• ×

مساعد بن عبدالله السلمان

الجمع بين نصوص العقيدة من كلام فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (1)

مساعد بن عبدالله السلمان

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين  رحمه الله تعالى حول إمكانية الجمع بين النصوص والواقع:

أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته، لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً كما قال شيخ الإسلام في كتابه " العقل والنقل " : " لا يمكن للدليلين القطعيين أن يتعارضا أبداً ، لأن تعارضها يقتضي إما رفع النقيضين أو جمع النقيضين ، وهذا مستحيل ، فإن ظن التعارض بينهما ، فإما أن لا يكون الخطأ من الفهم ، وإما إن يكون أحدهما ظنياً والآخر قطعياً " .

فإذا جاء الأمر الواقع الذي لا إشكال فيه مخالفاً لظاهر شيء من الكتاب أو السنة ، فإن ظاهر الكتاب يؤول حتى يكون مطابقاً للواقع ، مثال ذلك قوله تعالى : ) تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمر منيراً ( [ الفرقان : 61] ، وقال تعالى : ) وجعل القمر فيهن نوراً ( [ نوح : 16] ، أي : في السماوات .

والآية الثانية أشد إشكالاً من الآية الأولى ، لأن الأولى يمكن أن نقول : المراد بالسماء العلو ، ولكن الآية الثانية هى المشكلة جداً ، والمعلوم بالحس المشاهد أن القمر ليس في السماء نفسها ، بل هو في فلك بين السماء والأرض .

والجواب أن يقال : إن كان القرآن يدل على أن القمر مرصع في السماء كما يرصع المسمار في الخشبة دلالة قطعية ، فإن قولهم : إننا وصلنا القمر ليس صحيحاً ، بل وصلوا جرماً في الجو ظنوه القمر .

 

1

 

 

لكن القرآن ليس صريحاً في ذلك ، وليست دلالته قطعية في أن القمر مرصع في السماء ، فآية الفرقان قال الله فيها : ) تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً منيراً ( ، فيمكن أن يكون المراد بالسماء العلو ، كقول تعالى ) أنزل من السماء ماء ( [ الرعد :17] والماء ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض ، كما قال الله تعالى : ) والسحاب المسخر بين السماء والأرض ( [ البقرة : 164] ، وهذا التأويل للآية قريب .

وأما قوله : ) وجعل فيهن نوراً ( ، فيمكن فيها التأويل أيضاً بأن يقال : المراد لقوله : ) فيهن ( : في جهتهن ، وجهة السماوات العلو ، وحينئذ يمكن الجمع بين الآيات والواقع . ( 1 )

 

 

       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر القول المفيد 2  / 538  و  مجموع الفتاوى   5  /  271

 

2

1 - الجمع بين قول الله تعالى : ]تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً[(1). وقوله : ]وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً[(2). وبين ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر .

 الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فقد تواترت الأخبار بإنزال مركبة فضائية على سطح القمر بعد المحاولات العديدة التي استنفدت فيها الطاقات الفكرية والمادية والصناعية عدة سنوات وقد أثار هذا النبأ تساؤلات وأخذاً ورداً بين الناس.

فمن قائل: إن هذا باطل مخالف للقرآن، ومن قائل : إن هذا ثابت والقرآن يؤيده، فالذين ظنوا أنه مخالف للقرآن قالوا : إن الله أخبر أن القمر في السماء فقال: ]تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً[(1). وقال: ]وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً[(2). وإذا كان القمر في السماء فإنه لا يمكن الوصول إليه، لأن الله جعل السماء سقفاً محفوظاً، والنبي، صلى الله عليه وسلم، أشرف الخلق ومعه جبريل أشرف الملائكة وكان يستإذاً ويستفتح عند كل سماء ليلة المعراج ولا يحصل لهما دخول السماء إلا بعد أن يفتح لهما فكيف يمكن لمصنوعات البشر أن تنزل على سطح القمر وهو في السماء المحفوظة.

والذين ظنوا أن القرآن يؤيده قالوا : إن الله قال في سورة الرحمن: ]يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان[(3). والسلطان العلم وهؤلاء استطاعوا أن ينفذوا من أقطار الأرض بالعلم فكان عملهم هذا مطابقاً للقرآن وتفسيراً له.

وإذا صح ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر فإن الذي يظهر لي أن القرآن لا يكذبه ولا يصدقه فليس في صريح القرآن ما يخالفه، كما أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ويؤيده.

1- أما كون القرآن لا يخالفه فلأن القرآن كلام الله تعالى المحيط بكل شيء علماً فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون من الأمور الماضية والحاضرة، والمستقبلة، سواء منها ما كان من فعله، أو من خلقه فكل ما حدث أو يحدث في السموات أو في الأرض من أمور صغيرة، أو كبيرة ظاهرة، أو خفية فإن الله ـ تعالى ـ عالم به ولم يحدث إلا بمشيئته وتدبيره لا جدال في ذلك.

فإذا كان كذلك فالقرآن كلامه وهو سبحانه أصدق القائلين ومن أصدق من الله قيلاً، وكلامه أحسن الكلام وأبلغه في البيان، ومن أحسن من الله حديثاً فلا يمكن أن يقع في كلامه الصادر عن علمه، والبالغ في الصدق والبيان غايته لا يمكن أن يقع في كلام هذا شأنه ما يخالف الواقع المحسوس أبداً، ولا أن يقع في المحسوس ما يخالف صريحه أبداً.

ومن فهم أن في القرآن ما يخالف الواقع، أو أن من المحسوس ما يقع مخالفاً للقرآن ففهمه خطأ بلا ريب.

والآيات التي يظنها بعض الناس دالة على أن القمر في السماء نفسها ليس فيها التصريح بأنه مرصع في السماء نفسها التي هي السقف المحفوظ نعم ظاهر اللفظ أن القمر في السماء نفسها، ولكن إن ثبت وصول السفن الفضائية إليه ونزولها على سطحه فإن ذلك دليل على أن القمر ليس في السماء الدنيا التي هي السقف المحفوظ وإنما هو في فلك بين السماء والأرض كما قال ـ تعالى ـ: ]وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون[(1). وقال ـ تعالى ـ: ]لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون[(2). قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : "يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، وذكر الثعلبي والماوردي عن الحسن البصري أنه قال: "الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة به ولو كانت ملصقة به ما جرت" ذكره عنهما القرطبي في تفسير سورة يس.

والقول بأن الشمس والقمر في فلك بين السماء والأرض لا ينافي ما ذكر الله من كونهما في السماء، فإن السماء يطلق تارة على كل ما علا قال ابن قتيبة: "كل ما علاك فهو سماء" فيكون معنى كونهما في السماء أي في العلو أو على تقدير مضاف أي في جهة السماء.

وقد جاءت كلمة السماء في القرآن مراداً بها العلو كما في قوله تعالى: ]ونزلنا من السماء ماء مباركاً[(3). يعني المطر، والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض.

وإذا ثبت ما ذكروا عن سطحية القمر فإن ذلك يزيدنا معرفة في آيات الله العظيمة حيث كان هذا الجرم العظيم وما هو أكبر منه وأعظم يجري بين السماء والأرض إلى الأجل الذي عينه الله تعالى لا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر عن السير الذي قدره له العزيز العليم، ومع ذلك فتارة يضيء كله فيكون بدراً ، وتارة يضيء بعضه فيكون قمراً أو هلالاً ذلك تقدير العزيز العليم.

