• ×

المشرف العام

وقفات مع محمود سعيد ورفع عتب عن الشيخ العثيمين

المشرف العام

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد :
فقد نقل الشيخ عمرو عبد المنعم سليم في كتابه, هدم المنارة في تخريج أحاديث الزيارة عن محمود سعيد في كتابه (رفع المنارة في تخريج أحاديث الزيارة) وهو الكتاب الذي عناه بالردُ, ثلاث مسائل:
1. نقده اللاذع لابن عثيمين رحمه الله على قوله, إذ: للماضي فلا تدل على عموم قوله تعالى , (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم), ثم قال الشيخ العثيمين: فإن الله تعالى قال (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) ولم يقل ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم. ونقل المعترض محمود سعيد عن ابن هشام ترجيح مجيئها للمستقبل. مستشهدا بقوله تعالى, فسوف يعلمون (فسوف يعلمون إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل)
2. دعواه أي محمود سعيد العموم المفيد لمشروعية السفر للمجيء المذكور في الآية, استدلالا بأصل الفعل في سياق الشرط من صيغ العموم
3. نقل عنه اتهام الشيخ العثيمين بمحاكمة النيات وما تكنه القلوب مشددا إنكاره عليه ذلك الذي وصفه محمود بأنه ليس بعلم. يعنى اتهام الناس في نواياهم [هدم المنارة بتخريج أحاديث الزيارة ص 356] باختصار مني غير مخل, وسأشرع بإذن الله في وقفات حوارية معه لا صخب فيها ولا بذاءة, إذ لم يتناولها الشيخ عمرو في كتابه المذكور بما تستحقه مقابل إجادته وإفادته في مناقشته الحديثية له, ولا كذلك الشيخ المناوي في جزأين حديثين خصص الأول منهما لأثر مالك الدار والثاني لحديث, (اللهم إني أسألك بحق السائلين) فكانا بحق دراسة حديثيه يصدق على مضمونها قول الشيخ البلغيثي عن كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى (كم من فوائد قد كانت أوابد لم تظفر بها به يستدعيك قاصيها ماشئت من أدب غض ومن ملح تشتاقها همم ترجو توافيها فأعكف عليه ونزه في بدائعه أبصار فكرك تستجني أمانيها) الإستقصاء [ج3/213], فأقول وبالله أستعين.
إنه لا يليق برجل تجرد لمناطحة أكابر العلماء كابن تيمية والألباني وابن عثيمين رحمهم الله وعلامة المغرب محمد الأمين (أبوخبزة) حفظه الله وثبته على الحق وأعلى به شأن الكتاب والسنة أن يبادر بالإنكار في مسألة اجتهادية على الشيخ لأجل اختياره رأي القائلين ببقاء إذ للماضي على قاعدتها وعدم ورودها للمستقبل وكأنه بدع من العلماء في ذلك. وإليك أمثلة من تعدد الأقوال فيها مع ثبات الجميع على أن الأصل مجيئها للماضي. قال الزجاج: الأصل في إذ الدلالة على ما مضى, تقول أتيتك إذ قمت[.الزجاج ج 1/5]
والطبري في تفسيره , وجعل منه قوله تعالى (إذ قالت امرأة عمران) [ج 7/147]
وقال القرطبي في تفسيره : إذ وإذا حرفا توقيت فإذ للماضي وإذا للمستقبل وقد توضع إحداهما موضع الأخرى , ثم نقل عن المبرد أن دلالتها على الماضي ثابتة وإن جاء الفعل بعدها مضارعا يدل على المستقبل, [تفسير القرطبي ج1/261] عند تفسير قوله تعالى (إذ قالت امرأة عمران) وقال الزمخشري ببقائها في معناها [الكشاف ج4/178] وقال الرازي : تقام مقام إذ الإرادة المبالغة والتوكيد وإزالة الشبهة [ج12/191وج27/87] واختار بقاءها في معناها أبو حيان [ج4/1.1] وقال الطبري عنها للماضي [ ج1/22.] وقد استفدت هذه المواضع من إحالات الدكتور محمود محمد الصغير في كتابه [الأدوات النحوية في كتب التفسير ص 44._444] ومسألة هذا غيض من فيض وخوض العلماء في الخلاف فيها لا يليق البدار بالإنكار على مختار وجه من الأوجه المقيلة فيها قولا له حظ من النظر على من هو دون الشيخ فضلا عن عالم فقيه راسخ القدم في اللغة العربية كالشيخ رحمه الله وآثاره فيها وفي بقية علوم الآلة شاهدة له بذلك
