• ×

المشرف العام

شائبة الإرجاء، والوسوسة من التكفير

المشرف العام

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بقلم / محمد بن عياض التنبكتي
الحمد لله وحده، والصلاة السلام على المبعوث رحمة للعالمين. أما بعد:
فهذا إسهام مقتضب، وإدلاء مني بدلوي في كشف ما تيسر من بعض الإشكالات المطروحة، مقرونة من قبل من طرحوها بعتب على شيخ الإسلام، وابن القيم، وعلماء الدعوة في نجد، ولا غرو، فإن لهؤلاء من بذل الجهد، ونذر الحياة لذلك الشأن العظيم ما لا نعلمه لغيرهم، منذ هبّة سلفنا رحمهم الله في وجوه جميع أصناف أهل الأهواء والبدع، من غير مصانعة، ولا انتقاء، فنفع الله بهم ، وأذاع بمجهودهم تجريد التوحيد لله سبحانه، وتجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وفصّلوا أقسام وآحاد التوحيد، أوضح بيان، مسندين كل مسألة إلى دليلها من الكتاب والسنة، أو أحدهما بجميع أنواع الدلالات، وفصّلوا الشرك مثل ذلك، حتى يجتنب بجميع أنواعه، فألقى الله لهم في قلوب أهل تجريد التوحيد المحبة، وأجرى لهم على ألسنتهم الدعاء أينما كانوا، ولا عبرة البتة بعداء خصومهم لهم لمصادمتهم ببيانهم حقوق الله، وحقوق نبيه التي تقتضيها الشهادة له بالرسالة، ماهم عليه من صرف محض حقه سبحانه لغيره، وحق قصر العبادة لله وحده على ما آتانا إياه رسوله صلى الله عليه وسلم وكشفهم الشبه، والغيوم عن حكم الإشراك به سبحانه وحكم من أشرك به.[1]
والآن أشرع في الموضوع مستعيناً بالله فأقول:
أبرز ما انتقد وأُخذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلماء الدعوة النجدية، دعوى الإفراط في التكفير، وأول من أشاع عنهم ذلك البهتان خصومهم ، والحق أن متهميهم هم حملة رايته ، حتى على مجرد لوازم ليست قائمة إلا في أذهانهم كدعواهم أن إثبات صفات الله سبحانه الثابتة له كتاباً، وسنة، على مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ،اقتداءً بسلف الأمة مع غاية التنزيه له عن مماثلة صفات الخلق، وتفويض الكيفية إلى علمه، وحده جل وعلا، يلزم منه التشبيه، والتشبيه كفر، فكفرّوهم بذلك جرياً على القواعد، والمقدّمات المنطقية، في ترتيب الموضوع على المحمول، الذي هو المسند، والمسند إليه، ونتيجة الشرطية المتصلة، أو المسوّرات الكلية موجبة وسالبة، وما يدعون أنها تنتجه من غير نظر حقيقي منصف إلى ما نظر إليه شيخ الإسلام، وغيره، من ورثة علوم وأصول السلف الصالح، لا ورثة منطق، وقانون اليونان، ومن ذلك تكفير الحصني، وغيره، من الأشاعرة، وغلاة المتصوفة، كالبكري مثلاً لابن تيمية، وتكفير دحلان، وأضرابه، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، على عين التوحيد الذي ما بعث الله رسله، ولا أنزل كتبه إلا لتقريره، وتأكيده، وتمكينه، فتفضل مشكوراً، وانظر بعين منصفة إلى الفريقين، فريق تكفير من قال لله: سمعنا وأطعنا، وأنت أحكم الحاكمين، وخير الفاصلين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وبنوا على ذلك أصولهم جازمين لله ورسوله بالنصح في القول، والبلاغة في بيان المراد، والصدق في الإخبار. وفريق تكفير من نذر نفسه لنفض البدع والخرافات، بل الشركيات عن حقيقة ونضرة التوحيد وشريعة خاتم الأنبياء ولم يحكم لشيئ بأنه من توحيد الله إلا بعد سوق وبيان أدلته من كتاب الله، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،ولا على شيئ بأنه شرك إلا بعد استقصاء استدلالي، وتأصيلي بالآيات القرآنية، وصحيح أحاديث من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ، ثم عقب ذلك الإيضاح الكافي المشفوع بكشف، وتبديد كل شبهة، كان لزاماً عليهم أن يخرجوا من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حكم من ظفر بشد القلب واليدين على الحظ العظيم الذي هو التوحيد ،وحقوقه وحكم من تورط بالهويّ في ظلمة الشرك وهاويته السحيقة إذ غير معقول أن يستأنس