وأما ما اشتهر من كون القمر في السماء الدنيا، وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة فإن هذا مما تلقي عن علماء الفلك والهيئة وليس فيه حديث صحيح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أن ابن كثير رحمه الله مع سعة اطلاعه لما تكلم على أن الشمس في الفلك الرابع قال: "وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه". ا.هـ فقوله: "وليس في الشرع ما ينفيه". واستدلاله على ثبوته بالحس دليل على أنه ليس في الشرع ما يثبته أي ما يثبت أن الشمس في الفلك الرابع والله أعلم.

2- وأما كون القرآن لا يدل على وصول السفن الفضائية إلى القمر فلأن الذين ظنوا ذلك استدلوا بقوله تعالى: ]يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان[(1). وفسروا السلطان بالعلم.

وهذا الاستدلال مردود من وجوه:

الأول: أن سياق الآية يدل على أن هذا التحدي يكون يوم القيامة ويظهر ذلك جلياً لمن قرأ هذه السورة من أولها فإن الله ذكر فيها ابتداء خلق الإنسان والجان، وما سخر للعباد في آفاق السموات والأرض، ثم ذكر فناء من عليها ثم قال: ]سنفرغ لكم آيٌّهَ الثقلان[(2). وهذا الحساب ثم تحدى الجن بأنه لا مفر لهم ولا مهرب من أقطار السموات والأرض فيستطيعون الهروب ولا قدرة لهم على التناصر فينصروا وينجوا من المرهوب، ثم أعقب ذلك بذكر الجزاء لأهل الشر بما يستحقون، ولأهل الخير بما يؤملون ويرجون.

ولا شك أن السياق يبين المعنى ويعينه فرب كلمة أو جملة صالحة لمعنى في موضع ولا تصلح له في موضع آخر، وأنت ترى أحياناً كلمة واحدة لها معنيان متضادان يتعين المراد منهما بواسطة السياق كما هو معروف في كلمات الأضداد في اللغة.

 

فلو قدر أن الآية الكريمة تصلح أن تكون في سياق ما خبراً لما سيكون في الدنيا فإنها في هذا الموضع لا تصلح له بل تتعين أن تكون للتهديد والتعجيز يوم القيامة وذلك لما سبقها ولحقها من السياق.

الثاني : أن جميع المفسرين ذكروا أنها للتهديد والتعجيز وجمهورهم على أن ذلك يوم القيامة وقد تكلم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على هذه الآية في سورة الحجر عند قوله      ـ تعالى ـ: ]ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم[(1). ووصف من زعم أنها تشير إلى الوصول إلى السماء وصفه بأنه لا علم عنده بكتاب الله.

الثالث: أنه لو كان معناها الخبر عما سيحدث لكان معناها يا معشر الجن والإنس إنكم لن تنفذوا من أقطار السموات والأرض إلا بعلم وهذا تحصيل حاصل فإن كل شيء لا يمكن إدراكه إلا بعلم أسباب إدراكه والقدرة على ذلك، ثم إن هذا المعنى يسلب الآية روعتها في معناها وفي مكانها فإن الآية سبقها الإنذار البليغ بقوله ـتعالىـ:]سنفرغ لكم أيه الثقلان[(2). وتلاها الوعيد الشديد في قوله: ]يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران[(3).

الرابع: أن دلالة الآية على التحدي ظاهرة جداً.

أولاً: لما سبقها ويتلوها من الآيات.

ثانياً: أن ذكر معشر الجن والإنس مجتمعين معشراً واحداً فهو قريب من مثل قوله ـ تعالى: ]قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً[(4).

ثالثاً: أن قوله: ]إن استطعتم[ ظاهر في التحدي خصوصاً وقد أتى بـ "إن" دون "إذا" تدل على وقوع الشرط بخلاف "إن".

الخامس: إنه لو كان معناها الخبر لكانت تتضمن التنويه بهؤلاء والمدح لهم حيث عملوا وبحثوا فيما سخر الله لهم حتى وصلوا إلى النفوذ وفاتت النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين هم أسرع الناس امتثالاً لما دعا إليه القرآن.

السادس: أن الآية الكريمة علقت الحكم بالجن والإنس ومن المعلوم أن الجن حين نزول القرآن كانوا يستطيعون النفوذ من أقطار الأرض إلى أقطار السماء كما حكى الله عنهم ]وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً[(5). فكيف يعجزهم الله بشيء كانوا يستطيعونه، فإن قيل : إنهم كانوا لا يستطيعونه بعد بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، قلنا:هذا أدل على أن المراد بالآية التعجيز لا الخبر.

السابع: أن الآية علقت الحكم بالنفوذ من أقطار السموات والأرض ومن المعلوم أنهم ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن ينفذوا من أقطار السموات مهما كانت قوتهم.

الثامن: أن الآية الكريمة أعقبت بقوله ـ تعالى ـ: ]يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران[(1). ومعناها والله أعلم إنكم يا معشر الجن والإنس لو حاولتما النفوذ من ذلك لكان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس والمعروف أن هذه الصواريخ لم يرسل عليها شواظ من نار ولا نحاس فكيف تكون هي المقصود بالآية.

التاسع: أن تفسيرهم السلطان هنا بالعلم فيه نظر فإن السلطان ما فيه سلطة للواحد على ما يريد السيطرة عليه والغلبة ويختلف باختلاف المقام فإذا كان في مقام العمل ونحوه فالمراد به القوة والقدرة ومنه قوله تعالى عن إبليس: ]إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون[(2). فالسلطان في هذه الآية بمعنى القدرة ولا يصح أن يكون بمعنى العلم، ومنه السلطان المذكور في الآية التي نحن بصددها فإن النفوذ عمل يحتاج إلى قوة وقدرة والعلم وحده لا يكفي وهؤلاء لم يتوصلوا إلى ما ذكر عنهم بمجرد العلم ولكن بالعلم والقدرة والأسباب التي سخرها الله لهم، وإذا كان السلطان في مقام المحاجة والمجادلة كان المراد به البرهان والحجة التي يخصم بها خصمه ومنه قوله تعالى: ]إن عندكم من سلطان بهذا[(3). أي من حجة وبرهان ولم يأت السلطان في القرآن مراداً به مجرد العلم والاشتقاق يدل على أن المراد بالسلطان ما به سلطة للعبد وقدرة وغلبة.

فتبين بهذا أن الآية الكريمة لا يراد بها الإشارة إلى ما ذكر من السفن الفضائية وإنزالها إلى القمر وهذه الوجوه التي ذكرناها منها ما هو ظاهر ومنها ما يحتاج إلى تأمل وإنما نبهنا على ذلك خوفاً من تفسير كلام الله بما لا يراد به لأن ذلك يتضمن محذورين:

أحدهما: تحريف الكلم عن مواضعه حيث أخرج عن معناه المراد به.

الثاني: التقول على الله بلا علم حيث زعم أن الله أراد هذا المعنى مع مخالفته للسياق وقد حرم الله على عباده أن يقولوا عليه ما لا يعلمون.

بقي أن يقال : إذا صح ما ذكر من إنزال المركبة الفضائية على سطح القمر فهل بالإمكان إنزال إنسان على سطحه؟.

