يريح الإنسان أن يجعل هذا القيد والقيد الذي في أهل النار ( خالدين فيها إلا ما شاء ربك ) من الأمور المتشابهة ، ويحمل على النصوص المحكمة فنقول : إن الله قال ( إلا ما شاء ربك ) مع أنه قد شاء أن يبقى هذا أبد الآبدين وهو كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور : (( إنا إن شاء الله بكم لاحقون )) فعلَّقه بالمشيئة مع أن اللحوق بهم لا بد منه ، وهذا القول يستريح به الإنسان ، ولا يعترض عليه معترض كما اعترض ابن القيم رحمه الله بأن الله قال في أهل النار : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ( هود : 107 ) .

قال : فاختلاف ختم الآيتين بدل على أن أهل النار ليس خلودهم أبدياً بخلاف أهل الجنة ؛ لأنه قال في أهل الجنة ( عطاءً غير مجذوذ ) ( هود : 108 ) وقال في أهل النار : ( إن ربك فعال لما يريد ) ( هود : 107 ) وهذا في الحقيقة يدلك أن الإنسان مهما بلغ في العلم والذكاء فلن يسلم من الغلط ، والفرق بين الآيتين ظاهر ؛ لأن آية ( السعادة ) فضل فقال : ( عطآء غير مجذوذٍ ) ( هود : 108 ) وآية النار ( الشفاء ) عدل فقال : ( إن ربك فعال لما بريد ) ( هود : 107 ) وهذا من فعله الذي أراد وليس المعنى أنه ( فعال لما يريد ) سيفعل في المستقبل خلاف ذلك كما فهمه ابن القيم رحمه الله ، فإن هذا فَهْم غير سليم بلا شك ، بل إن مناسبة ختم الآية يقوله :   ( إن ربك فعال لما يريد ) هو أنه لما كان الشقاء غير محمود قال : هذا من فعل الله ، والله يفعل ما يريد مع أنه لم يظلمهم . انظر تفسير سورة آل عمران 2/41 .

 

الجمع بين النهي عن الانتساب إلى غير الأب كما في حديث ( لا ترغبوا عن آبائكم ، فمن رغب عن أبيه ، فهو كافر ) وبين انتساب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جده عبد المطلب حيث قال : أنا النبي لا كـذب أنا ابـن عبد المطلب.

... وأما إذا انتمى الإنسان إلى جده ، أو أبي جده ، وهو مشهور ومعروف دون أن ينتفي من أبيه فلا بأس بهذا فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنا النبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب " مع أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فعبد المطلب جده ، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في غزوة حنين ، لأن عبد المطلب أشهر من أبيه عبد الله ، وهو عند قريش في المكانة العليا فلهذا قال : " أنا ابن عبد المطلب " ، لكنه من المعلوم أنه محمد بن عبد الله ، فلم ينتف من أبيه ، ولم يبعد عنه ولكنه انتسب إلى جده لشهرته فقط ، وكذلك أيضًا الناس ينتسبون إلى اسم القبيلة : فيقول مثلاً : أحمد بن تيمية وما أشبه ذلك ، لكن الذي عليه الوعيد هو الذي ينتمي إلى غير أبيه ، لأنه غير راض بحسبه ونسبه فيريد أن يرفع نفسه بالانتماء إلى غير أبيه فهذا هو الذي عليه اللعنة – والعياذ بالله  .

        يوجد – والعياذ بالله – من يفعل ذلك للدنيا ، يوجد أُناس – مثلاً – ينتسبون إلى أعمامهم دون آبائهم للدنيا ، كما يوجد الآن أناس معهم جنسيتان ، إلى عمه أو إلى خاله أو ما أشبه ذلك ، لينال بذلك شيئاً من الدنيا ، ولا يحل له ذلك وهذا حرام عليه ، والواجب على من كان كذلك أن يعدل عنه إلى الوضع الصحيح ومن اتقى الله عزَّ وجلَّ جعل له من أمره يسرًا ورزقه من حيث لا يحتسب . والله الموفق . انظر التعليق على صحيح مسلم 1/258 .

الجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ..... ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض...) وبين قول الله تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ..... ) الآية .