بذلك في حق الصلاة، والصيام، والزكاة والحج، والجهاد، والمعاملات، والآداب ، ويستوحش منه، بحق التوحيد وهو أسها، وأصلها، ولبها ، وتأمل بتجرد وأدِرِ الفكر بموازنة عادلة ناقلاً نفسك إلى مشهد ميزان { يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً}، {يوم يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه} مستحضراً، وناصباً بين عينيك كتاباً لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة، إلا أحصاها، وكون شهادتك ستكتب وتسأل عنها، ثم قرر بناءً على ذلك أي الفريقين أهدى سبيلا. ورحم الله الإمام ابن القيم القائل:
" إن البدار برد شيئ لم تحط **** علماً به سبب إلى الحرمان
وتعرّ من ثوبين من يلبسهما**** يلقَ الردى بمذلة وهوانِ
ثوب من الجهل المركب فوقه*** ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحلّ بالإنصاف أفخر حلة*** زينت بها الأعطاف والكتفان"[2]
وإذا كان مخالفوا علمائنا الأجلاء قد حملهم الغيظ الشديد على مجافاة الإنصاف تجاه ابن تيمية، وعلماء الدعوة في نجد، الذين لم يكن ما بسطوه، ورفعوا عنه النقاب، إلا محض لب معتقد سلفنا الصالح، شاء من شاء، وأبى من أبى، فما بال تلامذة نتاجهم العلمي وثمرة عصارة مجهوداتهم المباركة اليوم يجانبون فيهم الصواب، بحثوهم تُهم التكفير الباطل عليهم، حتى بدأ مذهب الإرجاء البغيض يأخذ حيزاً كبيراً وسط الدعوة السلفية في حلة جديدة تختلف عن حلته التي كانت تعزى إلى الجهمية، ومن تأثر بهم من مرجئة الفقهاء، والأشاعرة، والرافضة، بظهوره، وبسط ثوبه على جزء كبير من السلفية المعاصرة مناضلاً عن نفسه ليل نهار لإثبات سلفيته بل لاحتكار النسبة إلى سلف الأمة، ونظر إليه على أنه هو الكفيل بإلحاق الهزيمة بموجة خطل التكفير الزائغ، الذي لا يعرف رفقاً بجاهل، ولا تثبتاً في تهمة، ولا مراعاة لاحتمال ومانع، أو تحرياً لمقتنص، وتلك النظرة غير المؤصلة إحدى الأسباب العديدة لإمراره على إغماض، وعدم إعطائه حقه من الإبطال، والحمل، والإجهاز عليه جرياً على منوال السلف في صدهم له، ولغيره من البدع الذميمة، ومن الأسباب كذلك قوة الاندفاع إلى دحر بدعة الخوارج، بغير ضوابط، أو قواعد لتعريفها، وتحديدها بما يخرج منها ما ليس منها كما هو المنهج العلمي في كل بحث يعرف فيه موضوع البحث بالحد فتسلل إلغاء أصالة العمل، والقول، وقصر الكفر على الاعتقاد.
وقارن ذلك من قبل واضعيه جدل ذميم هش، وعبارات جوفاء خالية من التأصيل، ورفع شعار الإجمال، والتحايل على التفصيل، فلا غرابة، ولا غرو، والحال كذلك، أن يتحامل على علمائنا بأنهم تكفيريون لأن لفظة التكفير أصبحت اليوم حقيقة عرفية على الباطل المطلق بعدما كانت من قبل غير دالة على ذلك ما لم تفسر بوضعها في غير موضعها.أما إذا وضعت في موضعها الشرعي فهي ليست كذلك، ومن إفرازات هذا الحماس:
1- تحذير بعض أفاضل الدعاة المشهورين من قراءة الدرر السنية لدعوى أن فيها تكفيراً، وأجمل ولم يفصّل، ورحم الله الحافظ السرمري إذ قال متعقباً السبكي:
لو قلت قال كذا ثم الجواب كذا**** لبان مخطئ قول من مصوبه[3]
فلئن كان فيها أستاذنا الفاضل تكفير، فهو تكفير مقرون بدليله، وعلته، وكل المباحث العلمية التي يقتضيها بما لا تجده في غيرها من الأبواب التي تعقد للردة في كتب الفروع، فإن كنت تنصح بعدم قراءة تلك، فأحرى أن تنصح بعدم قراءة هذه بل الأحاديث النبوية التي فيها إطلاق ألفاظ، ومعان كفرية على قتل النفس بغير حق، والنياحة، والطعن في النسب، والإدعاء إلى غير الأب، وشرب الخمر، والزنى عافانا الله ، وكلنا والحمد لله يعلم أنها من خصال الكفر، لا أنها الكفر الأكبر خلافا للخوارج ، فهل لأحد أن ينهى عن قراءتها لكن الأمر كما قال ابن تيمية حين أُمر ألا يقرأ آيات، وأحاديث الصفات : "من أن هذا يلزم منه عدم قراءة الفاتحة، والإخلاص، بل عدم قراءة شيء من القرآن، واستشهد بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري على اختياره (الإخلاص) لأن فيها صفة الله"[4]، ومن إفرازاته أيضاًً، صاحب الكتاب الإرجائي المنافح عن كتب الإرجاء التي ردّت عليها هيئة كبار العلماء السعودية،أحمد صالح الزهراني ، وردّت بفتوى منها على كتابه، كما ردّت على أصحابه، ومن إفرازاته أيضاً صاحب الإلمام بشرح نواقض الإسلام الذي اشترط انتفاء الموانع وحصول الشروط لتكفير قاتل نبي ومهين مصحف .