فالجواب : أن ظاهر القرآن عدم إمكان ذلك وأن بني آدم لا يحيون إلاّ في الأرض يقول الله  ـ تعالى ـ: ]فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون[(1). فحصر الحياة في الأرض والموت فيها والإخراج منها، وطريق الحصر فيها

 

 

 

تقديم ما حقه التأخير، ونحو هذه الآية قوله ـ تعالى ـ: ]منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى[(2). حيث حصر ابتداء الخلق من الأرض، وأنها هي التي نعاد فيها بعد الموت ونخرج منها يوم القيامة، كما أن هناك آيات تدل على أن الأرض محل عيشة الإنسان ]ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش[(3). فظاهر القرآن بلا شك يدل على أن لا حياة للإنسان إلا في هذه الأرض التي منها خلق، وإليها يعاد، ومنها يخرج، فالواجب أن نأخذ بهذا الظاهر وأن لا تبعد أوهامنا في تعظيم صناعة المخلوق إلى حد نخالف به ظاهر القرآن رجماً بالغيب، ولو فرض أن أحداً من بني آدم تمكن من النزول على سطح القمر وثبت ذلك ثبوتاً قطعياً أمكن حمل الآية على أن المراد بالحياة المذكورة الحياة المستقرة الجماعية كحياة الناس على الأرض، وهذا مستحيل والله أعلم.

وبعد فإن البحث في هذا الموضوع قد يكون من فضول العلم لولا ما دار حوله من البحث والمناقشات حتى بالغ الناس في رده وإنكاره، وغلا بعضهم في قبوله وإثباته، فالأولون جعلوه مخالفاً للقرآن، والآخرون جعلوه مؤيداً بالقرآن فأحببت أن أكتب ما حررته هنا على حسب ما فهمته بفهمي القاصر وعلمي المحدود.

وأسأل الله أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه نافعاً لعباده والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين. ( 1 )

 

 

 

 

 

 

2- الجمع بين قول الله تعالى :﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ وبين علم الطب الآن بذكورة الجنين وأنوثته.

  سئل الشيخ رحمه الله  عن هذا  ؟

فأجاب بقوله : قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته، لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً .

فإذا تبين ذلك فقد قيل : إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكراً فإن كان ما قيل باطلاً فلا كلام، وإن كان صدقاً فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي : مقدار مدته في بطن أمه، وحياته، وعمله، ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكراً أم أنثى، قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق، فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب، لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة، التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكراً أم أنثى . وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة، وكذلك لم تأت السنة بذلك.

وأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً سأل النبي، صلي الله عليه وسلم عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية. فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهداً رحمه الله من التابعين.

وأما تفسير قتادة رحمه الله فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله تعالى بعلمه ذلك إذا كان لم يخلق، أما بعد أن يخلَّق فقد يعلمه غيره.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية لقمان: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه . أ.هـ.

10

وأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله تعالى: ) ما في الأرحام( . فنقول : إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع، وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص، أو الإجماع، أو القياس، أو الحس، أو العقل وكلامهم في ذلك معروف.

وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته.

والحمد لله أنه لم يوجد ولن يوجد في الواقع ما يخالف صريح القرآن الكريم، وما طعن فيه أعداء المسلمين على القرآن الكريم من حدوث أمور ظاهرها معارضة القرآن الكريم فإنما ذلك لقصور فهمهم لكتاب الله تعالى، أو تقصيرهم في ذلك لسوء نيتهم، ولكن عند أهل الدين والعلم من البحث والوصول إلى الحقيقة ما يدحض شبهة هؤلاء ولله الحمد والمنة.

والناس في هذه المسألة طرفان ووسط:

فطرف تمسك بظاهر القرآن الكريم الذي ليس بصريح، وأنكر خلافه من كل أمر واقع متيقن، فجلب بذلك الطعن إلى نفسه في قصوره أو تقصيره، أو الطعن في القرآن الكريم حيث كان في نظره مخالفاً للواقع المتيقن.

وطرف أعرض عما دل عليه القرآن الكريم وأخذ بالأمور المادية المحضة، فكان بذلك من الملحدين.

وأما الوسط فأخذوا بدلالة القرآن الكريم وصدقوا بالواقع، وعلموا أنَّ كلاًّ منهما حق، ولا يمكن أن يناقض صريح القرآن الكريم أمراً معلوماً بالعيان، فجمعوا بين العمل بالمنقول والمعقول، وسلمت بذلك أديانهم وعقولهم، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وفقنا الله وإخواننا المؤمنين لذلك، وجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.( 1 )

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى 1 / 68 و 5 / 271

11

 

 

 

3 - الجمع بين قول الله تعالى : " ]وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو    ( (1)،وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم حيث تلا قوله تعالى :" إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث " وبين ما نسمع في الإذاعات , يقولون : سينزل غداً مطر في جهات معينة .

قال رحمه الله : إن هذا يشكل على كثير من الناس، فيظن أن هذه التوقعات ـ التي تذاع في الإذاعات ـ يظن أنها تعارض قول الله ـ تعالى ـ: ]وعنده مفاتح الغيب[(1)، والحقيقة أنها لا تعارض ذلك، لأن علمهم بهذا علم مستند إلى محسوس لا إلى غيب، وهذا المحسوس هو أن الله ـ عز وجل ـ حكيم، كل شيء يقع له سبب، فالأشياء مربوطة بأسبابها، فقد تكون الأسباب معلومة لكل أحد، وقد تكون معلومة لبعض الناس، وقد تكون غير معلومة لأحد، فإننا لا نعلم سبب كل شيء وحكمة كل شيء، المطر إذا أراد الله ـ عز وجل ـ إنزاله، فإن الجو يتغير تغيراً خاصاً، يتكون معه السحاب، ثم نزول المطر، كما أن الحامل عندما يريد الله ـ عز وجل ـ أن يخرج منها الولد فإن الجنين ينشأ في بطنها شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى الغاية، فهؤلاء عندهم مراصد دقيقة، تلامس الجو، ويعرف بها تكيف الجو، فيقولون إنه سيكون مطر، ولهذا نجدهم لا يتجاوز علمهم أكثر من ثمان وأربعين ساعة هذا أكثر ما سمعت، وإن كان قد قيل:إنهم وصلوا إلى أن يعلموا مدى ثلاثة أيام، على كل حال فعلمهم محدود، لأنه مبني على أسباب حسية لا تدرك إلا بواسطة هذه الآلات، ونحن مثلاً بحسنا القاصر إذا رأينا السماء ملبدة بالغيوم، ورأينا هذا السحاب يرعد ويبرق، فإننا نتوقع أن يكون ذلك مطراً، هم كذلك يتوقعون إذا رأوا في الجو تكيفاً معيناً يصلح معه أن يكون المطر وحينئذ لا معارضة بين الآية وبين الواقع، على أنهم أيضاً يتوقعون توقعاً فربما يخطئون وربما يصيبون.

 

 

4 - الجمع بين حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النزول ، وبين الواقع إذ الليل عندنا مثلاً نهار في أمريكا .

سئل الشيخ رحمه الله عن هذا ؟

 فأجاب بقوله: سؤالكم عن الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول : من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له "، هذا لفظ البخاري في باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. فتسألون كيف يمكن الجمع بين هذا الحديث، وبين الواقع إذ الليل عندنا مثلاً نهار في أمريكا.