نقول : إن تقاتل المسلمون مستحلاً كل واحد دم أخيه ، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، وإن كان لرئاسة أو عصبية أو حمية أو ما أشبه ذلك ، فإنه لا يكفر كفر ردة ، بل يكون كفره كفراً ، وعليه أن يتوب ويستغفر . انظر شرح رياض الصالحين 2/519 .

 

الجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( سأفعل ) لما طلب منه عتبان بن مالك أن يأتي إليه ليصلي في بيته ولم يقل إن شاء الله ، وبين قول الله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً * إلا أن يشاء الله ... ) الآية .

 نقول : إن الذي يقول مآتيك غداً له نيتان : النية الأولى : أن يقول هذا جازماً بالفعل ، فهذا لا يقول إلا أن يقول مشاء الله ، لأن لا يدري أيأتي عليه الغد أو لا ، ولا يدري هل إذا أتى عليه الغد يكون قادراً على الإتيان إليه أو لا ، ولا يدري إذا كان قادراً يحول بينه وبين مانع أو لا .

النية الثانية : إذا قال : سأفعل ، يريد أن يخبر عما في قلبه من الجزم دون أن بقصد الفعل ، فهذا لا بأس به ، لأن بتكلم عن شيء حاضر ، مثل : لو قيل لك : هل ستسافر مكة ؟ قلت : نعم سأسافر ، تريد أن تخبر عما في قلبك من الجزم ، هذا شيء حاضر حاصل ، أما إن أردت الفعل ، أنك ستفعل يعني سيقع منك هذا ، فهذا لا تقل فيه سأفعل إلا مقروناً بمشيئة الله . انظر شرح رياض الصالحين 3/312 .

 

الجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فإن يكن فيكم محدثون فعمر ) مع أن أبا بكر أبلغ من عمر في إصابة الصواب .

فيقال : إن أبا بكر - رضي الله عنه - يوفق للصواب بدون إلهام . بمعنى أنه - رضي الله عنه - من ذات نفسه بتوفيق الله عزَّ وجلَّ – يُوفّق للصواب ويَدُلّ على هذا عدة مسائل ، يعني يدل على أن أبا بكر أشد توفيقاً للصواب من عمر عدة مسائل :

        أولاً : في صلح الحديبية لما اشترطت قريش على النبي - صلى الله عليه وسلم - شروطاً يبدو أنها ثقيل عظيمة عمل عمر - رضي الله عنه - على إبطالها ، وجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يراجعه في ذلك ويقول : كيف نعطي الدنيّة في ديننا ، كيف نشترط على أنفسنا أن من جاءنا مهم مسلماً ، رددناه إليهم ، ومن جاءهم منا لا يردونه هذا ثقيل ، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إني رسول الله وليست عاصيه وهو ناصري " فذهب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يريد أن يستنجد به في إقناع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكلم أبا بكر فقال له أبو بكر مثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر سواء بسواء قال : إنه رسول الله وليس بعاصيه وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، يعني لا يكن عندك شك في أمره ، فهذا واحدة ، إذن من الموافق للصواب في هذا ؟ أبو بكر لا شك .

        ثانياً في موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما شاع الخبر في المدينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ، اجتمع الناس في المسجد وقام عمر فيهم وقال : " إنه لا يمت وإنما صُعق وليبعثنه الله ، فليُقطعنّ أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف " وأنكر أن يكون قد مات ، وكان أبو بكر قد خرج ذلك اليوم إلى بستان له خارج المدينة فلما كلماته المشهورة التي تكبت بأغلى من ماء الذهب . قال : أما بعد أيها الناس ، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم قرأ الله تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ( الزمر : 30 ) . وقوله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفاين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم )  ( آل عمران : 144 ) .

        قال عمر : فو الله ما إن تلاها أبو بكر حتى عقرت ، فما تحملني رجلاي ، يعني أن الإنسان إذا خاف واشتد به الشيءُ لا يقدر أن يقف .

