• ×

حمد بن عبد الرحمن السريح

حقيقة الصمت الغربي

حمد بن عبد الرحمن السريح

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , أما بعد:

اعلم أن الله لم يقرن بين اليهود والنصارى إلا لما هو حاصل بينهما من أوجه الاتفاق والتطابق في العقائد والمقاصد ،وهذا وإن كان يقل ويكثر في مواضع دون مواضع ، وغايات دون غايات ،بل قد يصل في بعضها إلى حد التصادم والتقاطع ، كما في قضية قتل المسيح أو صلبه ، وكما في قذف مريم البتول وعذريتها ، إلا أن العقائد والغايات والمقاصد تجاه عداء المسلمين  ومضادتهم تكاد تكون متفقة أوشبه متفقة ،وذلك على اختلاف في الصور والاتجاهات والمرامي ، وعلى أن اليهود أشد من النصارى في هذا ، والنصارى أقرب مود للذين ءامنوا كما قال تعالى : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى..} (82) سورة المائدة ، من هذا الاتفاق الحاصل بين اليهود والنصارى ، مع اختلاف في المقصد والمرمى والغاية ، الاتفاق في قضية فليسطين وعاصمتها القدس ، وذلك أنه من منطلقات عقدية أصلها العهد القديم وهو التوراة ، والعهد الجديد وهو الإنجيل تقددس جماعات نصرانية هيكل اليهود المزعوم ، الذي بني على أنقاضة المسجد الأقصى في زعمهم ، فإن النصرانية في عقيدة هذه الجماعات امتداد لليهودية فما قدس في العهد يجب أن يقدس عند أصحاب العهد الجديد .

فهذه الجماعات والطوائف تعتقد أن إعادة بناء الهيكل المزعوم سيعجل بمجيء مسيح النصارى وهو عيسى عليه السلام ، للمرة الثانية , ولذلك فهم يتعاونون مع اليهود من أجل الوصول إلى ذلك الهدف ، وهدمهم الأقصى والصخرة ومن ثم بناء الهيكل ثم انتظار المجيء الوشيك للمسيح الذي يطمعون أن يدخل اليهود في دينه حال مجيئه مرة ثانية.

ومع كون مسيح اليهود ، ومعناه بالعبرية المخلص ، ويدعي في بعض المواضع في التوراة (ابن الإنسان) لأنه سيظهر في صورة الإنسان ، أقول : مع كون مسيح اليهود غير مسيح النصارى ، حيث أن اليهود يؤمنون بأن مسيحهم سيخرج من نسل داود قبل قيام الساعة ، وعندما يخرج سيحارب أعداء إسرائيل ، ويتخذ من القدس عاصمة لمملكته ، ويعيد بناء الهيكل على الصبغة اليهودية ، ويحكم بالشريعة المكتوبة والشفوية أعني التوراة والتلمود ، ويكون مع عودة الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام ، ومن هنا جاءت العقيدة الألفية ، التي هي في الأصل عقيدة يهودية ، ولكن النصارى تبنوها وركبوها على مولد المسيح عيسى بن مريم بحيث يعتقدون بعودته عند بداية ألفية من ميلاده.

فإنه ومع هذا للاختلاف بين اليهود والنصارى في حقيقة المسيح الآتي ، إلا أنه لا يعطل مسيرة العمل المشترك بينهما تمهيداً لمجيئه ، بل إن كليهما يعين الآخر في القدر المشترك من الاتفاق ، فإذا أتى المسيح يكون له شأن آخر.

قالت جريس هالسيل وهى كاتبة أمريكية ، قالت في مقدمة كتاب النبوءة والسياسة : قال أحد زعماء اليهوديين لزملائه المسيحيين : إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى فلنبدأ أولا ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سويا .

