أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والحوار (2)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
جرى الحديث عن حقيقة الحوار، وطبيعته، وكونه مشروع الأمة الإسلامية، والتفريق بين (حوار الدعوة) و(الدعوة إلى الحوار) . وفي حديث هذا الأسبوع نلقي الضوء على الممارسة العملية لأمة العقيدة، للحوار .
وبادئ ذي بدء نشير إلى أن الأمة الإسلامية مارست نوعين من الحوار :
أحدهما : الحوار العقدي، أو الديني: وهو المقصود بالحديث هاهنا. ويرتبط هذا النوع بأصول الإعتقاد، ومفاصل الإيمان. وهو من باب (الثوابت) التي تقوم على القطعيات، و (الحقيقة المطلقة)، و (النص المعصوم) الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت/42] . وليس لأحدٍ من الأمة كائناً من كان ، أن يساوم عليه، أو يحجب شيئاً منه، أو يقدم، أو يؤخر، أو يصطفي من تلقاء نفسه . وهو عنوان الفخار، وسر التميز لهذه الأمة الهادية . وكل محاولة للنيل من هذه الأصول الثابتة، ضرب من الاستزلال، الذي حذر الله تعالى منه نبيه صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم/9] ، وقال : (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة/49].
الثاني : الحوار السياسي، أو المدني، أو ما يسميه بعضهم (حوار التعايش : وهو من ضرورات الحياة، وطبيعة البشر. وتفرضه حركة الأمة الإسلامية أثناء قيامها برسالتها، واحتكاكها بالآخرين. كما يفرضه النشاط الإنساني للفرد المسلم أثناء تعامله الشخصي مع أفراد غير مسلمين. وعلى مستوى الأمة يرتبط هذا النوع بباب (السياسة الشرعية) و (الأحكام السلطانية) تبعاً لقواعد الشريعة، وتحصيل مصالح الأمة، ودفع الضرر عنها، في وقتٍ معين، في حالة معينة. ويتسع هذا اللون لقدر من المراوحة، وهامش من التفاوض المصلحي، الذي يقدره ولي أمر المسلمين، وأهل الحل والعقد من مستشاريه، ومعاونيه، والأمة لهم تبع.
وقد مرت الأمة الإسلامية في عهد النبوة، وفي زمن الخلافة الراشدة، وعبر الدول الإسلامية المتعاقبة، لمختلف الاحتمالات، والظروف المتغيرة. وبقيت (الثوابت العقدية) وتغيرت (السياسة الشرعية) حسب تغير أحوال الأمة؛ قوةً، وضعفاً . ومن أمثلة ذلك:
1- عاش السابقون الأولون من الصحابة (قلةً مستضعفة) في وسطٍ مشرك في مكة، قبل الهجرة، مستمسكين بعقيدتهم الثابتة، منهيين عن المداهنة، والمساومة، وطلب منهم أن يقولوا، مع نبيهم، صلى الله عليه وسلم : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) . وفي ذات الوقت، قيل لهم : (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) [النساء/77] .
2- هاجرت طائفة من المؤمنين الأوائل، إلى أرض الحبشة، فراراً بدينهم من الفتن، وعاشوا (أقليةً مسلمة) في وسط (أكثريةٍ نصرانية) تحت سلطان عادل، النجاشي، وحافظوا على عقيدتهم الثابتة، رغم ما تعرضوا له من محاولة ماكرة من مندوبي قريش، وإحراج كبير، أمام مخالفيهم في العقيدة، الذين آووهم، وأحسنوا إليهم، فلم يتزحزحوا قيد أنمله، وجهروا بعقيدتهم، متوكلين على ربهم، فجعل الله العاقبة لهم، وآمن النجاشي، رحمه الله.
3- هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأقام دولة الإسلام الأولى، وجاور قبائل يهود الثلاث؛ بنو قينقاع،وبنو النضير،وبنو قريظة. وتعامل معهم على مستويين :
أحدهما : المستوى الدعوي : دعاهم إلى الله، واتباع رسوله، والإيمان بكتابه. وتذرع بجميع الوسائل السلمية لدعوتهم، ومحاورتهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، فغشى مجالسهم، ومعابدهم، ومحافلهم، وبيوتهم، واستدعاهم، ودعاهم. وهذا (حوار الدعوة).
الثاني : المستوى السياسي : أبرم معهم معاهدة سياسية للدفاع المشترك، وتحمل الديات، والسلم الاجتماعي، عرفت باسم (وثيقة المدينة) . فلما خانت قبائل يهود؛ الواحدة تلو الأخرى، ونقضت العهود، عاملهم بما يقتضيه الموقف السياسي، فقاتلهم، وأجلاهم. ولم يخنهم، ولم يغدر بهم، كما فعلوا . وهذا هو (حوار التعايش) .
3- استقبل النبي صلى الله عليه وسلم، (وفد نجران) في مدينته، وأدخلهم مسجده، ومكَّنهم من الصلاة فيه، مستقبلي المشرق، وحاورهم، وجادلهم، ولم يتمخض عن اللقاء (بيان مشترك) أو (لقاء في منتصف الطريق) أو تجميع لـ (نقاط الاتفاق)، وإقصاء لـ (نقاط الافتراق) بل قال لهم : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران/64] ، ثم باهلهم، فأبوا، ورضوا أن يبذلوا الجزية، ويبقوا على دينهم، ورسومهم، فأجابهم، ولم يكرههم على الدين؛ إذ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة/256]
4- انساح الفاتحون الأوائل من الصحابة والتابعين (قلةً منتصرة) وسط خضم من الأمم المغلوبة؛ من المشركين، وأهل الكتاب، فساروا على طريقة نبيهم صلى الله عليه وسلم، من الدعوة إلى (كلمة سواء)، ولم يلفقوا، أو يوفقوا، أو يرقعوا، بل كانوا على البيضاء التي تركهم عليها نبيهم صلى الله عليه وسلم. فمن أجابهم من الأمم المغلوبه صار كواحد منهم؛ له ما لهم، وعليه ما عليهم. ومن أبى خيروه بين الخضوع لدولة الإسلام، وحكمه العام، ودفع الجزية، مع بقائه على دينه، أو المواجهة المسلحة، حتى يقضي الله بينهم وبينه. ولم يدخلوا معه في (مماكسة دينية) وربما أبرموا معه معاهدة سياسية، أو صلحاً مؤقتاً، يستفيد منه الطرفان .
وهكذا بقيت (العقيدة) محفوظة، و (دار الإسلام) مصونة. وربما وقع في مطاوي التاريخ حالات ضعف وانكسار، ناتجة عن التقصير في الأخذ بالأسباب، فنالهم من سنة الله ما ينال كل مقصر في دينه، أو دنياه . لكن القضية الراسخة، والموقف الثابت عبر القرون المتطاولة حماية جناب التوحيد، وصيانة العقيدة، والذود عن شجرة الإيمان، أن تجتث، أويقطع غصن من أغصانها. والله غالب على أمره.


التعليقات ( 0 )