• ×

حمد بن عبد الرحمن السريح

علاقة اليهود بالنصارى

حمد بن عبد الرحمن السريح

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالدين الحق ليظهره عالى الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وإن أبى المعطلون والملحدون،وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، صلى الله وعليه وسلم عدد ماذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، أما بعد :

فإن كثيراً من المسلمين يتعجبون ، بل لا ينقضي عجبهم ، من شرة تواطئ الحكومة الأمريكية ومساندتها للكيان اليهود الصهيوني ، في القضية الإسلامية الفليسطينية ، وذلك في صور متنوعة ، ومظاهر متعددة ، تجلي غاية مساندتها ومعاونتها لهم ، كما في استخدام حق النقض الأممي ، المسمى بالفيتو ، والذي تخالف فيه الحكومة الأمريكية إجماعا عاماً من المجتمع الدولي حيال القضية التي تستخدم فيها حق النقض ، وكما في الدعم المعلن في العتاد والسلاح والأجهزة الحربية والترسانة من الآليات العسكرية ،

وتدريب عدد كبير من الجنود اليهوديين في الجامعات العسكرية الأمريكية ، بل وتخصيص أقسام خاصة بهم لا يدخلها غيرهم . كما في التصريحات المتتابعة على ألسنة المسؤولين في البيت الأبيض التي تدعم كل تحرك عسكري تقوم به الحكومة اليهودية ضد إخواننا في فليسطين أو لبنان أو سوريا أو غيرها من محالِّ الصراع والقتال . إلى غير ذلك من مظاهر الدعم والمساندة والإنحياز الظاهر المعلن.

        أقول : إن هذا العجب الحاصل له مايبرره ، ويوضح مسوغاته ، وذلك أن كثير من المسليمين قد غيب عن قضيته الإسلامية الفليسطينية ، وسط كم كبير من الشهوات والملهيات والتفاهات التي أغفلته عن هذه القضية ، وألهته عنها ، فلم يعد يدري أبعادها ، ولا زواياها وخفاياها ، ولايدرك ما يحاك لها ويكاد لأجلها . وهذا لاشك أنه أحد جهتي الحرب التي يشنها العدو ، وهي حرب الشهوات والملهيات وإغراق الأمة في وحل الرذائل والسفاهات.

ولما كان الأمر كما وصف أحببت أن أبين سبب هذا الاتحاد والامتزاج بين الحكومة الأمريكية والحكومة الصهويونية وخاصة تجاه القضية الفليسطينية والإقرار بكون عاصمتها القدس المباركة .

        فأقول :إن الله تعالى قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [(51) سورة المائدة] ، فنه المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، يحبونهم ، ويناصرونهم ، ثم بين أنهم أولياء بعض ، وهذا تعليل لنهيهم عن اتخاذهم أولياء ، فالمؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ، وءامنوا بما جاء منهما عنهما لا يتحصل لهم موالاة من كفر بما ءامنوا به ، كما قال سبحانه : {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ..} (73) سورة الأنفال ، والاسم الموصول وجملته يدلان على عموم الوصف الذي يجعل علة لما سبق له ، فقوله :" {وَالَّذينَ كَفَرُواْ } يعم كل من اتصف بوصف الكفر ، وهؤلاء إنما كفروا بما جاء عمن يؤمن به المؤمنون كما قال تعالى : {.. تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ...} (1) سورة الممتحنة ، وهم كذلك يكفرون بما آمن به المؤمنون كما قال سبحانه عن كفار قوم صالح أنهم قالوا لمؤمنيهم : {.. إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} (76) سورة الأعراف ، فلما كانت حالهم كذلك ، صرتم وإياهم في مشاقة ، فهم في شق وأنتم في أيها المؤمنون في شق.

        وعلى هذا فلا غرو أن يتناصروا ويتوادوا وتعاضدوا لمضادة المؤمنين ومحاربتهم وصدهم عن دينهم وفتنتهم عنه ، وهذا مع كون اليهود والنصاري متفرقي الكلمة الكلمة فيما بينهم ، ومشتتي الصف من داخلهم ، كما قال تعالى عن اليهود: {.. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ..} (14) سورة الحشر ، وقال عن النصارى : {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } (14) سورة المائدة ، إلا أنهم يتوحدون ويأتلفون إذا كان العدو هم المسلمين ، فهم قد اتفقوا على محاداة الله ورسوله ، وماسن أحد قائم بحدود الله ورسوله على الوجه الذي يرضاه الله ورسوله إلا المسلمون.

ولهذا نجد الله كثيرا ما يقرن بين ذكر اليهود وذكر النصارى في غير ما آية كما في قوله تعالى : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } (120) سورة البقرة وقوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء ب } (51) سورة المائدة وقوله : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى } (82) سورة المائدة ، وسورة البقرة وآل عمران قرينتا كما في صحيح مسلم :"من قرأ سورة البقرة وآل عمران وعمل بهما جاءتا  يوم القيامة كأنهما غيمامتان لأو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما  "فهما قرينان في الفضل وهما قرينان في ترتيب المصحف  الذي استقر عليه الصحابة في وقت عثمان ، وقد ذكر الله في صدر سورة البقرة جملة من صفات اليهود وأحوالهم وماهم عليه من الطبائع والسجايا ، وذكر في صدر سورة آل عمران جملة من محاجة النصارى ومجادلتهم ومقارعتهم وتبيين باطل ما هم عليه وضلالهم فيه ، كما أنه إذا أطلق لفظ أهل الكاتب تناول اليهود والنصارى إلا لقرينة تدل على تدل على تخصيص أحدهما به ، فقوله تعالى : {..وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ...} (5) سورة المائدة عام لليهود والنصارى ، وقوله : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ...} (68) سورة المائدة فهو عام لهم بدليل قوله " حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" وقوله : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ...} (6) سورة البينة ، وقوله : {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ ..} (1) سورة البينة ، إلى غير ذلك مما يطلق ويعم كلا الطائفتين . فإن دلت القرينة على تخصيص أحدهما به ، خص اللفظ به ، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...} (11) سورة الحشر ، الآية ، فقد قال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية : يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بنى النضير يعدونهم النصر من أنفسهم ، فقال تعالى : {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

انتهى . وكذلك قوله في أول السورة : {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ...} (2) سورة الحشر ، فهم اليهود ، أما قوله تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ ...} (171) سورة النساء ، الآية .فالمراد بها هنا النصارى بدليل قوله تعالى : {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ } ، والنصارى هم من زعموا أن الله ثالث ثلاثة . وغير هذا من المواضع التي تدل على القرينة على اختصاص إحدى الطائفتين بوصف أهل الكتاب ، وهذه القرائن إما أن يدل عليها السياق ، أو سبب النزول ، أو ظاهر الوصف التابع للفظ أهل الكتاب.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:06 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.