ومن نظر نظرة تأمل إلى توسع العربية وكثرة إحالاتها بأقل بلغة نحوية وبلاغية لم يضق ذرعا فيها بقول مخالف لاختياره وهو الشأن في كل العلوم بضوابط لا تخفى على ممارسيها فمثلا, من استصحب الاستعلاء في على لم يكن مستحقا لعتب من يراها ترد بمعنى في الظرفية لقوله تعالى (على حين غفلة من أهلها) والمتبادر إلى ذهن غير الممارس للنحو مع البلاغة تناقض معنييهما. ولا من استصحب القاعدة في (لن) فقال إنها لنفي المستقبل ونصبه (مع) جزمها عند من رآها جازمة لقول الأعرابي مادحا الحسين رضي الله عنه: لن يخب الآن من رجائك من حرك من دون بابك الحلقة , ولا من قال بالأصل في (إلى) مستحقا له ممن يرى ترجيح مجيئها بمعنى (من) لقول الشاعر:
تقول وقد علوت بالكور فوقهاأيسقى فلا يروى إلي ابن أحمرا
مع أن المتبادر إلى الذهن من أول وهلة تعاكس المعاني في بعضها والوظائف في أخرى (فأعد نظرا يا عبد قيسفربما أضاءت لك النار الحمار المقيدا)
وقد نظم السيوطي لإذ وغيرها معاني عديدة في [الكوكب الساطع] يسلم له بعضها ويراجع في الأخرى من غير ما جلبة
وقد قرأت للإمام المرادي قصرا لمعنى (إذ) على الظرفية لما مضى من الزمان كالشيخ العثيمين وأسلافه في ذلك [الجني الداني للمردى ج 1/3] فبأي وجه وعدل يخص من ممدوح بالنكير، وإذا كان القائلون بالتوسع في الأدوات التي أشرنا إلى توسع معانيها عند جمهرة من النحاة لم يوجه إليهم التأنيب الذي توجه به ممدوح إلى العثيمين ولا حتى لوم من أهل الاختصاص فالشيخ رحمه الله أولى من ذلك لإعماله القاعدة والقياس
أما قوله أعنى المعترض بعموم قوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) مستدلا بأصل (الفعل في سياق الشرط من صيغ العموم) ففيه جزم بشرطية (لو) ولا يخفى أن فيها خلافا بين النحاة كان من ثمراته ضعف دلالتها على العموم الذي هو فرع شرطيتها فلا تجد لها من الإعمال ضمن صيغ العموم ما تجده لـ (إن ومتى ووما وومن مثلا) [ارجع إلى ,صيغ العموم للآمدي, والحروف والعموم في الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع, ومباحث العموم في, البحر المحيط للزركشي, ومبحث العام في اصطلاح العلماء في شرح الكوكب المنير, ونثر الورود على مراقي السعود ص6.2] على سبيل التمثيل, ومن الخلاف في شرطيتها, قول الرماني (لو من الحروف الهوامل وفيه معنى الشرط ومعناها امتناع الشيء لامتناع غيره وعن سيبويه(والكلام للرماني) إنما لم تعمل (لو) وفيها معنى الشرط لمخالفتها حروف الشرط وذلك أنها لا ترد الماضي مستقبلا كما يفعل حرف الشرط [معاني الحروف للرماني من ص 1.._1.1] وحكى المرادي الخلاف فيها والقول بشرطيتها عن الزمخشري وابن مالك, وساق كلام سيبويه الذي نقله عنه الرماني آنفا من غير أن يعزوه إليه [الجني الداني في حروف المعاني ,للمرادي ج1/47] قلت : ابن مالك رحمه الله عدها حرف شرط في الألفية , بقوله
"لو حرف شرط في مضي ويقل *** إيلاؤه مستقبلا لكن قبل"