ولذلك فإنه عندما انعقد المجتمع العالمي الثاني للكنائس المسيحية في مدينة (أفانستون) عام 1954م ، قدمت له اللجنة المختلفة ببحث علاقة اليهود بالكنيسة تقريراً جاء فيه : "إن الرجاء المسيحي بالمجيء الثاني للمسيح لا يمكن بحثه عبر فصله عن رجاء شعب إسرائيل الذي لا نراه بوضوح فقط في كتب العهد القديم (التوراة) بل فيما نراه من عون إلهي دائم لهذا الشعب ، ولا نرتاح قبل أن يقبل شعب الله المختار المسيح كملك" ، واصدر مجموعة من الأساقفة  في المؤتمر المذكور البيان الآتي:" إننا نؤمن أن الله اختار شعب إسرائيل – الشعب المختار – لكي يتابع خلاصه للبشرية ، ومهما كان موقفنا ، ولذلك فإن شعب العهد الجديد لا يمكن أن ينفصل عن شعب العهد القديم ... وإن انتظارنا لمجيء المسيح الثاني يعني أملنا القريب في اعتناق الشعب اليهودي للمسيحية ، وفي محبتنا الكاملة لهذا الشعب المختار" انتهى . نقلته من كتاب الدكتور عبد العزيز بن مصطفى كامل ، قبل الكارثة نذير ..ونفير.

وهذا ما يفسر الإنفراج الكبير في العلاقة بين اليهود والنصارى في عصرنا هذا ، وذلك بعد قرون طويلة في العداء والصراع . ولذلك فإن الطرفين يؤمنان بأن المكان الذي سيتم فيه خروج المسيح المنتظر لكل الطائفتين هو جبل الهيكل في القدس ، لأنه المكان الذي يجب فيه إعادة بناء هيكل سليمان ، وبموجب العقيدة السائدة بين النصارى ، فإن التعاليم الإنجيلية  تتطلب حدوث ثلاثة أمور قبل أن يتحقق مجيء المسيح الثاني :

 أحدها : يجب أن تصبح إسرئيل دولة ،

الثاني   : يجب أن تكون القدس عاصمة يهودية ،

الثالث : يجب أن يعاد بناء الهيكل .

وفي عقيدة الجماعات النصرانية واليهودية لم يبق سوى إعادة بناء الهيكل  - وهو الشرط الثالث – لكي يحدث المجيء المتوقع للمسيح .

        يقول الدكتور : عبد العزيز بن مصطفى كامل في كتابه المتقدم الذكر : وقد ظهرت دراسة أعدها (مايكل ليدن ) وزوجته (باربارا) عن المؤامرات التي تحاك لنسف المسجد الأقصى من أجل بناء الهيكل ، وركزت الدراسة على التحالف القائم بين اليهود المتعصبين من جهة وبين جماعات المسيحيين من جهة أخري ، والدراسة نشرتها مجلة (نيوريبابلك ) في عددها الصادر  في 18 يونية 1984 ، والذي أعد الدراسة يعمل محاضرا في معهد الدراسات الاستراتيجية في جورج تاون وجاء فيها

"وراء معظم الأعمال التخريبية  التي يقوم بها متطرفون إسرائليون دوافع مشبعة بالتعصب الديني والسياسي ، والتشوق المسيحي الموعود ، والواقع هو أن التطرف الحالي يعد تطوراً مباشراً عن التنبؤات الواردة في سفر (الرؤيا) العهد الجديد ، وأن الأشخاص الذين اشتركوا في الأعمال التي استهدفت الأقصى ، إنما هم إلى حد كبير ، مجموعات عنيفة من حركة غير رسمية تمتد من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط ، وتشمل الملايين من أعضاء الطائفة الإنجيلية من يهود ومسيحيين . وإن هذا التحالف الغريب يرتكز على اعتقاد مشترك بأن الساعة قد أوشكت ، وأن المسيح قد اقترب حضوره ".