فجوابه: أنه لا إشكال في ذلك بحمد الله تعالى حتى يطلب الجمع، فإن هذا الحديث من صفات الله تعالى الفعلية، والواجب علينا نحو صفات الله تعالى سواء أكانت ذاتية كالوجه واليدين، أم معنوية كالحياة والعلم، أم فعلية كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا فالواجب علينا نحوها ما يلي:

1.    الإيمان بها على ما جاءت به النصوص من المعاني والحقائق اللائقة بالله تعالى.

2.  الكف عن محاولة تكييفها تصوراً في الذهن، أو تعبيراً في النطق، لأن ذلك من القول على الله تعالى بلا علم. وقد حرمه الله تعالى في قوله: ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( (1) . وفي قوله تعالى: ) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً( (2). ولأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يدرك المخلوق كنه صفاته وكيفيتها، ولأن الشيء لا يمكن إدراكه إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتف بالنسبة لكيفية صفات الله تعالى.

3.  الكف عن تمثيلها بصفات المخلوقين سواء كان ذلك تصوراً في الذهن، أم تعبيراً في النطق لقوله تعالى: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( (3).

فإذا علمت هذا الواجب نحو صفات تعالى، لم يبق إشكال في حديث النزول ولا غيره من صفات الله تعالى وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر مخاطباً بذلك جميع أمته في مشارق الأرض ومغاربها، وخبره هذا من علم الغيب الذي أظهره الله تعالى عليه، والذي أظهره عليه وهو الله تعالى عالم بتغير الزمن على الأرض وأن ثلث الليل عند قوم يكون نصف النهار عند آخرين مثلاً.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الأمة جميعاً بهذا الحديث الذي خصص فيه نزول الله تبارك وتعالى، بثلث الليل الآخر فإنه يكون عاماً لجميع الأمة، فمن كانوا في الثلث الآخر من الليل تحقق عندهم النزول الإلهي، وقلنا لهم : هذا وقت نزول الله تعالى بالنسبة إليكم ومن لم يكونوا في هذا الوقت فليس ثم نزول الله تعالى بالنسبة إليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم حدد نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا بوقت خاص، فمتى كان ذلك الوقت كان النزول، ومتى انتهى انتهى النزول، وليس في ذلك أي إشكال. وهذا وإن كان الذهن قد لا يتصوره بالنسبة إلى نزول المخلوق لكن نزول الله تعالى ليس كنزول خلقه حتى يقاس به ويجعل ما كان مستحيلاً بالنسبة إلى المخلوق مستحيلاً بالنسبة إلى الخالق فمثلاً إذا طلع الفجر بالنسبة إلينا وابتدأ ثلث الليل بالنسبة إلى من كانوا غرباً قلنا : إن وقت النزول الإلهي بالنسبة إلينا قد انتهى. وبالنسبة إلى أولئك قد ابتدأ، وهذا في غاية الإمكان بالنسبة إلى صفات الله تعالى، فإن الله تعالى: ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح حديث النزول: " فالنزول الإلهي لكل قوم مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب، وأيضاً فإنه إذا كان ثلث الليل عند قوم فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدوق أيضاً عند أولئك، إذا بقي ثلث ليلهم وهكذا إلى آخر العمارة" أ. هـ كلامه رحمه الله. ( 1 )

 

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  1 /  215

14

5 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه " وبين أن هناك أزمنة انتشر فيها الشرك والبدع والجهل ثم أتى زمن من بعدها كان خيراً منها حيث محي الشرك أو تقلص وزالت البدع وانتشر العلم

قال رحمه الله : هذا الحديث قاله أنس بن مالك رضي الله عنه- حين شكا الناس إليه ما يجدون من الحجاج الثقفي فحدثهم بهذا الحديث عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، "إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم". والإنسان لا ينظر إلى جهة من الأرض أو إلى جيل من الناس وإنما النظر للعموم، فإذا قدر أن هذه الجهة من الأرض زال عنها الشرك والفتن بعد أن كان حالاً فيها فلا يعني ذلك أنه رفع عن جميع الأرض أو خف في جميع الأرض ، وهذا النص يقصد به العموم لا كل طائفة أو كل جهة من الأرض بعينها ، وقد يقال : إن هذا الحديث بناء على الأغلب ، فما وقع من خير بعد الشر ولو كان عاماً فإنه يكون مخصصاً لهذا الحديث. ( 1 )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  2  /  209

15

6 - الجمع بين قول ابن مسعود رضي الله عنه : " بين السماء والتي تليها خمسمائة عام ، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمس مئة عام ، والعرس فوق الماء ، والله فوق العرش ، لا يخفي عليه شيء من أعمالكم " وبين ما ذكره المعاصرون اليوم من أن بيننا وبين بعض النجوم والمجرات مسافات عظيمة.

قال رحمه الله : إنه إذا صحت الأحاديث عن رسول الله  r ، فإنا نضرب بما عارضها عرض الحائط ، لكن إذا قدر أننا رأينا الشيء بأعيننا ، وأدركنا بأبصارنا وحواسنا ، ففي هذه الحال يجب أن نسلك أحد أمرين :

الأول : محاولة الجمع بين النص والواقع إن أمكن الجمع بينهما بأي طريق من طرق الجمع .

الثاني : إن لم يمكن الجمع تبين ضعف الحديث ، لأنه لا يمكن للأحاديث الصحيحة أن تخالف شيئاً حسياً واقعاً أبداً ، كما قال شيخ الإسلام في كتابه " العقل والنقل " : " لا يمكن للدليلين القطعيين أن يتعارضا أبداً ، لأن تعارضها يقتضي إما رفع النقيضين أو جمع النقيضين ، وهذا مستحيل ، فإن ظن التعارض بينهما ، فإما أن لا يكون الخطأ من الفهم ، وإما إن يكون أحدهما ظنياً والآخر قطعياً " .

فإذا جاء الأمر الواقع الذي لا إشكال فيه مخالفاً لظاهر شيء من الكتاب أو السنة ، فإن ظاهر الكتاب يؤول حتى يكون مطابقاً للواقع ، مثال ذلك قوله تعالى : ) تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمر منيراً ( [ الفرقان : 61] ، وقال تعالى : ) وجعل القمر فيهن نوراً ( [ نوح : 16] ، أي : في السماوات .

والآية الثانية أشد إشكالاً من الآية الأولى ، لأن الأولى يمكن أن نقول : المراد بالسماء العلو ، ولكن الآية الثانية هي المشكلة جداً ، والمعلوم بالحس المشاهد أن القمر ليس في السماء نفسها ، بل هو في فلك بين السماء والأرض .

 

16

والجواب أن يقال : إن كان القرآن يدل على أن القمر مرصع في السماء كما يرصع المسمار في الخشبة دلالة قطعية ، فإن قولهم : إننا وصلنا القمر ليس صحيحاً ، بل وصلوا جرماً في الجو ظنوه القمر .

لكن القرآن ليس صريحاً في ذلك ، وليست دلالته قطعية في أن القمر مرصع في السماء ، فآية الفرقان قال الله فيها : ) تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً منيراً ( ، فيمكن أن يكون المراد بالسماء العلو ، كقول تعالى ) أنزل من السماء ماء ( [ الرعد :17] والماء ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض ، كما قال الله تعالى : ) والسحاب المسخر بين السماء والأرض ( [ البقرة : 164] ، وهذا التأويل للآية قريب .