[5] ولا ريب أن هذه لوثة إرجائية منافية لما هو المعهود عند علماء السلف في مثل ما ذكره المؤلف من ذلك ما نقله ابن عبد البر في التمهيد، وأقره عن ابن اسحاق من كفر من سبّ الله أو سب رسوله أو دفع شيئاً أنزله الله أو قتل نبياً من أنبياء الله ، وهو مع ذلك مقر بما أنزله الله[6]. فسبّ رسول الله، أو حتى إيذاؤه بما هو نصّ في الإيذاء كفر أكبر لذاته، بله القتل الذي افترضه، وبله سب الله سبحانه، ولقد كفّر الله من قال كلمة الكفر التي هي على كل الأحوال والأقوال في سبب نزولها إيذاء قولي، قيل عمداً بقصدٍ وتصريح فقال الله سبحانه: {ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } فكفّرهم الله بعد إسلامهم بنفس القول : على أني كنت تباحثت مع أحد من عندهم شبهة قصر الكفر على الاعتقاد فقال لي إن الكفر هنا ما حكم به على هؤلاء إلا بعد أن وافق ظاهرهم باطنهم فقلت له من أين لك ذلك هنا فالله سبحانه لم يذكره، ولم يشترطه، بل صرح بعكس ظنك هذا في قوله سبحانه {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فاصغ أولاً لقوله سبحانه : {قد كفرتم بعد إيمانكم} .
وثانيا لقوله : {قل أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون }: يظهر لك من منطوقها أن علة كفرهم الاستهزاء المذكور .
وثالثاً : تدبر الآية امتثالاً لأمر الله ينجل لك مفهومها واضحاً في أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله ناقض، ومبطل لذاته لإيمانهم من غير ذكر لاعتقادهم ، بل تأمل سبب نزول الآية الصحيح تجد ذلك صريحاً في قولهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء ، فأجاب محاوري بأن علة كفرهم ربما ما هموا به، فرددت عليه بأن الآيات واضحة، وما هموا به غير مذكور، وعلى فرض أنه القتل، أو إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم أو تتويج ابن أُبي[7] على المدينة لا تقول بأن ذلك كفر أكبر لذاته مناقض لشهادتهم له بالرسالة .
ومن إفرازاته، كذلك شيوع اتهام الإعلام المذكورين بالإفراط في تكفير الأعيان :
أولاً : وعدم الاحتياط باستصحاب العذر بالجهل.
ثانياً : وكسر حاجز التورع من التكفير.
ثالثاً : فأقول وبالله أستعين : إن تهمة تكفير المسلمين، وإلصاق بدعة الخوارج بالشيخ محمد بن عبد الوهاب قديمة، وقد تولى بنفسه تفنيدها قائلا :" إذا كنت لا أكفّر من يعبدون الصنم الذي على البدوي، والذي على الجيلاني، ومن قال: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك ، فمن باب أولى أن أكفّر المسلمين جميعاً إلا من اتبعني، أو أحكم بكفر الناس منذ ستمائة سنة"[8] ثم استشهد بقوله تعالى {سبحانك هذا بهتان عظيم }"، وألصقت بابن تيمية من قبل، وفنّدها عن نفسه وبيّن أنه من أشد الناس احترازاً، ونهياً عن تكفير المسلمين، مقرراً رحمه الله أن التكفير لله، ورسوله، فلا يتخذ سيفاً ينتقم به، ولا يقابل بمثله، وضرب مثلاً برجل زنى بأهل رجل، وقال فليس له أن يزني بأهله، بل اتُهم أحمد بن حنبل بهذه التهمة قبله ، فقد نقل ابن تيمية عن البربهاري في كتابه السنة أنه "قال: قال: أبو عبد الله أحمد، بلغني أن أبا خالد، وموسى بن منصور، وغيرهما، يجلسون في ذك الجانب فيعيبون قولنا، ويدّعون أن هذا القول ، أنه لا يقال مخلوق ولا غير مخلوق يعني القرآن ، ويعيبون من يكفّر، ويقولون: إنا نقول بقول الخوارج ثم تبسم أبو عبد الله كالمغتاظ " الفتاوى الكبرى ج6 ص 478.