أما حكمه عليها في الكافية الشافية ,في قوله (لو حرف يقتضى امتناع ما يلي وكون تلو تلو لازما) فموافق لمذهب سيبويه المنقول آنفا, وليس هذا سوى إشارة مقتضبة إلى الخلاف فيها , أردت تنبيه المعترض به على أنه إذا كان ينكر إطلاق حكم كون, إذ للماضي مع الإجماع على أن ذلك هو الأصل فيها وما سواه إن أفادته فهو فرعي ,فكيف أطلق شرطية لو بقوله ,والفعل في سياق الشرط من صيغ العموم ,مريدا به قوله تعالى ,ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم,وقد مر بك حكم سيبويه عليها بالشذوذ عن قاعدة الشروط ,وقول الرماني عنها إنها من الهوامل وقلة اعتداد الأصوليين بها في مقابل أدوات الشرط التي عناها سيبويه ,فكان الجدير به والحال هكذا أن يثبت شرطية ,لو,ثم يرتب عليها ما يناط بحروف الشرط من الأصول .مردود, إن كان لابد من إنكار ,فهو على الآتي بالمعنى والحكم الفرعي من غير أن ينفي عنه ما يتوجه إليه من الاحتمالات لأعلى من استصحب القياس والأصل .وهو خلاف تصرف المعترض على العثيمين فكن فطنا له .
وقوله بالعموم هنا يريد به عموم لفظ الظلم .مردود ,من وجوه
1. أنه لا يحكم أصل من الأصول إلا بعد النظر في سياقه وقرائنه وهو ما لم يفعله ممدوح هنا مكتفيا بتقليد السبكي فيه
2. أن هذا الظلم , دل سياق الآية من قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم حتى آخرها,على أنه خاص بواقعة التحاكم إلى غيره صلى الله عليه وسلم فلا يتناول كل ظلم ,ومن تدبر اقتصار الآية على تناول واقعة التحاكم من دون ظلم آخر أدرك ذلك بسهولة
3. قوله تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) ثم قوله (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ,جاءوك) والعطف عليه بالفاء [ينظر تفسير ابن عاشور لهذه الآية فقد أجاد فيه وأفاد] وقصره الوعيد ونفي الإيمان لعلة عدم تحكيمه وعطف قوله سبحانه (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) دليل على تخصيص هذا النوع من الظلم .فكيف والظلم لفظ مجمل خصصته القرائن المذكورة في الآية .أما العموم المستفاد من الآيات الكريمة فهو عموم فرضية تحكيمه وعموم كون الصدود عن تحكيمه صلى الله عليه وسلم نفاقا وبقاء االمفلحون.مان عن من لا يحكمه ومن هو متحرج من حكمه ,وقد قررت ذلك آيات أخرى كقوله تعالى ,وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ,إلى قوله بل أولئك هم الظالمون.ومفهوم الحصر في قوله تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون.وعلة تعين وجوب المجيء المذكور في الآية الكريمة وتعليق قبول التوبة به وبالاستغفار المعلقة إجابته باستغفاره عليه الصلاة والسلام.تعلق حقه بهذا النوع من الظلم ,ومما يوضحه قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ,الآية ,وقوله تعالى (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفرلنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) ووجه تعلق صنيع الأعراب بحقه معصيته بالتخلف عن النفير الذي أمر به صلى الله عليه وسلم .فرد الله دعواهم موافقة قولهم بألسنتهم لما في قلوبهم وأقر طلبهم الاستغفار لهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