وأما قوله : ) وجعل فيهن نوراً ( ، فيمكن فيها التأويل أيضاً بأن يقال : المراد لقوله : ) فيهن ( : في جهتهن ، وجهة السماوات العلو ، وحينئذ يمكن الجمع بين الآيات والواقع . ( 1 )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر القول المفيد   2  / 538

17

7- الجمع بين قول الله تعالى عن اليهود : "  غلت أيديهم " وبين الواقع اليوم بالنسبة لليهود فهم يبذلون ليربحوا أكثر .

قال رحمه الله : لما وصفوا الله بهذا العيب، عاقبهم الله بما قالوا، فقال: ]غلت أيديهم[، أي: منعت عن الإنفاق، ولهذا كان اليهود أشد الناس جمعاً للمال ومنعاً للعطاء، فهم أبخل عباد الله، وأشدهم شحاً في طلب المال، ولا يمكن أن ينفقوا فلساً، إلا وهم يظنون أنهم سيكسبون بدله درهماً، ونرى نحن الآن لهم جمعيات كبيرة وعظيمة، لكن هم يريدون من وراء هذه الجمعيات والتبرعات أكثر وأكثر، يريدون أن يسيطروا على العالم.

فإذا، لا تقل أيها الإنسان: كيف نجمع بين قوله تعالى: ]غلت أيديهم[، وبين الواقع اليوم بالنسبة لليهود؟! لأن هؤلاء القوم يبذلون ليربحوا أكثر. ( 1 )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى   8  /  248

18

8 - الجمع بين قول الله تعالى :" وإلى الأرض كيف سطحت " وبين كونها مكورة .

قال رحمه الله : لو قال قائل: إن الله عز وجل أخبر أن الأرض قد سطحت، قال: ) وإلي الأرض كيف سطحت ( [ الغاشية: 20]، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة، فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟

فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطىء إما لقصوره أو تقصيره، فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه، حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية.

فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله، ، فلازم ذلك أنه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر به كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته. ( 1 )

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  8   /  644

19

 

9 - الجمع بين دنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل ولا تحرقهم , وبين لو دنت عما هي عليه الآن بمقدار شبر واحد لاحترقت الأرض.

قال رحمه الله : إن وظيفة المؤمن وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم وأن لا يسأل عن كيف؟ ولم؟ لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت، فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول : آمنا وصدقنا ، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل ، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع ، ولهذا لما سئل الإمام مالك- رحمه الله عن استواء الله كيف استوى؟ قال : "السؤال عنه بدعة" هكذا أيضاً كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة وموقف الإنسان منها القبول والتسليم.

جواب الشق الثاني بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول:

إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص وعدم التحمل بل هي تبعث بعثاً كاملاً تاماً ، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يوماً مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون ، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا ، فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها ، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة لا يحتاجون إلى طعام ولا شراب ، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا. ( 1 )

10 - الجمع بين قول الله تعالى : " والله لا يهدي القوم الكافرين " وبين الواقع من أن الله سبحانه وتعالى هدى قوماً كافرين كثيرين "

قال رحمه الله تعالى : إن من هدى الله لم تكن حقت عليهم كلمة الله؛ فأما من حقت عليه كلمة الله فلن يُهْدى، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . ( 2 )

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  2  /  35  و  3  /  175

( 2 ) انظر تفسير سورة  البقرة  3  /  324

20

 

11 - الجمع بين قول الله تعالى : " إذا طلعت تزاور " وقوله " وإذا غربت تقرضهم " وبين ما يقوله بعض الناس اليوم من أن الذي يدور هو الأرض , وأما الشمس فهي ثابتة .

قال رحمه الله : وفي قوله تعالى: { إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ } { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُم} دليل على أن الشمس هي التي تتحرك وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب خلافاً لما يقوله الناس اليوم من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلَّا بدليل بَيِّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: إذا طلعت في رأي العين وإذا غربت في رأي العين، تزاور في رأي العين، تقرض في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور وبدورانها يختلف الليل والنهار فإننا لا نقبل هذا أبداً، علينا أن نقول: إنَّ الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار، لأن الله أضاف الأفعال إليها والنبي صلى الله عليه وسلم حينما غربت الشمس قال لأبي ذر: "أتدري أين تذهب؟" فأسند الذَّهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه ولا نقبل حدْساً ولا ظناً، ولكن لو تيقنا يقيناً أن الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض تدور حولها، ويكون الليل والنهار، فحينئذ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف القرآن الشيء المقطوع به. ( 1 )

 

 

 

 

( 1 ) انظر تفسير سورة الكهف   32

21

 

12 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم  مساجد ) وبين واقع قبر النبي صلى الله عليه وسلم الآن .

قال رحمه الله : الجواب عن ذلك من وجوه :

الوجه الأول : أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، .

الوجه الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في المسجد حتى يقال : إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن ، صلى الله عليه وسلم ، في بيته.

الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ، صلى الله عليهم وسلم ، ومنها بيت عائشة  مع المسجد ليس باتفاق الصحابة بل بعد أن انقرض أكثرهم ، وذلك في عام أربعة وتسعين هجرية تقريباً ، فليس مما أجازه الصحابة ؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك وممن خالف أيضاً سعيد بن المسيب .

الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله ، لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنياً عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران ، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي إنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف ، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة. ( 1 )

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  2  /  522

22

 

13 - الجمع بين ما ثبت من توسيع القبر للمؤمن وتضييقه على الكافر مع أنه لو فتح لوجد على حاله.

قال رحمه الله : الجمع من وجهين:

الأول: أن ما ثبت في الكتاب والسنة وجب تصديقه والإيمان به سواء أدركته عقولنا وحواسنا أم لا لأنه لا يعارض الشرع بالعقل لا سيما في الأمور التي لا مجال للعقل فيها.

الثاني: أن أحوال القبر من أمور الآخرة التي اقتضت حكمة الله أن يحجبها عن حواس الخلق وعقولهم امتحاناً لهم ولا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا لتباين ما بين الدنيا والآخرة.( 1 )

14 - الجمع بين ما ثبت من أن الملكين يقعدان الميت في قبره مع أن القبر لا يتسع لجلوس الميت كما هو معروف .

قال رحمه الله الجواب على ذلك أن نقول : أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا ،

أمور الآخرة وظيفتنا أن نقول سمعنا وصدقنا وآمنا ولا تكون كأحوال الدنيا وإذا كنا نرى في الدنيا أشياء في المنام لا تطابق في اليقظة فما بالك في الممات ؟

في المنام يرى الإنسان الرؤيا فيها ذهاب ومجيء فيها أحياناً ركوب سيارة وأحياناً ركوب طائرة يرى أنه راكب طائرة يطير في الجو وأين هو ؟ على فراشه لم يتحرك حتى اللحاف ما انكشط منه شيء ومع ذلك الرجل سافر ورجع ويمكن رأى انه فتح محلاًّ وباع واشترى وتزوج وجاءه أولاد وهو على فراشه لم يتحرك والمدة أيضاً قصيرة لكن سبحان الله في المنام يرى الإنسان أشياء يقضيها في لحظة وهي تحتمل أياماًّ ،

فنقول : الأمور الأخروية لا تقاس بالأمور الدنيوية وأمور الموت لا تقاس بأمور اليقظة بل وأمور النوم لا تقاس اليقظة .

