• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة و (الآخر)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد شاع في الآونة الأخيرة، قبل نحو عقد من الزمان، استعمال مصطلح (الآخر)، للدلالة على (المخالف) أو (المغاير) ، بقطع النظر عن درجة اختلافه أو مغايرته. وبدا هذا المصطلح لمستعمليه ألطف في التعبير، وأقل دلالةً على وجود حكم مسبق، فراج سوقه في أدبيات الحوار المنفتح، وأجواء العولمة .
ولا ريب أن هذا المصطلح الفضفاض مصطلح وافد، وهجين مولَّد من أمشاج الهزيمة الحضارية، والدهاء الغربي، في رحم العصرانية التي تريد أن تتماهى مع ثقافة المنتصر، ولو كان مخالفاً في أعظم الأمور .
والألفاظ العقدية تمتاز بوضوح الدلالة، وتعيين المراد، وتأبى الإجمال، والإبهام، والتعميم، أو ما يعبر عنه حالياً بـ (الضبابية) و (الهلامية) . ومردُّ هذا الوضوح إلى لغة القرآن والسنة الموصوفة بـ (البيان) و(التبيين) و(البينة) و(الإحكام) و(التفصيل) لأن المقام مقام خطير، يخشى فيه من مزلة الأقدام، وجنوح الأفهام .
فمن هو (الآخر ) يا ترى ؟
ربما كان الآخر هو (طرف آخر) في عقد معاوضة؛ من بيع أوشراء، أو إجارة .
وربما كان الآخر مجرد مخالف في مذهب فقهي، في مسائل الفروع .
وربما كان الآخر (صاحب بدعة) عملية، أو اعتقادية، مخففة، أو مغلظة .
وربما كان الآخر (كتابياً) يهودياً، أو نصرانياً، موصوم بنوع من الكفر .
وربما كان الآخر (وثنياً) من الذين لا يعلمون؛ هندوسياً، أو بوذياً، أو كونفوشيسياً.
كل هذه الأطياف المتفاوتة يحتملها مصطلح (الآخر) ! ومن هنا يتضح أن سوْق الكلام في هؤلاء جميعاً سوْقاً واحداً، ضرب من المجازفة والتضليل .
وحين أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، كان جميع الفرقاء موجودين على الساحة العالمية، فلم يعاملهم معاملة القطيع، بل ميز، وفصل، وسمى الأشياء بأسمائها، ورتب الأحكام حسب مقتضياتها، وفق ميزان دقيق، وعدل عميق .
فـ (العقيدة) واضحة في باب أسماء الدين والإيمان؛ لا تحابي، ولاتظلم، حاسمة في أحكامها ، لا لبس فيها ولا غموض :
1- فليس على وجه الأرض إلا مؤمن أو كافر : قال تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )[التغابن/2]
2- والكفار على نوعين : مشرك، وكتابي : قال تعالى : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) لبينة/1].
3- وأفصح بشكل سافر عن سبب كفر أهل الكتاب، فقال : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة/17،72]، وقال : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) [المائدة/73]، وقال : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) [المائدة/78-82] .
فلا سبيل إلى تجاوز هذه النصوص المحكمة، والأحكام القطعية، والأسماء الراسخة،
التي دمغهم الله بها إلى يوم القيامة. وكل محاولةٍ للالتفاف عليها باستبدال، أو تأويل تبدو عبثية، وقتية، لا تهز شعرة من اليقين لدى المسلمين .
وكما أن (العقيدة) واضحة في باب الأسماء والمصطلحات، فإن (الشريعة) عادلة في باب الأحكام والمعاملات؛ فلا ظلم ، ولا عدوان، ولا إكراه في الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين . قال تعالى : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة/8، 9]. فاختلاف الدين لا يسوَّغ العدوان،والغدر،والخيانة، بل فوق ذلك، يجعل الأمر دائراً بين مرتبتين:
إحداهما : مرتبة القسط، والعدل، وإيتاء كل ذي حق حقه .
الثانية : مرتبة البر،والإحسان: التي هي الدعوة العملية لاعتناق الإسلام. وهكذا كان.
ويلتبس الأمر على كثير من الناس؛ فيظن أن مقتضى تحقيق (الكفر) على (الكافر) يستدعي ظلمه، أو قتله! والأمر ليس كذلك . ويظن فريق أن النصوص الدالة على البر والإحسان، ترفع أسماء الدين والإيمان، وتميع الحدود الفاصلة بين الكفر والإسلام.
إن التوسع في استعمال مصطلح (الآخر) لا يخدم القضية، بل يزيدها لبساً، وغموضاً، ويفسح المجال للآراء المتطرفة في طرفي الإفراط والتفريط . والله المستعان .


التعليقات ( 0 )