        ثانياً : أنه لما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ارتد من ارتد من العرب – كفروا والعياذ بالله – وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جهز جيشاً أميرُه أسامة بن زيد ، ليقاتل أدني أهل الشام والجيش كان ظاهر المدينة ولكن لم يسيروا بعد ، ولما ارتد العرب جاء عمر لأبي بكر ، وقال لا ترسلِ الجيشَ ، نحن في حاجة ، فقال له أبو بكر : والله لا أحلّن راية عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسيّرهم أبو بكر ، فكان الصواب مع أبي بكر - رضي الله عنه - لأن الناس لما سمعوا أن أهل المدينة أرسلوا الجيش إلى أطراف الشام ، قالوا : هؤلاء عندهم قوة ولا يمكن أن نرتدّ ، فامتنع كثير من الناس عن الردة وبقوا في الإسلام .

        فالمهم أن أبا بكر - رضي الله عنه - أبلغ من عمر - رضي الله عنه - في إصابة الصواب لاسيما في المواضع الضيقة وعلى كل حال الرجلين - رضي الله عنه -ما وجمعنا وإياكم بهما في جنات النعيم ، موفق للصواب ، وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالله وأكثر طاعة لله وفقه الله تعالى إلى الحق بقدر ما معه من الإيمان والعلم والعمل الصالح ، تجده مثلاً يعمل عملاً يظنه صواباً لكن بدون أن يكون عنده دليل من القرآن والسنة فإذا راجع أو سأل ، وجد أن عمله مطابق للكتاب والسنة ، وهذه من الكرامات ، فعمر - رضي الله عنه - قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إن يكن فيكم مُحدّثون فإنه عمر " . انظر شرح رياض الصالحين 6/79 .

 

الجمع بين الأمر بالخشوع في الصلاة ، وبين فعل عمر - رضي الله عنه - فقد كان يجهز جيشه في الصلاة .

نقول : تجهيز الجيش جهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله يجوز أن يدخل على الصلاة ، ولهذا نجد أن الله شرع للمسلمين صلاة الخوف ، صلاة الخوف فيها أفعال لا تُفعل في غير صلاة الخوف ، كما هو معروف لطلاب العلم ، فعمر - رضي الله عنه - يجهز جيشه في صلاته – وهو حاضر القلب – لم يذهب قلبه يميناً ولا شمالاً  لأنه يعيد الله – عزَّ وجلًّ – وإن كان يجهز الجيش وهو يصلي ، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر وأن يتقبل منَّا ومنكم إنه على كل شيء قدير . انظر شرح رياض الصالحين .

 

الجمع بين كون عيسى عليه السلام حياً ، وبين قول الله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ... ) الآية  .

نقول : الصحيح أن الوفاة وفاة نوم  ، لأن الله عز وجل لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء ؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبعدها ورؤية الأهوال فيما بين السماء والأرض وفي السموات أيضاً ، فأنامه الله ثم رفعه نائما ً حتى وصل إلى السماء .... انظر تفسير سورة آل عمران 1/321 .

 

الجمع بين كون الله لا يطلق عليه عارف ، بل يطلق عليه عالم ، وبين حديث : ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) الحديث .

نقول : هذه معرفة خاصة تستلزم العناية بالذي تعرف إلى الله من قبل ، والدليل على أنها ليست معرفة العلم بل هي معرفة العناية قوله : ( تعرف إلى الله ) مع أن الله يعرفك سواء فمت بعبادته أم لم تقم . لكن إذا فمت بعبادته فقه تعرفت إليه ، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة . انظر تفسير سورة آل عمران 1/420 .

 

الجمع بين النصوص التي تدل على أن العمل الصالح ينحي من النار ويدخل الجنة كما في قول الله تعالى ( من عمل صالحاً من ذكراً أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينة حياة طيبة ......... ) وبين النصوص التي تدل على أن الإنسان لن ينحو من النار بعمله كما في الحديث  ( واعملوا أنه لن ينحو أحد منكم بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ..... ) الحديث .

        والجواب عن ذلك : أن يُقال : يُجمع بينهما بأن المنفيَّ دخولُ الإنسانِ الجنةَ بالعمل في المقابلة ، أمَّا المُثبُتُ : فهو أنَّ العمل سبب وليس عوضاً .