        يقول الدكتور : وقد خرجت دعوات من داخل الكنائس الأمريكية إلى ساحات العمل السياسي ، وبرزت في أجهزة الإعلام الأمريكية تطالب علنا باستكمال مملكة (إسرائيل) التي تحدث بها سفر التكوين ، وأبرز الدعاة من الكهنة النصارى في هذا المجال هو الكاهن البروتستانتي [جيري فالويل] حيث يقول في كتاب صور له منذ سنوات تحت عنوان (جيري فالويل واليهود) :"إن إسرائيل تحتل الآن مكان الصدارة في نبوءات الكتاب المقدس ، وإني أومن أن عصر الوثنيين (يقصد العرب والمسلمين) قد ولى بسيطرة اليهود على الأرض المقدسة في عام 1967م – أو أنه سينتهي في القريب العاجل – وإني على قناعة بأن معجزة إنشاء دولة بني إسرائيل في عام 1948م كان بفضل العناية الإلهية بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، وإن الإله وعد مراراً في العهد القديم بأنه سيجمع الشعب اليهودي في الأرض التي وعدها (إبراهام) ، وأعني بها الأرض إسرائيل الآن ، ولقد أوفى الإله بوعده ، وإن إنشاء إسرائيل لدليل ثابت على أن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب حي كريم ، وستبقى دولة أسراءيل محور التاريخ " هذا كلام نصراني عن إسرائيل الشعب والدولة ! انتهى كلام الدكتور .

        ولذلك فإننا نجد تأثير هذا المبشر وأمثاله على معتقدات الملايين من الناس في الولايات المتحدة ، وخصوصاً من كان لهم في الولايات المتحدة محطات تليفزيونية وإذاعات وبعضهم في المراكز الحكومية ، بل إن الإنجيليين يسيطرون منذ عدة سنوات على الكونجرس الأمركي بعد سيطرة الجمهوريين عليه .

        وهؤلاء المبشرون لهم مؤسسات تخدم كل منها غاية أو أكثر من غايات الحركة الحركة الصهويونية ، وبعض هذه المؤسسات مختص بجمع الأموال من أجل إزالة المسجد الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه .

        تقول الباحثة الأمريكية (لي أوبريت) أثناء كلامها عن المنظمات المسيحية المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة :"يرمي أصحاب هذا الفهم (تقصد أن المسيح عند مجيئه الثاني سيحكم الأرض مدة قبل يوم الحساب الأخير) الفهم الذي يتغلغل في الفكر الأمريكي أن الله اختار الولايات المتحدة وباركها بصورة خاصة من أجل إسرائيل".انتهى .ولذلك فلا يتعجب من الإنفاق الهائل من الإدارة الأمريكية على التسلح ، والتسليح للدولة اليهودية ، بحيث أصبح لا يهم أن يكون عجز الميزانية الأمريكية هائلاً ، باعتبار أن ذلك سيعين على إعادة بناء الهيكل بعد هدم المسجد الأقصى ، وبالتالي يوم عودة المسيح.

ومازالت تتكرر التصريحات متتابعة من أقطاب الإدارة الأمريكية ، واستفزاز للمشاعر الإسلامية ، وتهييجاً للمعركة الحتمية ، بل إنهم يريدون أن يبادروا بإخراج هذه الأحداث ويصنعونها بألسنتهم وأيديهم صنعاً .

        يقول أوين المبشر المسيحي :"إن إرهابين يهود سينسفون المكان الإسلامي المقدس ، وسيستفزون العالم الإسلامي للدخول في حرب مقدسة مدمرة مع إسرائيل ، ترغم المسيح المنتظر على التدخل " هكذا وكأن الأقدار تسير حسبما يشتهون ، ووفق الهيئة التي يريدون .

        إذا تبين هذا ، علم الحامل للإدارة الأمريكية على مواطئة الحكومة اليهودية الصهيونية ، ومساندتها ومعاونتها المطلقة في عامة القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية ، وهذا يبرهن على أن  المعركة القائمة على الأرض الفلسطينية معركة عقدية ، وإن ظهرت في صور سياسية أو اقتصادية أو أمنية ، فهي ثمار لكونها عقدية ، ونتاج لقوة تمكن تلك العقائد في قلوب المشاركين أو ضعفها . والعاقبة للمتقين . والله أعلم . وصلى الله على محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيرا.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:52 مساءً السبت 14 ربيع الأول 1442 / 31 أكتوبر 2020.