ومن صراحة أحمد المذكورة حكمه بالكفر على بابك الخرّمي معللاً ذلك بخروجه إلى أرض الكفار وعودته محارباً المسلمين .[9]
وهاهنا ملاحظتان:
1- إنكار هؤلاء عن أحمد رحمه الله دفاعه عن القرآن، وصراحته، وعدم تذبذبه ، فاقرأه واعتبر به، وقابله بوضوح إخوانه، وتلامذة علمه، ومشربه تجد أن منهلهم واحد.
2- قابل صنيع متهميه بأنه يقول بقول الخوارج، وتذبذبهم بتذبذب متّهمي إخوانه في الوضوح، والذود عن حياض الحق، يتكشف لك تشابههم في أقل الأحوال، وإلا فأولئك، وهؤلاء كما قال أبو الأسود الدّؤلي: "فإن لا يكنه أو تكنه ، أخوها غذته أمه بلبانها".
وأما تكفير الأعيان فها هو القرآن فيه تكفير الذين استهزؤوا بالله، وآياته، ورسوله، وتكفير الذين قالوا كلمة الكفر، وكفّر النبي صلى الله عليه وسلم العرنيين، ومقيس بن حبابة، وبن خطل، وابن أبي السرح ، راجع الصارم المسلول لابن تيمية لمزيد من الفائدة في شأنهم .[10]
وأقرّ عمر حينما خاطبه في أمر حاطب قائلاً: دعني أضرب لك عنق هذا المنافق على أصل الحكم بردة المعين، وعلى أن حدّه القتل، وأقرّ الأنصاري على أصل تنزيل النفاق الأكبر بمعيّن عندما قال له: إن فلاناً منافق ، معللاً ذلك بأنهم لا يرون ودّه ومجالسته إلا إلى المنافقين فوافقه على أمرين:
1-أصل الحكم على المعين.
2- أن موادة المنافقين، ومجالستهم من علامات النفاق ، ولم يوافقه على أن الصحابي المشار إليه محل لذلك الحكم .
وفي الحديثين دليل على أن من حملته الغيرة على الإسلام، فحكم بكفر معيّن بناء على شواهد، وعلامات ظاهرة على الكف لم يبؤ بمقالته، ولم يلزم من قوله أن يكون من الخوارج لأنه لم يقله هوى، أو عن اعتقاد أن الكبيرة كفر أكبر.
وبه يتنبّه إلى أن تكفير المعين غير ممتنع بشروطه، وإنما الممتنع الباطل شرعاً تكفير مسلم بغير حق ، وأما تهمة عدم إعمال عذر الجهل فيكفي في تكذيبها عنهم ما ردّها به الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن نفسه ، من عدم تكفيره لعبد القادر الجيلاني والبدوي. وعدم تكفيره للبوصيري ، ونضيف إليه نفيه الصريح تكفيره بالظن، وبالموالاة، أو للجاهل الذي لم تقم عليه الحجة كما قال. ثم قال: " ولكن لم نكفّر إلا من أقرّ بدين الله، ورسوله، ثم عاداه، وصدّ الناس عنه ،وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنها دين المشركين وزينه للناس"[11].
وللعلامة سليمان ابنه كلام في العذر بالجهل عند حديث أبي واقد الليثي في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وللإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ مثله في فتح المجيد عند الموضع المذكور ، وهكذا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن له بيان وإيضاح لذلك في مصباح الظلام [12] ؛ ولسليمان بن سحمان مثله في كشف الشبهتين[13]، وهذا ليس سوى إشارة، ومثال، وما في كتبهم من العذر بالجهل، واشتراط قيام الحجة أغزر، وأوضح من أن يخفى. نعم تكلموا ببسطٍ، وإسهابٍ، عن مسألة التفريق في إطلاق ألفاظ الكفر على من لم تبلغهم الحجة، واستدلوا بالآيات القرآنية الممتلئة بتسمية من سبقوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كفاراً ومشركين، وكذلك الأحاديث النبوية، وكلام الأصوليين الفائض في هذا [ فائدة: حقق ابن تيمية أن شرط الرسالة: أن يتمكن المكلف من العلم بها لا بلوغها إلى كل فرد][14].وبحث ابن تيمية العلمي الذي كانت زبدة مخيضه التفريق في ذلك بين أحكام الدنيا، وأحكام الآخرة، وعلماء الدعوة يوردونه كثيراً، وهو الذي نصره ابن القيم في أحكام الذمة مستدلاً بحديث امتحان الصبية والحمقى ونحوهما . مصححاً وناقلاً تصحيحه عن جمهرة من أهل العلم فما وجه تخصيص علماء الدعوة في هاته المسألة ، وقد أخذ عليهم أيضاً في زمن العجائب تفريقهم بين بلوغ الحجة وفهمها ، ولكن من أنصفهم، ورجع إلى مؤلفاتهم التي تطرقوا فيها إلى تيك المسألة يجد إفاضة لأدلتها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله سبحانه: {ولَو أَسْمَعَهُمْ لَتَولَّواْ وهُم مُّعْرِضُونَ}[الأنفال : 23]، وقوله: { َوجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}، ومن المواضع التي بحثها فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأدلتها في الدرر السنية[15].