        فالعمل – لا شكَّ – أنَّه سَبَب لدخول الجنَّة والنَّجاة من النَّار ، ولكنهُ ليس هو العوض ، وليس وحده الذي بدخل به الإنسانُ الجنة ، ولكنْ فَضْلُ اللهِ ورحمته هما السَّبب في دخول الجنة ، وهما اللذان بوصلان الإنسانَ إلى الجنة وينجيانه من النار . شرح رياض الصالحين 1/574، وتفسير سورة آل عمران 2/196 .

 

الجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت : اللهم ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة ، فإنه لا مكره له ) .

وبين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن وجده مريضاً : ( لا بأس ، طهور إن شاء الله ) الحديث .

نقول : قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن وجده مريضاً " لا بأس ، طهور إن شاء الله (1) " فهذا من باب الرجاء وهو يعني أرجو أن يكون هذا طهورًا . وأيضاً لم يكن بلفظ المخاطبة ، لم يقل : إن شئت ، وإنما قال : إن شاء الله ، واللفظ بغير المخاطبة أهون وقعاً من اللفظ الذي يأتي بالمخاطبة ، والله أعلم .

 

الجمع بين الأمر بالإسراع بالجنازة كما في الحديث ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة ........ ) وبين تأخير دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

نقول : أراد الصحابة - رضي الله عنه -م ألا يدفنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يقيموا خليفة على عباد الله بعده لئلا تخلو الأرض عن خليفة لله عز وجل في أرضه ، فلهذا لما تمت مبايعة أبي بكر - رضي الله عنه - دفنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه علة ظاهرة واضحة . انظر شرح رياض الصالحين 4/548 .

 

الجمع بين حديث ( ..... وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ..... ) وبين قول زكريا عليه السلام ( فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب ..... ) .

نقول : المراد بقول زكريا عليه السلام إرث العلم والنبوة وليس إرث المال ، فالأنبياء لا يورثون ما ورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما ورثوا هذا العلم – صلوات الله وسلامه عليهم – وهذا أعظم ميراث ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، أي بنصيب وافر كثير ...... ) انظر شرح رياض الصالحين 5/443 .

 

الجمع بين قول الله تعالى : ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) وبين قوله : ( وما ربك بظلام للعبيد )

نقول : لا منافاة لأنه إذا انتفت إرادة الظلم لزم نفي الظلم ، وإذا انتفى الظلم لزم انتفاء إرادته ؛ لأن الله تعالى قادر لو اراد أن يظلم لظلم . انظر تفسير سورة آل عمران 2/45 .

 

 

الجمع بين قول الله تعالى : ( أن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لاخلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ..... ) الآية ، وحديث ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب اليم : شيخ زان .... ) الحديث ، وبين تكليم الله لأهل النار قال تعالى : ( قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) .

 

الجمع أن نقول : المنفي هو تكلم الرضا ن ولكن قد يكلمهم تكليم اهانه وتقريع توبيخ كما في                قوله تعالى : ( قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) . انظر تفسير سورة آل عمران 1/441 .

 

 

الجمع بين عموم نظر الله عز وجل ، وبين قول الله تعالى : ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة ... ) الآية  وحديث ( ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ... ) الحديث .

 

الجمع أن نقول : لا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف ورأفة : وذلك لأنهم ليسوا أهلا للرحمة .                      قال الله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقونه ويؤتون الزكاة والذين هم بأياتنا يؤمنون  ) وأما غيرهم فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة . انظر تفسير سورة آل عمران 1/441 .

 

 

الجمع بين قول الله تعالى : ( ويسارعون في الخيرات ) وبين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم الإقامة فا مشوا إلى الصلاة .... ) الحديث .

 

نقول : إن المسارعة في الخيرات هي المسارعة في موافقة الشرع . انظر تفسير سورة آل عمران 2/83 .

 

الجمع بين قول الله تعالى : ( ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ... ) الآية  وبين استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه – بعد نزول هذه الآية – في زيارة قبر أمه والاستغفار لها .