( 1 ) انظر مجموع الفتاوى  2 /  29 و 3 /  173  و4 /  294  و  5 / 135 و8/488

(2 ) انظر شرح العقيدة السفارينية 436

23

 

15 - الجمع بين ما ثبت من أن الكافر يعذب في قبره ، بينما لو نبشنا قبراً لكافر لا نجد أثراً للتعذيب .

قال رحمه الله : هذا أمرٌ غيبي لو أراد الله تعالى أن يكون محسوساً لأبرزه مع أنه قد يُكشف عن العذاب في القبر كما كُشف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرجلين اللذين يُعذبان بالنميمة وعدم التنـزه من البول ووضع عليهما جريدة رطبة وقال : ( لعله يُخفف عنهما ما لم ييبسا ) [1] ،

وسُقت هذا الحديث مع وضوحه للتنبيه على مسألةٍ من أغرب مسائل الدنيا ليس مسائل العلم أغرب مسائل الدنيا ما هي ؟

أن بعض الناس إذا دُفن الميت أتى بجريدةٍ خضراء وغرزها في القبر أو بشجرة خضراء وغرزها في القبر لماذا ؟

لعله يُخفف عنه ما لم ييبس إذن أسأتَ الظن بأخيك الآن فعلك هذا إساءة ظن بالميت

هل تعلم الغيب أنه يُعذب ؟ احتياطاً في التهمة ؟

هذه تهمة عظيمة ثم مع كونها إساءةً للميت هي بدعةٌ في دين الله لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يضع الجريدة على كل قبر إنما وضعها على من كُشفَ له أنهما يُعذبان ،

فهل كان الرسول كلما دفن ميتاً وضع عليه جريدة ؟

أبداً ، فهذه جمعت بين إساءة الظن بالميت بين البدعة في دين الله وهذا من الضلال من الضلال أن يُزين للإنسان سوء العمل ، { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } ( فاطر 8 ) .

وأما وضع الزهور على قبر الميت فليس مثل وضع الجريدة وقد يكون فيه تشبه بالنصارى وهذا أخبث . ( 1 )

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر شرح العقيدة السفارينية  448

16 – لجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) وبين ما نشاهده من أن بعض الناس يكون واصلاً لرحمه ومع ذلك لا يبسط له في رزقه ولا ينسأ له في أثره .

 

قال رحمه الله : قول النبي صلى الله عليه وسلم حق ، وصلة الرحم من أسبابه ، من أسباب طول العمر ، ومن أسباب سعة الرزق ، وإذا قُدِّرَ أن الإنسان وَصَلَ رَحِمَهُ ، علمنا أنه فعل السبب الذي يكون به طول العمر وسعة الرزق ، ولا يختلف هذا عن قوله تعالى فيمن عَمِلَ صالحاً بأنه يدخل الجنة ، لا يختلف لأننا نعلم أنه متى فعل السبب وُجِدَ المسبب ، وإذا لم يفعله لم يوجد المسبب ، هذا الرجل إذا يصل رَحِمَهْ لم يَطُلْ عمره ، ولم يُبْسَطْ له في رزقه لأنه لم يفعل السبب ، لكن إذا وَصَلَ رَحِمَهُ طال عمره واتسع رزقه ، ونعلم أن هذا الرجل قد كُتِبَ أصلاً عند الله بأنه وصولٌ لرَحِمَه وعمره ينتهي في الوقت الفلاني ورزقه يكون إلى الساعة الفلانية ، ونعلم أن الرجل الآخر لم يُكْتَبْ أنْ يصل رَحِمَه فكُتِبَ رزقه مضيقاً ، وكُتِبَ عمره قاصراً من الأصل ليس فيه شيء يزيد وينقص عن الذي كُتِبَ في الأزل ،

إذن ما الفائدة من قوله عليه الصلاة والسلام من هذا الكلام ؟

نقول : الفائدة من ذلك : الحث على صلة الرحم ،

وإذا كان الله قد كتب هذا الرجل وصولاً لرَحِمَه سيصل رَحِمَه ،

لكن كتابة الله سبحانه وتعالى لهذا الرجل أنْ يكون وصولاً للرحم أمرٌ مجهول لنا ، لا نعلمه ،

الأمر الذي بين أيدينا هو أنْ نعمل ،

وما وراء ذلك فهو عند الله عز وجل ،

وبهذا التقرير نسلم من قول من قال من العلماء : إن المراد بطول العمر البركة فيه ، والمراد بسعة الرزق ( أنْ يُبْسَطَ له في رزقه ) أي في البركة ،

لأنهم لو قالوا هذا القول ما أجدى عنهم شيئاً لأن البركة أيضاً وجودها كطول العمر ونَزْعُها كقصر العمر ، نفس الشيء ، إنْ كان الله قد كتب أنْ يكون عمرك مُبارَكاً كان مُبارَكاً وإنْ كان الله قد كتب أنه غير مُبارَك صار غير مُبارَك ، وكذلك الرزق إن كان الله قد كتبه مُبارَكاً كان مُبارَكاً وإنْ يكن كتبه مُبارَكاً لم يكن مُبارَكاً ،

فالمسألة هي هي ، هم فروا من شيء ووقعوا فيه ، لأن كل شيءٍ مُقَدَّرْ ، بركة المال وبركة العمر وبسط الرزق وطول العمر كله مكتوب ،

والمهم أن الذين يقولون هذا القول قولهم غير صحيح ،

كذلك أيضاً الذين قالوا : إن للإنسان عمرين ، عمراً إنْ وصل وعمراً إنْ قطع ، ورزقين رزقاً إنْ وصل ورزقاً إنْ قطع ، هذا أيضاً غير صحيح ، لأن هذا يؤدي إلى أنْ يكون الله تعالى غير عالمٍ بالمآل ، وهذا خطأ ،

نقول : إن الله عالمٌ بالمآل ، عالمٌ بأن هذا يصل ويطول عمره ويُبْسَطَ له في رزقه ، وهذا لا يصل فيقصر عمره ويُقَصَّر في رزقه ، ينقص رزقه ، هذا عند الله معلوم وهو شيءٌ واحد ما يتغير لكنه عندنا غير معلوم ، ولهذا حثَّنا الرسول عليه الصلاة والسلام أنْ نصل الرحم ،

ونظير ذلك أيضاً في مسألة الزواج ، قال < أي الرسول صلى الله عليه وسلم > : ( من أحب أنْ يولد له فليتزوج ) ، نفس الشيء ،

المراد بهذا الحث على الزواج ، وإلا فنحن نعلم الله قد كتب لهذا الرجل أنْ يتزوج وأنْ يولد له أو أن لا يتزوج ولا يولد له ، فنحن فرضنا هذا لأنه سببٌ للولادة كما أن صلة الرحم سببٌ لطول العمر ،

والحاصل : أن الإنسان إذا علم أن الشيء مكتوب بأسبابه طول العمر مكتوب بسببه سعة الرزق مكتوب بسببها الذي هو الصلة ، لكننا نحن لا نعلم صار المقصود من مثل هذا القول من رسول صلى الله عليه وسلم صار المقصود منه الحث على صلة الرحم وأنه سبب ، الدعاء أيضاً سبب لحصول المقصود ، من أحب أنْ يُرزق فليسأل الله الرزق ، السؤال سبب ،

لو قال قائل : إذا كان الله كتب لك الرزق فلا حاجة للسؤال ؟

نقول : غلط ففعل الأسباب التي جاءت بها الشريعة أو شهد بها الواقع أمرٌ مطلوب للشرع ، والله تعالى بحكمته قد ربط المسببات بأسبابها ،

فلا إشكال والحمد لله في الحديث ، إنما هو ذكرٌ لسببٍ يكون عند الله معلوماً مكتوباً ، وعندك غير معلوم ، إنما الشيء الذي تُخاطَبُ به أن تفعل السبب . ( 1 )

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر شرح العقيدة السفارينية  357

 

26

17 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن عيسى عليه السلام سينزل آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام فلا يقبل الجزية ، وبين الحكم الشرعي الآن ، فإن الحكم الشرعي الموجود الآن أن يقر النصارى على ما هم عليه ، فإذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نتعرض لديانتهم .