4. أن العموم الذي ادعاه لا يكون عموما في الظلم الذي هو فعل الشرط فقط من دون خبر ,لو أنهم ,وهو,جاءوك ,الذي هو مناط جزاء الشرط ,لوجدوا الله توابا رحيما,ولا كذلك يمكن اختصاصه بالظلم من دون جوابه ,وهو لوجدوا الله توابا رحيما,فيكون معنى مذاهب إليه ,أن كل تائب لا يقبل الله منه توبته ولا ندمه ولا استغفاره حتى يجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم فيستغفر الله ويستغفر له الرسول صلى الله عليه وسلم .فبعيد عن قرب رحمة الله من عباده ورفعه الحرج عنهم ووعده بقبول توبة من تاب قبل الغرغرة أو طلوع الشمس من مغربها وفيه تشبه بمن يشترطون للتوبة أن تكون في كنيسة وتعرض على كاهن ويعترف ويقر له التائب بكل سوابقه.ولا يطابق إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل ليبلغوا ويعلموا الناس الإسلام.مع إخباره عن الله بأننا نخطئ بالليل والنهار وأن الله يغفر الذنوب جميعا وقوله والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
5. أن هذا فيه تشبيه لقبره عليه الصلاة والسلام بأول بيت وضع للناس في فرضية حجه لمن استطاع إليه سبيلا.وابتداع شد رحل واجب بل يعلق به قبول التوبة .في مقابل ما دعا الله إليه وشرعه نحو بيته في قوله, وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (وقوله صلى الله عليه وسلم من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه .وغيرها من خصائص بيته ومسجده صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ,أقر الله أعين المسلمين بتحريره من اليهود,وغيرها من بيوته التي شرع فيها من العبادات والقرب ما لم يشرعه في غيرها من البقاع .
أما دعواه أي ممدوح محاكمة الشيخ لما في القلوب .فدعوى متسرعة لأن الشيخ سلك مسلك الحكم عليهم بقرينة صرفهم ما استأثر الله به لنفسه لغيره وتلك قرينة أقوى من نفيهم بألسنتهم عدم اعتقادهم فيهم القدرة مع الله .ولا أظنني بحاجة إلى أن أذكرك بإعمال القرائن في القرآن والسنة والأحكام العقدية والفقهية .والشيخ رحمه الله لا يعني أنهم لا يقع منهم الشرك بصرفهم خصائص الله لغيره سبحانه حتى تقوم قرينة عدلهم إياه بشركائهم في ربوبيته لبطلانه ومنافاته لما قرره القرآن من أن من عدله في محض حقه بغيره فقد أشرك به سبحانه ولذلك قال عنهم (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) مع قولهم إلا شريكا هولك تملكه وما ملك وإقرارهم له بالربوبية سواء تعلق بتوحيد أفعال عباده أو بربوبيته أو بأسمائه وأوصافه .وإنما قاله رحمه الله ليثبت بتلك القرينة تلازم بواطنهم وظواهرهم ,وقول ممدوح إن هذا ليس من العلم في شئ . إخراج للأخذ بالقرائن من العلم وقد أقرها القرآن في قصة يوسف وغيرها .وتذكر أن الصاوى أيضا قال بمثل هذا الذي ليس بعلم .فهو أيضا يستحق تأنيبك لكنه من أصحاب العقيدة,وذلك في تفسيره .لقوله تعالى (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) فقال,إن الآية تجر بذيلها على من يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون وينفعون بذواتهم ويحلون ماحرم الله ويحرمون ما أحله .[حاشية الصاوى على الجلالين] ,تفسير قوله تعالى (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة وآله وصحبه )/15/1/1429هـ
بيد الفقير إلى الله لراجي منه وعفوه, محمد بن عياض بن عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي التمبكتي


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:11 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.