أما كسر حاجز التورع عن التكفير فالمراد به عند ناقديه تكفير المعين ، وقد أسلفنا للقارئ إشارة مقتضبة إلى صدوره من الله، ورسوله بشروطه ، وأضيف ها هنا أنه هو مذهب العلماء سلفا،ً وخلفاً . وممن حكى الإجماع مثلاً على تكفير شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ابن تيمية في الصارم ، وابن سحنون المالكي في المدونة ، والقاضي عياض في الشفاء :
وليس يصحّ في الأذهان شيئ *** إذا احتاج النهار إلى دليل.
فحكمهم على المرتدين بما لا يحتمل إلا الردة أشهر من نار على علم ، وهؤلاء يذكّرني حالهم بقول الشاعر: جاء شقيق عارضاًرمحه**** إن بني عمك فيهم رماح.
ويراد به كذلك بحثهم في ضبط العذر بالجهل ، فأقول: أين من هؤلاء خلاف الأصوليين في مسألة العذر بالجهل من أصلها، بسبب ورود نصوص في عذاب قوم من أهل الفترة ومؤاخذتهم كابن لحي وآخرين، ولستُ في صدد ترجيح قول على آخر فذلك محله ومورده كتب الأصول، وفي مباحثها غنية، وإنما أردت أن أشير به إلى أن علماء الدعوة، وابن تيمية لم يكونوا بدعاً ممن تناولوا مسألة العذر بالجهل التي ضبط الجهل فرع عنها، ولم يشغب عليهم بسببها وفصّلوا هم في الأخيرة، وهي دونها فانتقدوا، ورموا بما هم بريئون منه من تكفير للمسلمين من غير تثبت، وليت الأمر كان من الخصوم ليبقى معهوداً غير جديد. أما أن يأتي من بعض المنتسبين إلى التتلمذ على تراثهم، ويكون غير تعقيب علمي قد روعي فيه شروط استدراك الصغير على الكبير، والتلميذ على الشيخ؛ بل كلمات تقذف عبارات نقد لانتقاصها مجازفة فذلك كما قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة **** على النفس من وقع الحسام المهند.
أما ضبط الجهل وتفصيله، فمثلاً قال ابن عبد البر رحمه الله: " في هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم، قال الله عز وجل: {ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}. ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم والله أعلم"[16].
فتأمل كيف أثّم ابن عبد البر من أمكنه التعلم ولم يسع إليه. ومثله لابن رجب في قواعده، وقال ابن حزم: " ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن له أمراً من الحكم مجملاً، أو لم يبلغه نصه ففرض عليه إجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عز وجل: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }"[17] .
وقال ابن قدامة : " إن من نشأ بين المسلمين لا يعذر بادعاء الجهل بتحريم الزنى ....إلخ كلامه"[18]. وفصّل القرافي العذر بالجهل بأسهب، وأوسع من هذا في الفروق[19]، منتهياً إلى ضبط ما يعفى عنه من الجهالات بما يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه[20].
وقال ابن تيمية : " فأما من تعمّد تحريف الكتاب لفظه، أو معناه، أو عرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فعانده، فهذا مستحق للعقاب وكذلك من فرط في طلب الحق، واتباعه متبعاً لهواه مشتغلاً عن ذلك بدنياه[21]. ولابن القيم مثله في الإعلام .
وما هذا إلا غيض من فيض بحثهم للعذر بالجهل، ومن أراد المزيد فعليه بمطولات الفروع، والأصول، وإذا كان هذا هو قولهم في شأن من لم يرفع للتعلم رأساً مع إمكانه، وعدم مشقته فما بالك بمسألة الامتناع، والإعراض التي أطنب علماء الدعوة بإكثار في بيانها، والاستدلال لها كما في قوله سبحانه: { ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا } وقوله: { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ }، وغيرها. وإذا كان هذا قولهم فيمن يقول بالعذر بالجهل ولكن يفصّل في أحواله فما قولهم في إمام المفسّرين ابن جرير الطبري الذي قال عقب تفسيره لقول الحق سبحانه: {فَرِيقاً هَدَى وفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ}:على أنهم غير معذورين بالجهل. وأما الإخبار بحكم صرف حق الله لغير الله من جميع خصائصه سبحانه، وحكم صارفه حكماً عاماً، فمنشأ استيحاشه، والنفور منه هذه الأيام ما أشرنا إليه من موجة إرجائية قلبت المفاهيم، وحملت على عاتقها خلط مذهب السلف في الإيمان وتنزيله على آحاده العملية، والقولية، متقنة أساليب جديدة لترويجه، والصيد في الماء العكر، ولكن كما قيل: إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة.
