• ×

سالم بن سعيد المقبالي

البحر الميت

سالم بن سعيد المقبالي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد :

فهذا بحث لطيف حول زياة البحر المسمى ( البحر الميت ) ، فقد قال كثير من المعاصرين أن هذا البحر هو المكان الذي قلب الله فيه قرى قوم لوط عليه السلام ، واشتهر بين الناس أن ماءه يستشفى به من بعض الأمراض الجلدية ، والبعض يزوره بقصد السياحة والفرجة ، فكان هذا البحث حول حقيقة هذا البحر، وما يتبع ذلك من مسائل؛ كحكم استعمال مائه ، وحكم المستخرج منه ، والله أسأل أن يوفقني لما فيه الخير والصلاح. وقد قسمت هذا البحث إلى مسائل:

 

(  المسألة الأولى : التعريف به  )

 

هو بحيرة، يعتبر سطحه أعمق نقطة في العالم على اليابسة، حيث يقع على عمق 417م تحت سطح البحر، بحسب قياسات 2003م . ويقع ما بين الأردن، وفلسطين، وما يسمى إسرائيل . سمي بالبحر الميت لشدة ملوحته، فهي تقارب عشرة أضعاف ملوحة المحيطات، فلا تعيش فيه الكائنات الحية. ويبلغ طوله 79 كيلو متراً، وعرضه 15 كيلو متراً و700 متر. وتبلغ مساحته الإجمالية حوالي 945 كيلو متراً مربعاً، وأعمق نقطة فيه تبلغ 401 متر.

 

 (  المسألة الثانية : هل البحر الميت من أماكن العذاب  )

 

     ذهب كثير من المعاصرين إلى أن البحر الميت هو الموضع الذي أهلك الله فيه قوم لوط،عليه السلام . وقد أشار الحافظ ابن كثير، رحمه الله، إلى ما يعضد هذا القول، فقال في  تفسيره : (أن قرية سدوم صارت بحيرة منتنة خبيثة)

     وقرية سدوم هي أكبر قرى قوم لوط ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : ( لوط ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وكان الله قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم ، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها، التي أهلكها الله بها ، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة ) ( 6/157)  ، وقال : ( وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري، والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة، خبيثة، لبطريق مَهْيَع مسالكه، مستمرة إلى اليوم ) (4/544) ، وقال : (فإن الله أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة، قبيحة المنظر، والطعم، والريح ) (7/38)

إلا أن الجزم بأن قرية سدوم هي موضع البحر الميت الآن، يحتاج إلى تدليل أكثر، خصوصاً مع وجود اختلاف في تعيين موقعها .

ففي معجم البلدان: أنها بلدة من أعمال حلب . (3/200)

وفي آثار البلاد وأخبار العباد: ( وهي بين الحجاز والشام ). (1/80)

ونقل الطبري، وابن كثير، رحمهما الله، عن قتادة : أن سدوم بين المدينة والشام .

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : ( هي مشهورة ببلاد الغور، متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكَرَك، والشَّوبَك ). (6/157)

وفي تفسير البحر المحيط: (أن سدوم من كورة فلسطين، إلى حد السراة، إلى حد  نجد بالحجاز) (8/177)

وفي التحرير والتنوير، لابن عاشور، رحمه الله: (أنها من شرق الأردن) (6/196)

ونص في (8/178) : (أنها هي البحر الميت) .

وفي تفسير الألوسي: (أن سدوم بلدة بحمص، وأنها من بلاد الشام، ومن فلسطين مسيرة يوم وليلة) (6/247)  .

     والمقصود من ذلك: أن الأمر محتمل بأن تكون سدوم هي موضع البحر الميت الآن، أو أنها في ناحية منه، ويحتمل أيضاً، أن لا يكون هذا البحر هو موضع القرية التي وقع عليها العذاب، والله أعلم بحقيقة ذلك. إلا أن الأقرب في هذا البحر، أنه كغيره من البحار. وسيأتي بيان سبب الترجيح في المسألة الخامسة .