.... والجواب ظاهر ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وسلَّم لما علم أن الله تعالى قد خفف عن عمه أبي طالب ، استأذن ربه في الاستغفار لأمه لعله أن يخفف عنها ، فلم يأذن له ، وهذا يدل على أنه لا اعتبار بالقرب وإلا لقال قائل : إن التخفيف عن أم الرسول أولى من التخفيف عن عمه !

والجواب : أنه لم يكن لأمه ما كان لعمه من النصرة والدفاع عن النبي صلَّى الله عليه آله وسلَّم . انظر التعليق على صحيح مسلم 1/164 .

 

الجمع بين منع الانحناء لغير الله كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل أينحني لأخيه أو صديقه قال : لا وبين سجود إخوة يوسف ليوسف كما في قوله تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً ) .

نقول : إن هذا من شريعة سابقة وشريعتنا الإسلامية قد نسخته ، ومنعت من ذلك ، فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد ، وإن لم يرد بذلك العبادة ، ولا ينحني له ، حتى الانحناء منع منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا لاقاك أحد يجهل هذا الأمر ونحنى لك ، فانصحه وأرشده ، قل له : هذا ممنوع لا تنحني ، ولا تخضع إلا لله وحده انظر شرح رياض الصالحين 4/447 .

 

 

الجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وأن تؤمن بالقدر خيره خيره وشره ) الحديث وبين قوله : ( والشر ليس إليك ) فنفى أن يكن الشر إليه .

قلنا : الجمع بين هذا ، وبين حديث عمر هذا ، أن نقول : الشر ليس في الفعل ، ولكنه في المفعول ، يعني : أن كان يضر العباد ، لكن المقضي والمقدور هو الذي يكون شرًّا .

والمقدور – كما نعلم – ليس من صفات الله ، لكنه من مخلوقات الله ، فهو بائن منفصل عنه عزَّ وجلَّ .

ثم هذا الشر في المقدور ، هل هو شر محض ؟ وهل هو شر عام ؟ بمعنى هل هو شر لمن قُدِّر عليه ؟ وهل شر عامٌ لجميع الناس ؟

ولنضرب لذلك مثلاً برجل أصيب بمصيبة على إثر ذنب ارتكبه ؛ لقوله تعالى : ( وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) ( الشورى : 30 ) . فهذه المصيبة تكفر الذنب الذي فعله ، فصارت هذه المصيبة خيرًا من وجه ، وشرًّا من وجه ، وليست شرًّا محضًا ؛ بل فيها خير وشر ، وحينئذ يكون تقدير الله لها خيرًا أو شرًّا ؟

الجواب : أن تقديره لها خيرٌ ؛ لأن الله كفَّر بها عن سيئات هذا الرجل . فإذا صار الشر –الذي أصاب هذا _ ليس شرًّا محضًا – حتى بالنسبة له – بل شر من وجه ، وخير من وجه ، فأما وجه الشر فيه : فما لحقه فيه من الأذى والضرر ، ووجه الخير فيه : كون هذه المصيبة كفارةً لسيئاته ، فإن صبر واحتسب ؛ كان فيه رفعةَ درجاته مثال آخر : لو أن شخصًا عنده زرع قد ودعه ، أي : أنهى سقيه ، والزرع إذا أنهي سقيه ، فإن الماء بعد ذلك يضره ، فأمطر الله سيلاً عظيمًا ، فهذا السيل بالنسبة لصاحب الزرع شر ؛ لأنه يضر زرعه ، لكنه بالنسبة للعامة خير .

وخلاصة ما سبق أمران :

الأمر الأول : أن الشر ليس في قضاء الله وقدره – الذي هو فعله – ولكنه في مفعولاته ، والمفعولات مخلوقات بائنة منفصلة عن الله .

الأمر الثاني : أن هذه المفعولات – التي فيها الشر – ليس شرًّا محضًا ، وليست شرًّا عامًّا ؛ بل هي  بالنسبة لمن أصيب بها – خير من وجه ، وشر من وجه آخر ، وبالنسبة لعامة الناس تكون خاصة ، فبهذا تبين معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : " والشر ليس إليك " .