فوقف أهل السنة في صدرها وصدر إرجائها على قصور، ونقص مقارنة بجدّهم وعزمهم على صدّ تكفير الخوارج، وإلا فالله تعالى هو القائل: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَاْ أَولُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام : 163]، فتدبر حصره المبتدأ الذي هو (صلاتي) في الخبر الذي هو ( الله) ، ثم لم يكتفِ بذلك بل أكّده بقوله: ولا أشرك به أحدا. ونستفيد فوائد من أظهرها:
1- إثبات أن الصلاة وما عطف عليها حق لله وحده ، وأكّد ذلك بـ (إنّ) التي تدخل لتوكيد المبتدأ إذا شمت رائحة الإنكار تعريضاً بمن يصرفها لغيره سبحانه.
2- أن المعطوفات على الصلاة حكمها حكم الصلاة.
3- أن ما استأثر الله به من حق شرعي الصلاة، والمعطوفات عليها، وغيرها، فصرفه لغير الله شرك لقوله تعالى مؤكداً :{ لاَ شَرِيكَ لَهُ }.
4- أنه لم يذكر اشتراط الاستحلال، أو نية التقرب.
5- توكيده لهذا الأمر العظيم أيضاً بقوله: { وبِذَلِكَ أُمِرْتُ } بصيغة تقديم المتعلق على المتعلق به لإفادة القصر ، فاجتمع في تقرير حقه سبحانه، وتقرير حكمه، وحكم صارفه التوكيد بـــ ( إنّ) وبقوله: { لاَ شَرِيكَ لَهُ}، ثم بلفظ قوله: وبذلك أمرت وصيغته.
6- أن قوله سبحانه: { وبِذَلِكَ أُمِرْتُ } بيان وتفسير لقوله تعالى:{ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} والله جل وعلا أيضاً هو القائل: { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ولَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً}، وقوله: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَو كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، واستحضر ذهنك وأنت تقرأ هذا القيد: {ولا أشرك به أحدا} تجد أن القيد الحالي توكيد لما دل عليه الحصر المذكور في قوله: { إنما أدعو ربي}، وقارن ذلك بآية الصلاة، والنسك تعلم أن صرف حق الله لغير الله شرك لذاته لا لغيره.
ولقد استفاض تقرير هذا المعنى قديماً، وحديثاً، وتناثر في كتب العلماء بكل أصنافها، وفي مقدمتها كتب التفسير، وكتب جمع الآثار، وكتب العقائد. ومن ذلك على سبيل التمثيل والإشارة فقط، قول البربهاري في شرح السنة: " ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل ، أويرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة"[22]. فهلا وجّه إليهم من قبل من توسوسوا عن غير تثبيت لأقدامهم على وجه أرض صلبة من التكفير كله، من اللوم والتأنيب مثل ما ينضحون به أئمة الدعوة فضلاً عمن دونهم.
فائدة: من شاء أن يقف على ما قاله ابن قدامة بحق من عبد غير الله مجتهداً، وأنه عنده غير معذور، فليقرأه في روضة الناظر، ومثله لابن فرحون في التبصرة، والشوكاني في إرشاد الفحول ، وعياض في الشفاء فصل: ما هو من المقالات كفر ، وما يتوقف أو يختلف فيه، وما ليس بكفر. وها هنا نكتة أنبّه عليها، وهي أن من يقصرون كل كفر على الاعتقاد لا يخفون أنهم قرروا ذلك تفريعاً له عن أصلهم في عدم التفريق بين كل العمل، وجزئه بل صرّح فضلاء كبار منهم بأنه لا يشترط جنس العمل لانعقاد الإيمان إلا الخوارج، وتلك كبوة وهنّة عريضة فالفرق بين أهل السنة، والخوارج بيّن واضح، فما يقوله أهل السنة من أن ترك العمل بالكلية، وعدم الانتهاء عن شيئ من النواهي لا يبقى معه إيمان، قد قرره وأكثر منه كتاب الله بعطف العمل على الإيمان تارةً وجعله قيداً له أخرى، في كل ذكر له كقوله مثلاً: { َومَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى }، وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ }،بل قصر الصدق سبحانه على من صدّق إيمانهم عملهم فقال:{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة : 177]، وبشر المؤمنين، ثم فسرهم بالوصف المقيد لهم بالعاملين فقال سبحانه: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين َفَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }،وغيرهما من آيات، وأحاديث ترهن الوعد بالإيمان قولاً، وعملاً، واعتقاداً. ولابن تيمية توضيح وافٍ كافٍ له في: ( الإيمان الأوسط)،من ذلك قوله رحمه الله: " وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب وأن إيمان القلب التام بدون شيئ من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءاً من الإيمان[23] .