 

( المسألة الثالثة : حكم زيارة البحر الميت )

 

     الجواب على هذه المسألة، مبني على العلم بأن البحر الميت موطن عذاب أم لا، وسبق قريباً أن لا فرق بينه وبين غيره من البحار، ولكن تتميماً للفائدة ذكرت ما يلزم على القول بأن هذا البحر من أماكن العذاب؛  فإن كان  البحر الميت هو الموضع الذي وقع عليه العذاب، فإنه يترتب على ذلك أمور :

أولاً : يحرم زيارة هذا الموضع بقصد الفرجة، والتسلية مطلقاً، أو بقصد السكنى، والإقامة. وكذلك المرور به، إلا أن يكون المارُّ باكياً من خشية الله، وخوف عقابه. والدليل على ذلك، ما أخرجه الشيخان عن عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم). وفي صحيح مسلم عنه، قال : مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر، فقال لنا : (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم) ثم زَجَرَ فأسرع حتى خلفها.

     قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى: (  فنهى عن عبور ديارهم، إلا على وجه الخوف المانع من العذاب ) (15/325). وقال في اقتضاء الصراط المستقيم : ( فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء ، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ) (1/261).

     وقال الحافظ ابن رجب، رحمه الله، في فتح الباري: ( هذا الحديث نصٌ في المنع من الدخول على مواضع العذاب، إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار، وهو البكاء من خشية الله، وخوف عقابه، الذي نزل بمن كان في تلك البقعة، وأن الدخول على غير هذا الوجه، يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم) (2/433-434)  .

     وفي هذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات؛ فمن رأى ما حلَّ بالعصاة، ولم يتنبه بذلك من غفلته، ولم يتفكر في حالهم، ويعتبر بهم، فليحذر من حلول العقوبة به، فإنها إنما حلَّت بالعصاة لغفلتهم عن التدبر، وإهمالهم اليقظة والتذكر. وهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض، ولا الإقامة بها. وقد صرح بذلك طائفة من العلماء ، منهم الخطابي، وغيره، ونص عليه أحمد) (2/433-434).

 

ثانياً : تحرم الصلاة في هذه البقعة، ويحرم استعمال مائها في شرب، أو طبخ، أو نحو ذلك من وجوه الاستعمال. وهو اختيار شيخ الإسلام. والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان، عن ابن عمر، رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر، في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها،  فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء). وعند البخاري عنه، رضي الله عنهما : أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها، واعتجنوا به، ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة).

     قال شيخ الإسلام رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم : ( ونهى عن الانتفاع بمياههم، حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة، وهي أشد غزوة كانت على المسلمين، أن يعلفوا النواضح بعجين مائهم . وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، فروى أبو داود، عن سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليا رضي الله عنه، مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها، أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ، قال: " إن حبي النبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة"، ورواه أيضا عن أحمد بن صالح : حدثنا ابن وهب أيضاً، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي بمعناه، ولفظه : " فلما خرج منها " مكان " برز". وقد روى الإمام أحمد، في رواية ابنه عبدالله، بإسناد أوضح من هذا، عن علي، رضي الله عنه، نحوا من هذا : أنه كره الصلاة بأرض بابل، أو أرض الخسف، أو نحو ذلك. وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة، اتباعاً لعلي رضي الله عنه. وقوله : "نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة" يقتضي ألا يصلي في أرض ملعونة ؛ والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا. فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب، دخل في ذلك الصلاة وغيرها) (1/261-266).