قال رحمه الله : إن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا بذلك مقرِّراً له راضياً به فيكون ما يقضي به عيسى في آخر الزمان من شريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ( 1 )

 

 

18 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ) وبين أن هناك أقواماً ولوا أمرهم نساء وأفلحوا .

قال رحمه الله : الجواب عنه من أحد وجوهٍ  :

1 - إما أن يُراد بقوله : ( لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة ) يعني أولئك القوم فقط يعني الفرس يعني هؤلاء لما ولَّوْا أمرهم فإنهم لن يفلحوا وعلى هذا فيكون خاصاً ، وإذا جعلناه خاصاً لم يكن إشكال ،

2 - الوجه الثاني : أن نقول : إن هؤلاء النساء لم يتولوا الأمر على وجه الإطلاق بل الذي يدبر المملكة غيرهن لكن لهن الرئاسة اسماً لا حقيقة ،

3 - الوجه الثالث : أن يُقال : هؤلاء القوم لو أنهم ولَّوْا رجلاً لكان أفلح لهم ، ويكون المراد بالنفي : ( لن يفلح قومٌ ) نفي الفلاح التام فيُقال : هؤلاء القوم لو أنهم ولَّوْا رجلاً لكان أفلح لهم ،

4 - فيه وجه رابع أن يقال هذا أعني قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( لن يفلح قومٌ ) هذا بناءاً على الأغلب والأكثر وإلا فقد يفلحوا ،

فهذه أربعة أوجه في الجواب عن هذا الحديث هذه الأربعة محتملة والله أعلم . ( 2 )

 

 

( 1 ) انظر شرح العقيدة السفارينية   533

( 2 ) انظر شرح العقيدة السفارينية   522  والشرح الممتع  15 /  273

27

19 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( خالفوا المجوس والمشركين ، وفروا اللحى وحفوا الشوارب ) وبين الواقع اليوم من أن من المشركين من يعفي لحيته .

قال رحمه الله : إن إعفاءهم اللحية تبع للفطرة ، ونحن مأمورون بالفطرة ، وإذا شابهونا هم بالفطرة ، فإننا لا نمنعهم ولا يقتضي أن نعدل من أجل أنهم وافقونا فيها ، كما أنهم لو وافقونا في تقليم الأظفار فإننا لا نقول نترك تقليم الأظفار بل نقلمها ، وهكذا بقية الفطرة إذا وافقونا فإننا لا نعدل عنها ، والله الموفق . ( 1 ) 

20 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ) وبين ما يقع في بعض الأحيان من ذل لأولياء الله عز وجل ، وعز لأعدائه .

قال رحمه الله : ولا يرد هذا ما يقع في بعض الأحيان من ذل أولياء الله عز وجل ، لأن هذا الذل شيء طارئ عاقبته العزة ، ومن ذلك :

قول الله تعالى في سورة آل عمران حين بين الفوائد العظيمة في غزوة أحد التي انهزم فيها المسلمون : ( ويتخذ منكم شهداء ) وهذه غنيمة عظيمة جداً .

ومنها : أنه من أجل أن يمحق الكافرين ، ومعنى ذلك : أن الكافر إذا انتصر ازداد طمعاً فقاتل ، فإذا قاتل صارت الهزيمة عليه هو .

وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – على قصة أحد فوائد عظيمة فقهية وعقدية ، من أحب أن يراجعها فليفعل فإنها مفيدة ، فصار هذا الأمر أمراً طارئاً ، لكن عواقبه العز .

فإن قال قائل : أليس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم قد وصفهم الله تعالى بالذل في قوله تعالى : ( وأنتم أذلة ) .

فالجواب : بلى ، والمراد بالذل هنا الذل النسبي ، يعني بالنسبة لقوة الكفار أنتم أذلة ، ومع ذلك نصركم الله .وكذلك قوله : ( ولا يعز من عاديت ) فالواقع الذي يخالف هذه الجملة يكون ابتلاء وامتحاناً ولكنه لا يدوم ، فعز أعداء الله تعالى لا يمكن أن يدوم أبداً ، قال المنافقون : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ويعنون بالأعز أ،فسهم والأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ، فقال الله عز وجل : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) إذاً لا يمكن أن تخرجوا رسول الله ولا المؤمنين. ( 2 )

 

( 1 ) انظر فتح ذي الجلال 2  /  524

( 2 ) انظر فتح ذي الجلال  3  /  326

28

 

 

 

 

 21 - الجمع بين ما دلت عليه النصوص من أن العقل في القلب ، وبين الواقع من أن العقل في الرأس .

 

قال رحمه الله : وفي قوله : (( إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) دليل على أن محل التدبير للبدن كله هو القلب وليس الدماغ فالدماغ يفكر ويعدل ويرسل إلى القلب والقلب يأمر فالتفكير لاشك أنه في الدماغ لكن يرسل إلى القلب ، والقلب هو الذي يوجه الأوامر على الإيرادات والقصد ، ولهذا فالنية محلها القلب وليس بالرأس ، وهذا أحد القولين في مسألة التقريب بين الواقع وبين ما دلت عليه النصوص من أن العقل في القلب ، بأن التفكير في المخ والتوجيه في القلب ، ففي المخ التصور والإدراك وفي القلب التدبير والتصريف والتوجيه ، ولهذا قال الله تعالى : (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لم قلوب يعقلون بها ). فلم يقل يدركون بها لأن العقل المدبر هو الذي يوجهك ، وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال : إن العقل في القلب وله اتصال بالدماغ ، ولكن في ظني أن التوجيه الأول أحسن وهو أن التفكير في الدماغ  والتدبير في القلب ، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : (  إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله  ) وبهذا نرد على من يعارض الإخوة الداعين إلى الله إذا قيل له : اترك الربا قال : التقوى هاهنا ، اترك الخمر قال : التقوى هاهنا ، اترك حلق اللحية ، قال : التقوى هاهنا ، اترك عقوق الوالدين ، قال : التقوى هاهنا ، بأن نقول إذا كنت لا تتقي الله بجوارحك فلا تقوى عندك في قلبك ، لأنه لو اتقى القلب لا تقت الجوارح بلا شك . ( 1 )

 

 

 

 

( 1 ) انظر فتح ذي الجلال   3  /  536

29

22 – الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) وبين أن الإنسان قد يدعو بين الأذان والإقامة ، ولا يرى إجابة .