وتأمل قول الله تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) ( الروم : 41 ). هذا عام ، ( ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) (الروم : 41 ) . أي ليذيقهم جزاء بعض الذي عملوا ، لعلهم يرجعون ، فرجوعهم إلى الله خير من الدنيا كلها ، فصار في قضاء الله تعالى هذا – في الفساد – خير . فانتبه لهذا انظر التعليق على صحيح مسلم 1/98 ، وشرح رياض الصالحين 1/478 .

 

 

الجمع بين حديث ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقة ) وبين الأحاديث الدالة على أنه لا يُحرم من دخول الجنة إلا من كان كافراً كفراً محضاً .

الجمع أن نقول : لا يدخل الدخول المطلق الذي لن يسبق بعذاب من لا يأمن جاره بوائقه ، وأما مطلق الدخول فأنه حاصل ، لأن من لا يأمن جاره بوائقة ليس كافراً حتى نقول : إن الجنة عليه حرام ، وبهذا يحصل الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الدالة على أنه لا يُحرم من دخول الجنة إلا من كان كافراً كفراً محضاً . انظر التعليق على مسلم 1/216 .

 

 

الجمع بين حديث ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه .... ) الحديث ، وبين تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت ( ياليتني مت قبل هذا ..... )  الآية .

فالواجب عن ذلك أن نقول :

        أولاً : يجبُ أن نعلمَ أن شرعَ مَنْ قبلنا إذا وردَ شرْعُنا بخلافه فليس بحُجَّة ظن لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان .

        ثانياً : أن مريم لم تتمنَّ الموت ، لكنها تمنَّتِ الموت قيل هذه الفتنة َ ولو بقيت ألف سنة ، المُهِمّ أن تموت بلا فتنة ، ومثلهُ قولُ يوسفَ عليه الصلاة والسلام ( أنت ولي في الدنيا والأخرة توفني مسلماً والحقنى     بالصلحين ) ( يوسف : 101 ) ، ليس معناه سُؤال الله أن يتوفَّاه ، بل هو يسأل أن يتوفَّاه الله على الإسلام   وهذا لا بأس به ، كأن تقول : اللهم توفِّني على الإسلام وعلى الإيمانِ ولع التوحيدِ والإخلاص ، أو توفِّني وأنت راضٍ عني وما أشْبَه ذلك .

        فيجبُ معرفةُ الفَرق بين شخص يتمنى الموت ضيقٍ نزل به ، وبين شخص يتمنى الموتَ على صفةٍ مُعَيَّنةٍ يرضاها الله عزَّ وجلَّ !

        فالأول : هو نهي عنه الرسول عليه الصلاة والسلام  .

        والثاني : جائز .

        وإنما نهى النبيُّ – عليه الصلاة والسلام – عن تمنى الموت لِضُرٍّ تزل به ؛ لأن من تمنى الموت لضُرٍّ نزل به ليس عنده صبر ، الواجبُ أن يصبر الإنسان على الضُّرِّ ، وأن يحتسبَ الأجر من الله عزَّ وجلَّ ، فإن الضَّرر الذي يُصيبك من همّ أو غمٍّ أو مَرَض أو أي شيء مُكفِّرٌ لسيئاتك ، فإن احتسبت الأجر كان رفعةً لدرجاتك . وهذا الذي ينالُ الإنسانَ من الأذى والمرض وغيره لا يدُوم ، لابُدَّ أن ينتهي ، فإذا انتهى وأنت تكسبُ حَسنات باحتسابِ الأجرِ على الله عزَّ وجلَّ ويُكفَّرُ عنك من سيئاتك بسببه ؛ صار خيرًا لك ، كما ثبت عن النبيِّ – عليه الصلاة والسلام – أنه قال : (( عجباً لأمر المؤمن ، إنَّ أمره كلَّه خير ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إنْ أصابتْهُ ضرَّاءُ صبرَ فكان خيرًا له ، وإن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له )) ، فالمؤمن على كلِّ حال هو في خير في ضراء أو في سواء . انظر شرح رياض الصالحين 1/249 .

       

 

الجمع بين حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ) وبين قول يوسف عليه السلام للعزيز : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) .

