• ×

خالد بن محمد القرعاوي

اجتماع القمة وآمال الأمة (خطبة)

خالد بن محمد القرعاوي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الخطبة الأولى
الحمد لله القوي المتين الملك الحق المبين القائل في محكم التنزيل (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك أمر بالاعتصام بحبله المتين .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله جمع الأمة على وحدة العقيدة والدين فقال ( إن الله يرضي لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً وأن تناصحوا من ولّاه الله أموركم ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) صلى الله وسلم وبارك على نبينا الصادق الناصح الأمين وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين فاتقوا الله يحفظكم واذكروه يذكركم واشكروه يزدكم فمن أحب شيئاً أكثر ذكره ومن أجلّ أمراً أعظم قدره ( ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرةً وأصيلاً ) ( ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما تعملون محيط ) .
عباد الله تقف الشعوب الإسلامية والعربية هذه الأيام كباراً وصغاراً رجالاً ونساءً وهم يتابعون الأخبار ويدققون النظر ويحللون كافة الخطابات لاجتماع كافة القادة والرؤساء في قمة الرياض وهم يتطلعون ويرجون الله تعالى أن يجمع شملهم وأن يوحد كلمتهم على الحق والهدى والدين وأن يقوي عزائهم إلى ما فيع عز الإسلام ونصرة المسلمين وما ذاك على الله بعزيز .
وإن اجتماع القادة والرؤساء في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا ووحدتنا يحتاج إلى تكاتف وتناصر وأن ننظر إليه بفأل حسن فإن الله يحب الفأل الحسن لقد أوضح أن الاجتماع أن الفرقة شر وأن الخصومات والخلافات ذهاب للريح والقوة وأن النزاع فشل ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )
كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا آحاداً
تأبى الرماح إذا اجتمعت تكسراً *** وإذا افترقت تكسرت أفراداً
عباد الله بالاتحاد والاجتماع على الحق تنال الأمة مجدها وتصل إلى مطلوب وتعيش أمةً مطمئنةً . بالاتحاد والاجتماع تكون الأمة مرهوبة الجانب مهيبة الحمى والحدود . عزيزة السلطان والملك . شامخة علية قاهرة قوية . وما ذاك على الله بعزيز إن تنمية الوعي بأهمية الوحدة والاجتماع أساس
في دفع اليأس , وطريق إلى خطوات عملية جادة وسعي إلى إصلاح النفس والمجتمع بأسره .
إن من أبرز خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها أمة واحدة في عباداتها وعقيدتها وسياستها ومعاملاتها وأخلاقها وسلوكها . ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ,
قال الإمام القرطبي رحمه الله " فإن الله يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة , فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة " قال ابن مسعود رضي الله عنه " حبل الله الجماعة " .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد ثلاثاً ( أيها الناس عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ) وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الجماعة رحمة والفرقة عذاب ) , ( والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) .
والمتأمل في التأريخ الإسلامي يجد أن من أهم أسباب ضعف الدول الإسلامية هو اختلافها وتنازعها فيما بينها , ولم يصبها الوهن ولم تكن غثاءٌ كغثاء السيل إلا لما تركت الجهاد , وأحبت الدنيا وكرهت الموت , فسلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه حتى يرجعوا إلى دينهم كما قال ذلك الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم
ألم تر أن جمع القوم يخشى *** وأن حريم واحدهم مباح
يعني حدوده وأرضه تكون مباحة حال التفرق والخلاف .عباد الله , أيها المؤمنون بالله ورسوله ....    و إن الاجتماع الذي تنشده الشعوب المسلمة والقلوب المؤمنة لابد أن يقوم على أسس ثابتة .أولها : أن يكون الاجتماع والاتفاق والالتفاف حول كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فهما المنطلق والأساس وهما الرابط والجامع لهم ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) فلا حظ لنا في الإسلام إذا توحدنا على غير القرآن والسنة , ولا خير لنا في هذه الحياة إذا تحاكمنا إلى غير القرآن والسنة. يا مؤمنون هو خط واحد مستقيم لا ثاني له , قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال ( هذا سبيل الله عز وجل ) وخط خطين عن يمينه وخطين عن شماله قال ( هذه سبل الشيطان ) ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) .
الأساس والضابط الثاني أن يكون اجتماع القادة والرؤساء محققاً لعقيدة الولاء لكل مؤمن والبراءة من كل مشرك وكافر , وأن يكون معززاً للهوية الإسلامية وللأمة الإسلامية , فلا مجال للاجتماع والتعاون مع أناس لا يرون إلا مصالحهم الخاصة , ومنافعهم العاجلة بغض النظر عما يحكم ذلك أمن حرام هو أم من حلال , والله يقول ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) , وكان الصحابة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم والبراءة من كل كافر.
لقد أغلق الله مداخل الشيطان كلها وبخاصة ما يبدو منها خيراً ومؤلفاً للقلوب وجامعاً للصف وموحداً للكلمة فلا يكون ذلك في مقابل التساهل في شيء من شريعة الله تعالى مقابل إرضاء طرف آخر ثالث الضوابط والأسس التي يجب أن يقوم عليها الاجتماع والاتفاق والوحدة
 أن يكون مع الاجتماع والوحدة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، فالاجتماع على الخير والأمر بالمعروف صنوان لا يفترقان ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .....) الآية . إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السبيل إلى الوحدة ألحقه فبه نعرف مواطن الخلل فنتجنبها ، به نزداد تمسكاً بوحدتنا وعقيدتنا وأمتنا ، يقول صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ) .اللهم وفق ولاة أمرنا وقادة المسلمين إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين .اللهم وحد صفوفهم وأصلح ذات بينهم واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
 