وقد قال الله تعالى في تقييد المؤمنين أيضاً بالعاملين بجوارحهم مع إيمانهم بقلوبهم وألسنتهم: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ، فحصرهم في أول الآية بقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ}، وأظهر فضله بالتصريح بقوله { أولئك} في مقام الإضمار، ثم حصرهم ثانية بضمير الفصل الذي يحصر المبتدأ في الخبر فقال: { أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ}، وأكدّ ذلك بالمفعول المطلق في قوله: {حقاً}، فتأمل رعاك الله قوله تعالى هنا { أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حقاً} وضمه إلى قوله في البقرة: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} يتضح لك تماثل الأسلوبين ووحدة المعنيين. وقال عز شأنه: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }،فتدبر أخي القارئ ذمهم بالإعراض هنا وفي آيات أخر كثيرة وهو من أعمال الجوارح وقلب الفكر في قوله سبحانه: { بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }،وما فيه من الإظهار في مقام الإضمار بياناً لشنآنهم وحقارتهم بما هو من الأعمال متوقفاً عند قوله: { هم الظالمون}، وقوله: {وما أولئك بالمؤمنين} ينكشف لك معنى الظلم هاهنا لعلة ما ذكر. هذا وللإمام ابن تيمية كلام نفيس في توضيح هذه المعاني يستحسن الوقوف عليه في الفتاوى[24].وقال معقل بن عبيد الله العبسي: قدم عليناسالم الأفطس بالإرجاء فعرضه، قال: فنفر أصحابنا نفاراً شديداً، قال فجلست إلى نافع فقلت له: إنهم يقولون: نحن نقول بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام، ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام، ونحن نفعل قال: فنتر يده من يدي ( يعني نافعاً) ثم قال: من فعل هذا فهو كافر[25]. قلت: ومثله مارواه كذلك عبد الله بن أحمد بسند صحيح عن ابن عيينة من أن المرجئة جعلوا ترك الأعمال بمنزلة ركوب المعاصي هوى، وليسا سواء فركوب المعاصي من غير استحلال لها معصية، وترك العمل عمداً كفر، فالفرق بين أهل السنة، وبين الخوارج هو أن الإيمان واحد،إما أن يذهب كله، أو يبقى كله، وأهل السنة لا يقولون بذلك. والخوارج يرون أن كل جزء من أجزاء العمل شرط لانعقاده، وأهل السنة لا يقولون بذلك إلا في جنس العمل كما مثلنا له بنقله عن نافع، وابن عيينة ، ومن نافلة القول أن أقول : يصح تبعاً ما لا يصح استقلالاً ، فالخلط بين أهل السنة، وبين الخوارج بهذا خطأ فادح ، وبما أن الإيمان قولٌ، واعتقادٌ، وعملٌ، وأدلة ذلك في موضعها غنية بشهرتها عن إيرادها ، كيف يزعم زاعم أن ناقض الشهادة لله بالتوحيد لا يكون إلا اعتقادياً ، والشهادة للأنبياء، والرسل بالنبوة، والرسالة كذلك. وهم يعلمون أن الاستهزاء، أو الشتم، أو سائر أنواع نواقض التوقير مما لو صدر بحق صديق، أو أب، أو ذي سلطان، ما انتطحت في نقضه احترامهم عنزان، فكيف لا يكون ناقضاً لمقتضى الشهادتين إلا إذا قام بالقلب.
. ...................**** ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
فهل تصح شهادة لله بالتوحيد من غير تعظيم ومحبة؟ وهل يبقى في القلب تعظيم، ومحبة بعد سبٍ، أو شتمٍ، أو تنقصٍ، أو استهزاء؟ ومن أين تبقى الشهادة للرسول بالرسالة بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، مع استهزاء، أو شتم، أو كل ما يناقض شرط، وركن هذه الشهادة من تعزير وتوقير وتجريد ومتابعة ومحبة.
وأما عدم الوقوع في الشرك إلا بنية التقرب، والعبادة فمن لوثات الإرجاء، وهو باطل من وجوه منها:
1- دلالة النصوص الآنفة على بطلانه، وعلى إشراكه، من غير ذكر لهذا الشرط.
2- أن القياس في التوحيد باطل ،كما حكى ابن عبد البر الإجماع عليه عن ابن سيرين[26].
3- أن هذا قياس مع النص المؤكّد شركية صرف حق لله لغيره تعالى، وإشراك مرتكبه.
4- أن قياس النية لصرف العبادة لغير الله على صرفها لله، قياس مع فارق كبير لأن صرف العبادات لغير الله من باب الفساد لا من باب الإنعقاد، ولا يخفى أن فساد العبادات لا يفتقر إلى نيات، وعليهم أن يتأملوا في كتب الأصول الفروق بين ما تشرع له النية ثواباً وصحة، وما تشترط له ثواباً دون صحة ، وما تشترط له العبادات تمييزاً لبعضها عن بعض ، وثواباً تخصيصاً بها عن غيره.