     وقال رحمه الله، في شرح العمدة، كتاب الصلاة : (ولا يصلى في أماكن الخسف) (507)  ، ثم قال :: ( فإذا كان الله قد نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصاً، ونهى عن الدخول إليها خصوصاً، وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون، وأصحابه، مع أن الأصل في النهي التحريم والفساد، لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه، لا سيما والنهي هنا كان مؤكداً، ولهذا لما عجنوا دقيقهم بماء أهل ثمود، أمرهم أن يعلفوه النواضح، ولا يطعموه، فأي تحريم أبين من هذ ا؟! قوم مجاهدون في سبيل الله، في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة، وهي غزوة تبوك التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ، وخرجوا في شدة من العيش، وقلة من المال، ومع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي هو أعز أطعمتهم عندهم، فلو كان إلى الإباحة سبيل، لكان أولئك القوم أحق الناس بالإباحة، فعلم أن النهي عن الدخول، والاستقاء، كان نهي تحريم. ثم إنه قد قرن بين الصلاة في الأرض الملعونة، والصلاة في المقبرة، ثم جميع الأماكن التي نهي عن الصلاة فيها إذا صلي فيها لم تصح صلاته، فما بال هذا المكان يستثنى من غير موجب، إلا عدم العلم بالسنة فيه) ( 509-510).

     وأما إن لم يثبت أن منطقة البحر الميت من مواقع العذاب، فالأصل إباحة زيارته كغيره من البحار، إلا أن يترتب على ذلك ترك واجب، أو فعل محرم. وكذلك يباح استعمال منتجاته، وما يستخرج منه.

فائدة : ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الوضوء من بئر ثمود واختاره ابن حزم .

 

( المسألة الرابعة : حكم السفر للبحر الميت بقصد الاستشفاء )

هذه المسألة مبنية كذلك على معرفة أن هذا البحر هل هو موضع عذاب أم لا ، ولكن أُفردت لأهميتها؛ فإن ثبت كون هذا البحر موطن عذاب، فإنه لا يجوز السفر إليه؛ لا بقصد الاستشفاء، ولا لغيره من الأمور، لأن ذلك داخل في جملة الاستعمال ، وقد سبق في المسألة الثالثة أن ذلك محرم .وإن لم يثبت ذلك فالأصل في ذلك الإباحة.وسواء ثبت كونه موطن عذاب أم لا، فإن المسافر إلى هذا البحر بقصد الاستشفاء، لا يخلو من أحد اعتقادين : 

الأول : أن يعتقد في هذا البحر أنه يشفي بنفسه، مع  تعلق القلب عليه، والتفاته إليه ، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأن ذلك من خصائص الله سبحانه .

الثاني : أن يعتقد أن الشفاء بيد الله، وأن هذا البحر قد جعله الله سبباً للشفاء من بعض الأمراض، مع ثبوت ذلك من جهة التجربة، والواقع، فهذا جائز .

 

( المسألة الخامسة )

بيان سبب ترجيح أن البحر الميت لا يأخذ أحكام مواطن العذاب

وبيان ذلك من وجوه :

الأول : أنه لم يرد في ذلك نص من كتاب الله، أو من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، أو قولٌ عن صحابي، في أن هذا المكان هو الذي قلب الله فيه قوم لوط عليه السلام .

 

الثاني : أن الله تعالى قال عن قرية قوم لوط : {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ} (76) سورة الحجر ، قال ابن كثير، رحمه الله : ( أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة خبيثة، منتنة، لبطريق مهيع مسالكه، مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى : {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ .وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (137،138) سورة الصافات ؛ وقال مجاهد والضحاك : { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ } قال : معَلَّم ؛ وقال قتادة : بطريق واضح ؛ وقال قتادة أيضاً : بصقع من الأرض واحد ). وقال رحمه الله: ( وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلاً ونهاراً ) (7/38) .

 قال مقيده : فذكر الله سبحانه أنهم يمرون عليها، ولم ينههم عن ذلك .

ولكن قد يقول قائل : جاء النهي بذلك في السنة، والسنة مبينة للقرآن .

والجواب : أن النهي إنما ورد على وجه العموم، والكلام هنا عن تعيين بقعة بعينها، ولم يرد في ذلك نص خاص. ويؤيد ذلك ما ورد من خلاف في تعيين موقع قرية سدوم، وقد سبق الإشارة إليه.

الثالث : أن الأصل المتفق عليه حِلُّ جميع البحار، ومنها هذا البحر، الذي هو محل البحث. ولا ينبغي العدول عن هذا الأصل إلا بدليلٍ بين. فلما لم يرد في ذلك نص، بقينا على الأصل، وهو الحل .  

والله تعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:54 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.