• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (6)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الصوارف عن الفطرة (الهوى)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من والاه ، وبعد :
فيجيء الهوى صنواً للشيطان في الصوارف عن الفطرة ، فحيث وجد الهوى فثمة شيطان وسواس خلفه ، وذلك لأن أخصّ خصائص الهوى ميلها إلى الشهوة أياً كانت ، ولا يكون هذا الميل إلى الشهوات إلا من طريق وساوس الشياطين ونفخهم ونفثهم ، التي تؤدي في النهاية إلى أن تهوي بصاحبها " في الدنيا إلى كل داهية ، وفي الآخرة إلى الهاوية " [1] .
يعرفون الهوى بأنه : " ميل النفس إلى ما تستلذه الشهوات من غير داعية الشرع " [2] ، وهذا التعريف يعبّر بوضوح كيف يكون الهوى صارفاً عن اتباع الحق .
إن ما عبر عنه بـ " داعية الشرع " لا يكون إلا الحق ، وبالتالي ؛ فإن النفس حين تميل إلى شهواتها وملذّاتها ؛ فقد انصرفت عن داعية الشرع إلى داعية الهوى .
لقد فطر الله – سبحانه وتعالى – قلوب العباد على محبّته ، فليس " في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه إلا الله وحده " [3] ، وهذا هو الأصل عند كلّ العباد ، غير أن هذا الأصل ربما ينحرف لأسباب كثيرة ، ومنها الهوى ، ولذلك فإنك تجد – لامحالة – محبة غير الله ، والإشراك معه غيره ، وأي انحراف عن الحق بعد هذا الانحراف ؟!
لقد جاء القرآن بالتحذير من الهوى في مواضع كثيرة ، أسوق بعضها ، فمنها قوله – تعالى - : " ولاتتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " [ص : 26] ، وقوله عن المشركين : "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس " [النجم : 23] ، بل يخاطب نبيه – عليه الصلاة والسلام – محذّراً إياه من الهوى فيقول : " ولاتتبع أهواء الذين كذّبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون " [الأنعام : 150] ، ولاشك أن التحذير للنبي – عليه الصلاة والسلام - تحذير لأمته معه ومن بعده .
لقد تضمنت هذه الآية الأخيرة بيان أسباب الضلال كله ، فبيّنت أن الهوى مؤدٍ إلى الكذب ، وعدم الإيمان بالآخرة ، إضافة إلى الشرك بالله – تعالى - ، فماذا بقي بعد ذلك ؟!
لقد جمع هؤلاء القوم القبح من أطرافه ، ولذلك كان اتّباع الهوى سبباً لدخول النار ، وفي مقابل ذلك ؛ فإن مخالفة الهوى ؛ سببٌ في دخول الجنة ، ألم يقل الله – تعالى - : " فأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " [النازعات : 40] ؟ .
وليس الهوى مقصوراً على جهلة الناس ، بل إنه قد يقع من طلبة العلم والعلماء ، فيصرفهم عن سماع الحق أو اتّباعه ، مع علمهم بذلك ، وتأمّل كيف صور القرآن هذه الحالة ، فقال – تعالى - : " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " [الأعراف : 170] ، لأن هذا المثل يفهمه أولئك الذين يتدبّرون القرآن حق التدبّر .
لقد وصف الله – سبحانه وتعالى – هذا الشخص بالعلم ، لكنه كفر بعد أن اتّبع هواه ، فانسلخ من الآيات التي علمها ، واتّباعه الهوى كان قصداً لا جهلاً ، بدليل التعبير بـ " انسلخ منها " ، ولذلك شبّهه الله – تعالى – بأحقر الحيوانات وأخسّها وهو الكلب ، لمناسبته لهذه الحالة ، وتأمّل – مرة أخرى – التعبير باللهاث ، للدلالة على استمرار الإنسان في الركض خلف سراب يرى فيه سعادته ، ويستمر في ذلك كالظمآن .
" ولخطورة الهوى وغلبته ، وأن حامله موضع شكٍ وريبة ، ومحلّ تكذيب ؛ نفاه – جلّ وعلا – عن رسوله – صلى الله عليه وسلّم – : " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " [4] ، فالهوى والوحي لايجتمعان ، ولذلك فكلام النبي – صلى الله عليه وسلّم – وفعله منزّهان عن الهوى .
المهم في كلّ ذلك أن الهوى لايسلم منه أحد ، إلا من عصمه الله – تعالى - ، وأنّه – ربما - يتسلل إلى النفس مرتدياً ثياب مصلحة الدعوة حيناً ، وبيان الحق حيناً آخر ، وفي كلّ هذا يسوّغ انحرافه عن الحق !
ويبقى السؤال الكبير الذي يجب أن يسأل كلّ منا نفسه إلى أي حدّ هو بعيد عن صوارف الفطرة ؟ وإلى أي حدّ استطاع أن يحقق ذلك في نفسه وأهل بيته والأقربين ، بل حتى مع أعدائه فضلاً عن الأصدقاء ؟

 


[1] مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، مادة ( هوى ) ، ص : ( 849) .
[2] الكليات ، لأبي البقاء الكفوي ، ص : ( 962 ) .
[3] مجموع فتاوى ابن تيمية : 10 / 72 .
[4] دوافع إنكار دعوة الحق ، في العهد النبوي وسبل علاجها ، عبدالرحمن بن عيسى الملاحي ، ص : ( 73 ) .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:49 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.