الخطبة الثانية 11/3/1428هـ
الحمد لله الواحد الأحد الفرد القوي الصمد ، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولم يكن له كفواً أحد ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من تعبد لله وسجد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه نصروا دين الله قولاً وعملاً وهبوا أموالهم وأعمارهم للواحد الأحد . أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله فمن اتقى الله فاز وسعد ونال يوم القيامة ما وعد . يا مؤمنون أخلصوا لله العبادة والطاعة والزموا الجمعة والجماعة وبادروا بصالح الأعمال ليوم لا بيع فيه ولا خلال . عباد الله لقد أظهرت البيانات والكلمات في مؤتمر قمة الرياض أن القادة والرؤساء قد أحزنتهم الأوضاع الراهنة للمسلمين عموماً فلقد عظمت المصيبة وتخطفت عالم الإسلام أيادي الأعداء ، فالكرامة مسلوبة والهيبة منزوعة والحقوق مسلوبة والأراضي مغصوبة وبلاد المسلمين مخربة ودماؤهم مهددة وأعرضهم مغتصبة فالمسلمون في كل الأمصار يعانون المآسي والمجازر والدمار حقائق مرة لا تستطيع حيالها التصوير والتبيين في كل ناحية صوت منتحب وفي كل شبر باغ ومافون مغتصب
في كل أفق على الإسلام دائرة *** ينهر من هولها رضوى وسهلان
ذبح وسلب وتقتيل بإخوتنا *** كما أعدت لتشفى الحقد نيران
يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة *** فلم يغثهم بيوم الروع أعوان
فاليوم لا شاعر يبكي ولا صحف *** تحكي ولا مرسلات لها شان
هل هذه غيرة أم هذه ضعة *** للكفر ذكر وللإسلام نيسان
لقد تحدث القادة و الرؤساء عن مأساة إخواننا في فلسطين و العراق و الخلافات في لبنان و السودان و الصومال .
أيها المؤمنون اعلموا علم اليقين و اعلموا عين اليقين أن الحق المسلوب لن يستطيع رده إلا رجال لهم قوة و جرأة في الحق تربو و تفوق جرأة العدو في الباطل انه لن يستطيع رد الحق المسلوب إلا من كان عنده تضحية في سبيل الله اشد من حرص العدو على السطو و الظلم و الطغيان ( و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) و في الصحيح ( المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف و في كل خير )
يا مؤمنون و الله إن ما ظفر به الأعداء من تسلط و سطو و اعتداء لا يرجع إلى قوة في أنفسهم أو معتقداتهم و لكنه يعود إلى الوهن الذي تلبسنا به و تسلط علينا و ليس هذا الكلام سرًا   بل أبانه و أوضحه لنا خير البرية و هادي البشرية صلى الله عليه و سلم حينما قال ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا : أمن قلة يا رسول الله قال : بلى انتم يومئذ كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم و ليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا : و ما الوهن قال: حب الدنيا و كراهية الموت )
عباد الله و المسلم العاقل لا يقيم العزاء على شيء فاته و لا يندب حظه لأمر نزل به و لكنه ينظر و يتأمل في سنن الله تعالى فهو يفقه أن الانتصارات و الهزائم ليست حظوظاً عمياء و لا هي خبط عشواء كلا ثم كلا فان الأمور بقدرة الله تسير إلى نهايتها و تربط النتائج بأسبابها
يا مؤمنون إن المخرج من هذه الأزمات لا يتطلب إلا سلاحا واحدا يقوم به كل مسلم بصدق و إخلاص و عزيمة و جد انه سلاح الإيمان بالله و برسوله و إخلاص التوحيد و العبادة و السير على نهج محمد صلى الله عليه و سلم في السلم و الحرب و أن تُعـد العدة للجهاد بالقلم و اللسان و السنان ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين) قال تعالى (وعد الله الذين امنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني و لا يشركون بي شيئا و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) و يقول تعالى ( و مالنا ألا نتوكل على الله و قد هدانا سبلنا و لنصبرن على ما آذيتمونا و على الله فليتوكل المتوكلون )
فاللهم هيء لنا من أمرنا رشدا اللهم وحد صفوفنا و اجمع كلمتنا على الحق والهدى و الدين و اجعلنا صالحين مصلحين يا رب العالمين اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين اللهم شتت شملهم و فرق جمعهم و اجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز اللهم انك تعلم عدوانهم و بغيهم و ظلمهم فانتقم للمسلمين منهم و اجعلهم عبرة للمعتبرين
اللهم أصلح لنا شئننا و وفق ولاة أمرنا لما تحب و ترضى اللهم وفق قادة المسلمين لتحكيم شرعك و إتباع سنة نبيك و اجعلهم رحمة على رعاياهم و اجعلهم هداة مهتدين ربنا أتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:46 صباحًا الإثنين 19 ربيع الثاني 1441 / 16 ديسمبر 2019.