 

قال رحمه الله : اعلم أن القاعدة في هذا أنه إذا جاءت مثل هذه النصوص التي فيها الإخبار ، ثم تخلف الخبر بناءً على ظنك ، فإنه لن يتخلف إلا لوجود مانع يمنع منه أو وجود سبب أقوى مما ذكر :

فمثلاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أعبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ) أسباب الإجابة في حق هذا الرجل موجودة وهي السفر وكونه أشعث أغبر، و يمد يديه إلى السماء يدعو ربه : يا رب يا رب ، ومع ذلك استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب له ؛ لأنه يأكل الحرام ، فهذا مانع من موانع إجابة الدعاء مع توافر شروطه .

ومثل ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً ) ، مع أن كثيراً من الناس يقولون هذا ، ولكن الشيطان يستولي على أولادهم ويوقع فيهم الضرر : إما ضرراً أو لوجود سبب أقوى حصل فيه تفريط من ولى الأمر ؛ مثل أن يكون هذا الولد لما كبر وترعرع صاحب بدنياً أو ضرراً معنوياً ؛ وذلك لوجود مانع يمنع من حصول ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، أناساً لا خير فيهم ، وأبوه لم ينهه عنهم ولم يراقبه ؛ فيكون الأب قد أضاع ما وجب عليه من رعاية الولد ، والولد حصل له سبب قوي وهو صحبة هؤلاء الأشرار .

وفي هذا الحديث الذي معنا : يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الوقت سبب لإجابة الدعاء ، والسبب قد لا يحصل مسببه لوجود مانع ؛ كما لو دعا بإثم أو قطيعة رحم أو ما أشبه ذلك .

وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يعرفها حتى لا تتناقض عنده الأدلة ؛ وهي : أن الشارع يذكر الأسباب ، والمراد أن هذه أسباب ، لكن قد يوجد لها موانع أقوى منها . فمنعت هذا السبب ، أو يوجد سبب أقوى من السبب المذكور ؛ وهذا كما يكون في الدعاء وغيره يكون أيضاً في الأحكام الشرعية ، فالمواريث مثلاً لها أسباب لكن إذا وجد مانع من موانع الإرث ، لم تؤثر هذه الأسباب .

 

 

30

 فلتلاحظ مثل هذه المسائل ؛ فإن الله عز وجل في شرعه وقدره يربط الأشياء بعضها ببعض ، وقد يتخلف السبب ، وقد يوجد المسبب على غير المسبب المعلوم ؛ لأن الأمر كله بيد الله عز وجل ، ولكن ليبشر داعي الله أنه ما من إنسان يدعو الله إلا حصل قطعاً على أجر ؛ لأن الدعاء عبادة من أفضل العبادات ، ثم إنه إما أن يستجيب الله له ، وإما أن يدخر له عنده ما هو أفضل مما دعا به ، وإما أن يصرف عنه من السوء الذي انعقدت أسبابه من هذا الداعي ما هو أعظم مما دعا به ، فلن يعدم داعي الله تعالى خيراً ، بل هو على خير على كل حال ، فأكثر من الدعاء وأحسن الظن بالله عز وجل ؛ ولهذا جاء في الحديث : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ) . ( 1 )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) انظر فتح ذي الجلال   2  /  239  و  الشرح الممتع  14  /  415

31

الفهرس

 

1 - الجمع بين قول الله تعالى : ]تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً[(1). وقوله : ]وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً[(2). وبين ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر .

2 - الجمع بين قول الله تعالى :﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ وبين علم الطب الآن بذكورة الجنين وأنوثته

3 - الجمع بين قول الله تعالى : " ]وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو    ( (1)،وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم حيث تلا قوله تعالى :" إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث " وبين ما نسمع في الإذاعات , يقولون : سينزل غداً مطر في جهات معينة .

4 - الجمع بين حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النزول ، وبين الواقع إذ الليل عندنا مثلاً نهار في أمريكا .

 

5 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه " وبين أن هناك أزمنة انتشر فيها الشرك والبدع والجهل ثم أتى زمن من بعدها كان خيراً منها حيث محي الشرك أو تقلص وزالت البدع وانتشر العلم .

6 - الجمع بين قول ابن مسعود رضي الله عنه : " بين السماء والتي تليها خمسمائة عام ، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمس مئة عام ، والعرس فوق الماء ، والله فوق العرش ، لا يخفي عليه شيء من أعمالكم " وبين ما ذكره المعاصرون اليوم من أن بيننا وبين بعض النجوم والمجرات مسافات عظيمة .

 

7 - الجمع بين قول الله تعالى عن اليهود : "  غلت أيديهم " وبين الواقع اليوم بالنسبة لليهود فهم يبذلون ليربحوا أكثر .

 

8 - الجمع بين قول الله تعالى :" وإلى الأرض كيف سطحت " وبين كونها مكورة .

9 - الجمع بين دنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل ولا تحرقهم , وبين لو دنت عما هي عليه الآن بمقدار شبر واحد لاحترقت الأرض.

10 - الجمع بين قول الله تعالى : " والله لا يهدي القوم الكافرين " وبين الواقع من أن الله سبحانه وتعالى هدى قوماً كافرين كثيرين "

11 - الجمع بين قول الله تعالى : " إذا طلعت تزاور " وقوله " وإذا غربت تقرضهم " وبين ما يقوله بعض الناس اليوم من أن الذي يدور هو الأرض , وأما الشمس فهي ثابتة .

12 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم  مساجد ) وبين واقع قبر النبي صلى الله عليه وسلم الآن .

13 - الجمع بين ما ثبت من توسيع القبر للمؤمن وتضييقه على الكافر مع أنه لو فتح لوجد على حاله .

14 - الجمع بين ما ثبت من أن الملكين يقعدان الميت في قبره مع أن القبر لا يتسع لجلوس الميت كما هو معروف .

15 - الجمع بين ما ثبت من أن الكافر يعذب في قبره ، بينما لو نبشنا قبراً لكافر لا نجد أثراً للتعذيب .

 

 

16 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) وبين ما نشاهده من أن بعض الناس يكون واصلاً لرحمه ومع ذلك لا يبسط له في رزقه ولا ينسأ له في أثره .

 

17 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن عيسى عليه السلام سينزل آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام فلا يقبل الجزية ، وبين الحكم الشرعي الآن ، فإن الحكم الشرعي الموجود الآن أن يقر النصارى على ما هم عليه ، فإذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نتعرض لديانتهم .

 

18 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ) وبين أن هناك أقواماً ولوا أمرهم نساء وأفلحوا .

 

19 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( خالفوا المجوس والمشركين ، وفروا اللحى وحفوا الشوارب ) وبين الواقع اليوم من أن من المشركين من يعفي لحيته .

 

20 - الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ) وبين ما يقع في بعض الأحيان من ذل لأولياء الله عز وجل ، وعز لأعدائه .

 

21 - الجمع بين ما دلت عليه النصوص من أن العقل في القلب ، وبين الواقع من أن العقل في الرأس .

 

22 – الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) وبين أن الإنسان قد يدعو بين الأذان والإقامة ، ولا يرى إجابة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

3

 

 

 

 

4

 

5

 

6

 

 

 

7

 

 

 

8

9

 

12

 

 

13

25

 

32



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:37 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.