نجيب بأحد جوابين :

        الأول : إما أن يُقال إن شرع من قبلنا إذا خالفه شرعنا ؛ فالعمدة على شرعنا ، بناء على القاعدة المعروفة عند الأصوليين (( شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه )) وقد ورد شرعنا بخلافه : أننا لا نولي الأمر أحداً طلب الولاية عليه .

        الثاني : أو يُقال : أن يوسف عليه الصلاة والسلام رأى أن المال ضائع وأنه يُفرط فيه ويُلعب فيه  فأراد أن ينقذ البلاد من هذا التلاعب ، ومثل هذا يكون الغرض منه إزالة السوء ، سوء التدبير وسوء العمل ، ويكون هذا لا بأس به ؛ فمثلاً إذا رأينا أميرًا في ناحية لكنه قد أضاع الإمرة وأفسد الخلق ، فلنا أن نقول : ولونا على هذه البلدة لأجل دفع الشر الذي فيها ويكون هذا لا بأس به ، ويكون متمشيًّا مع القواعد .

        ويدل على هذا حديث عثمان بن أبي العاص ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : اجعلني إمام قومي يعني في الصلاة ؛ فقال : (( أنت إمامهم )) فولى الأمر ينظر ما هو السبب في أن هذا الرجل طلب أن يكون أميرًا طلب أن يكون قاضيًا ، طلب أن يكون إمامًا ، ثم يعمل بما يرى أن فيه المصلحة ، والله الموفق . انظر شرح رياض الصالحين 4/21 .

الجمع بني قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ) وبين قول الله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) .

        نقول : ( مآ أصابك من حسنةٍ فمن الله ) يعني من فضله ، هو الذي منَّ عليك َ بها أوَّلاً وآخرًا ( وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) ( الشورى : 30 ) .

        وخلاصةُ الكلام : أن كلَّ شيءٍ واقعٌ فإنه يقدر الله ، سواءٌ كان خيرًا أم شرًّا . انظر شرح رياض الصالحين 1/480.

 

الجمع بين حديث أنس - رضي الله عنه - قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة تبكي عند قبر فقال  ( اتقي الله واصبري ) الحديث ، وبين حديث ( لعن زائرات القبور ... ) .

نقول : هذه لم تخرجْ للزيارة ، وإنما خرجتْ لما في قلبها من لَوْعة فِرَاق هذا الصبي والحزنِ الشديد ، لم تملك نفسها أن تأتي ؛ ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يُقمها بالقوَّة ، ولم يجبرها على أن ترْجعَ إلى بيتها . انظر شرح رياض الصالحين 1/228 .

 

 

الجمع بين كون حق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد حق الله ، وبين قول الله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ..... )

        قال العلماء : لأن حق الرسول من حق الله ؛ لأن عبادة الله لا يمكن أن تقبل إلا باتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحق الرسول داخل في ضمن حق الله عزَّ وجلَّ فمن لم يجرد العبادة لله إخلاصًا وللرسول اتباعًا فلا عبادة له ، ولهذا لم يذكر حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه داخل في حق الله . انظر شرح رياض الصالحين 5/396 و 472 .

 

 

الجمع بين حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أفضل ؟ قال  ( إيمان بالله ورسوله ) الحديث وبين حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) الحديث .

الجمع أن نقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال : أوصني ، قال : (( لا تغضب )) قال : أوصني ، قال : (( لا تغضب )) قال : أوصني ، قال : (( لا تغضب )) . ما قال : أوصيك بتقوى الله ، وبالعمل الصالح ؛ لأن هذا الرجل يليق بحاله أن يوصي بترك الغضب ، لأنه غضوب . فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله ، ويعلم هذا بتتبع الأدلة العامة في الشريعة ، وبيان مراتب الأعمال والله الموفق . انظر التعليق على صحيح مسلم 1/295 .

 

 

الجمع بين عتاب الله لداود عليه السلام حيث أنه لم يستمع لدعوى الخصم الثاني ، وبين افتاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها مَا يكفيهاَ ويكفي بنيها دون أن يستمع لزوجها .

قال العلماء : إن هذا من باب الإفتاء وليس من باب الحكم والقضاء . انظر التعليق على القواعد والأصول  الجامعة ص 353



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:32 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.