• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (5)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الصوارف عن الفطرة (الشيطان)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

لقد أخذ الشيطان على نفسه أغواء بني آدم منذ أن سجد الملائكة لأبينا آدم ، وأبى إبليس ذلك ، وتأمّل هذا الحوار بينه وبين ربّه – سبحانه وتعالى - : " قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين" [الأعراف ( 16 – 17 ) ] ، وقوله في الآية الأخرى : "ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "[النساء ( 119 )] .

قال ابن القيم - رحمه الله - : " فتغيير مافطر الله عباده عليه من الدين ؛ تغيير لخلقه ، والخصا وقطع آذان الأنعام ؛ تغيير لخلقه أيضاً ، ولهذا شبّه النبي - صلى الله عليه وسلّم - أحدهما بالآخر ، فأولئك يغيّرون الشريعة ، وهؤلاء يغيّرون الخلقة ، فذلك يغيّر ماخُلقت عليه نفسه وروحه ، وهذا يغيّر ماخُلق عليه بدنه"[1] .

ونتيجة لأن الشيطان أخذ على نفسه العهد بإغواء بني آدم وتزيين الشر لهم ؛ فها نحن أولاء نجده مع الطفل الصغير حين ولادته ، ألم يقل رسو الله – صلى الله عليه وسلّم - : " مامن بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد ، فيستهلّ صارخاً من مسّ الشيطان غير مريم وابنها ..." [2] ؟ .

فهذا حين الولادة ، ثم ماذا بعد ذلك ؟ جاء الحديث ليبين لنا أن الشيطان لم يترك بني آدم ، ففي حديث عياض – رضي الله عنه - الآنف الذكر : " ... وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ..." ، ثم ماذا بعد ذلك ؟ جاء الحديث ليزيد الأمر وضوحاً ، ففي حديث صفية – رضي الله عنها - : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم "[3] ، وعموم الحديث يدلّ على أن بني آدم كل بني آدم معرضون لوسوسة الشياطين ، حتى الأنبياء لم يسلموا من وسوستهم ، بيد أن الله عصمهم من وسوستهم وثبتهم على الحق ، ففي حديث عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم – " مامنكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن ، قالوا : وإياك يارسول الله ؟ قال : وإياي ، إلا أن الله أعان عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير"[4].

قال النووي : " فأسلم : برفع الميم وفتحها ، وهما روايتان مشهورتان ، فمن رفع ؛ قال : أسلم أنا من شره وفتنته ، ومن فتح ؛ قال : إن القرين أسلم ، من الإسلام وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير "[5] .

والشياطين منها شياطين الإنس ، ومنها شياطين الجن " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً" [الأنعام ( 112 )] ، ولذلك كان بعض السلف يخشى من شياطين الإنس أشد من خشيته من شياطين الجن ، فهذا مالك بن دينار – رحمه الله- يقول : " إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ؛ ذهب عني شيطان الجنّ ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً "[6] .

ولذلك ؛ أمرنا الله – سبحانه وتعالى - بالاستعاذة من نزغات الشياطين في كل وقت ، فقال : " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله "[فصلت ، ( 36 )] ، كما أمرنا بالاستعاذة عند تلاوة كتابه فقال : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم "[النحل ، ( 98 )] ، وذلك حتى يتفرغ المرء لتدبّر التلاوة .

إن الشياطين أحد أسباب الإغواء ، وبالتالي ؛ فهي أحد أسباب صرف الناس عن الفطرة السليمة الصحيحة ، وكلما كان المرء محصناً من الشياطين ؛ كان أبعد منها ، وأول وأولى وسائل التحصين ذكر الله تعالى ، واقرأ - إن شئت – قوله تعالى : " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناّ فهو له قرين " ، فذكر الرحمن واق – بإذن الله - من وسوسة الشيطان ، ومن ذكر الرحمن ؛ تلاوة سورة البقرة في المنزل ، حتى لا يقربه الشيطان .

إن المرء إذا كان جسمه قوياً ؛ صار محصناً من الأوبئة والأمراض - بإذن الله تعالى - فلاتصل إليه ، وهذا ينطبق على التحصين بالذكر والأوراد وغيرها من تلاوة القرآن وطاعة الله بعمومها ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقمين أن يعصمه الله من همزات الشياطين : " رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربّ أن يحضرون " .

وللحديث بقية – إن شاء الله – عن الصارف الأخير من صوارف الفطرة وهو الهوى في الحلقة القادمة .  

  


 

[1] شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، لابن القيم ، ص : ( 575 ) .

[2] صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله تعالى : " واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً " ، رقم : ( 3431 ) .

[3] صحيح البخاري ، كتاب الأحكام ، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم ، رقم ( 7171 ) .

[4] صحيح مسلم ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار ، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس ، وأن مع كل إنسان قريناً ، رقم ( 2814 ) .

[5] شرح صحيح مسلم ، للنووي : 17 / 157 .

[6] الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي : 7 / 45 .



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:59 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.