وبعد أن جلتُ بالقارئ الكريم، معتذراً إليه من الإطالة حين يقتضيها المقام أؤكد له ما يلي:
- أعيذك بالله من أن تظن بي أن ما سقته، سقته لنزعة تكفيرية باطلة أنزع إليها ولكني أردتُ الإسهام بجهد المقل ببيان ما إليك أيجازه:
1- التباس مذهب أهل المرجئة في أحوال كثيرة بمذهب أهل السنة.
2- تسمية عقيدة أهل السنة في الإيمان بعقيدة الخوارج، حتى من قبل بعض أكابر علماء العصر الأفاضل.
3- شيوع محاربة تكفير الخوارج ببدعة الإرجاء، وغمض العين عنها، توسوساً من تكفير الخوارج. والسلف دحروا الخوارج ولم يكونوا مرجئة، ودحروا الروافض، ولم يكونوا نواصب، ودحروا الجهمية، والمعتزلة، ولم يكونوا مشبهة. وهلم جرا.
4- وشاعت الهيبة من تسمية مكفرات، وشركيات صريحة بأسمائها مخافة القذف بالتكفير، وفي ذلك من المحاذير أمور عظيمة أجسمها: زوال هيبة الزنادقة الذين بين المسلمين لله، ورسوله لأنهم ضمنوا الحملة على مكفّر كفرياتهم، وفاضحها بأنه تكفيري ، فيفر منه فوراً من غير تثبّت ، وذلك ركن شديد لهم، وبهذا يصير رأس السيف بيدهم لا بيد الدليل من الكتاب والسنة وربانيي العلماء ، ومنها أن تنشأ أجيال تجهل حقائق الأحكام الشرعية في الأمور التي لا تسمى بأسمائها الشرعية تورعاً عن التكفير ـ زعموا ـ بالسكوت السابق كما فعل من فتنوا ببدع الغلو في القبور، وأحياء الصالحين . ومنها ظهور مصطلحات غريبة كإسناد الذم إلى لفظ التكفير المجرد. ومنها ابتداع قيود جديدة غير مؤصلة تنسف أحكام الردة العملية، والقولية كقولهم: السجود لغير الله شرك، بشرط نية العبادة، ومظاهرة المشركين على المسلمين كفر بشرط الرضى بكفرهم تلبيساً بينها، وبين مرتكب هوى من المعاصي؛ بل قالوه في جميع المكفرات القولية والعملية.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه
أملاه كاتبه الفقير إلى الغني الحميد/ محمد بن عياض التنبكتي.

[1] - تنبيه: لا أعني بهذا أنهم معصومون وأنهم يجب التسليم لهم ، ولا يرد عليهم فهذا من المردود المدفوع بداهة وهم وتلامذتهم وسائر أتباع سلف الأمة أعلم من ناقديهم وأعلم منهم بهذا ، ولكن مرادي ومحط رحلي مخاطبة من رضعوا من لبان علمهم ، ونشئوا ورتعوا من ثمرات علومهم وجهودهم وآثارهم بوجوب أن يحفظوا لهم حقهم عليهم والدعاء لهم وشكرهم ببث الثناء عليهم وإن صاحب ذلك تعقب وإبداء رأي مخالف لهم فليسوا بمعصومين .
[2] -نونية ابن القيم.
[3] - أوراق منثورة من حياة شيخ الإسلامم للشيخ: محمد بن إبراهيم الشيباني ص 103.
[4] - الفتاوى الكبرى م6 ص321-327.
[5] - الإلمام بشرح نواقض الإسلام لعبد العزيز الريس.ص27.
[6] - التمهيد لابن عبد البر م4ص226.
[7] - راجع الأقوال في تفسير قوله تعالى:{ وهموا بما لم ينالوا} في فتح القدير للشوكاني.
[8] - مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج5 ص12، وكذا ص64 من الجزء المذكور.
[9] - الفروع ج6 ص156.
[10] - من ص9.
[11] - الرسائل الشخصية للشيخ: ص25 وص 58، وانظر كذلك مجموع مؤلفاته ج5ص289.وج5 ص25.
[12] - ص123.
[13] - ص88-89.
[14] - ج28 ص125.
[15] - ج/10.
[16] - التمهيد ج4 شرح حديث ابن عباس في الرجل الذي تأول تحريم الخمر.
[17] - الفصل 4/106.
[18] 10/389.
[19] - ج2 الفرق 92,93,94 .
[20] - الفروق 4/150.
[21] - الجواب الصحيح 1/310.
[22] - كذا عبارةالبربهاري ، شرح السنة للبربهاري ص73 تحقيق خالد الردادي.
[23] - الفتاوى م7ص 616.
[24] - الفتاوى ج5ص508.
[25] - السنة لعبد الله بن أحمد بواسطة نقل الشيخ علوي في التوسط.
[26] - في جامع بيان العلم وفضله.


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:53 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.