• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (4)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الصوارف عن الفطرة 

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

     فاستمراراً للحديث عن الأبوين ؛ تأتي البيئة عاملاً حاسماً في صرف الناس عن فطرتهم الصحيحة إلى غيرها ، من أساليب الشبهة أو الشهوة .
     والبيئة " جميع ماأثّر في الفرد ، وتسبب في تغيير سلوكه ، وصرفه إلى طريق يختلف عن الطريق الذي وجد عليه" [1] .
     ولذلك فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمرو بن شعيب قال : " كان الغلام إذا أفصح من بني عبدالمطلب علّمه النبي – صلى الله عليه وسلّم – هذه الآية سبعاً : " وقل الحمدلله الذي لم يتّخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذل وكبّره تكبيرا" [2] .
     إن الحديث ذو دلالة واضحة على أن النبي – صلى الله عليه وسلّم – عني بتأمين بيئة صحيحة وصالحة للصبية من أقاربه ، وهم بنو عبدالمطّلب ، من خلال غرس بعض معالم التوحيد في نفوس هاتيك البراعم ، حتّى يشبّوا ، وقد تعلموا كثيراً من مباديء التوحيد بأسلوب سهل ميسّر ، حريّ بالمرء أن يغرسه في أبنائه أو من يربّيهم .
     أما البيئة السيّئة ؛ فلا يخفى أثرها على المرء ، وأمثلة ذلك كثيرة جداً ، غير أنني أذكر هنا قصة ملكة سبأ ، حين تحدّث القرآن عنها ، مبيناً أن سبب عدم إسلامها ؛ وجودها مع قومٍ كافرين ، فقال : " وصدّها ماكانت تعبد من دون الله إنها كانت من قومٍ كافرين" [النمل : 43] ، ولذلك ؛ فإنها حين غادرت هؤلاء القوم الكافرين ، ويسّر الله لها الانتقال إلى بيئة أخرى موحّدة ، هي بيئة سليمان – عليه السلام – قالت : " رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين" [النمل : 44] .
     ففي الجزء الأول من حياة هذه المرأة ؛ كانت البيئة معينة على الشرك ، وفي الجزء الثاني ، من حياتها ؛ أصبحت البيئة سبباً للتوحيد والإيمان بالله .
      وأضيف هنا مثالاً آخر معروفاً لكثير من الناس ، ألا وهو قصة عمّ رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – أبي طالب ، حين حضرته الوفاة ، " جاءه رسول الله – صلى الله عليه وسلّم - ، فوجد عنده أباجهل ، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم – ياعم : قل لااله إلا الله ، كلمة أشهد لك بها عند الله ، فقال أبو جهل : وعبدالله بن أبي أمية : ياأبا طالب : أترغب عن ملّة عبدالمطّلب ؟ فلم يزل رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – يعرضها عليه ، ويعدي له تلك المقالة ، حتى قال أبوطالب – آخر ما كلّمهم - : هو على ملّة عبدالمطّلب ، وأبى أن يقول : لاإله إلا الله" [3] .
     تأمل أثر هذين الرجلين عليه ، لقد ظلا بجواره حتى نطق بكلمة الكفر ، وهو في الرمق الأخير من الحياة ، ولم يتمكّن من قول كلمة التوحيد والنطق بالشهادتين على الرغم من دفاعه المستميت عن النبي – صلى الله عليه وسلّم - طيلة حياته .
     إن هذه الأمثلة وغيرها كثير ، تدلّ – بلا شكّ – على أن البيئة ذات أثر سلبي إو إيجابي ، في حياة المرء ، وأن على المرء أن يبحث لنفسه أو عائلته البيئة الأمثل والأسلم لدينه قبل دنياه ، وإذا وُجِد في بيئة سيّئة ؛ فحريّ به أن يسهم في تغييرها من خلال المشاركة مع الناس ، أو بالتعاون مع غيره – إن كان وكانوا قادرين على ذلك – في تغيير هذه البيئة نحو الأصلح بالوسائل المشروعة .
     أما إذا كانت هذه البيئة بيئة قويّة لايستطيع أن يغيّر فيها ؛ فالأولى له الانعتاق من ربقتها والخروج منها ، والبحث عن أفضل الأماكن للعيش مع عائلته ، ولن يضيّعه الله ابداً ، ولنا في نبي الله لوط أسوة حين قال : " إني مهاجرٌ إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم" [العنكبوت : 26] ، ونبيّنا محمد – صلى الله عليه وسلّم – حين وجد البيئة غير صالحة ؛ أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، ثمّ إلى المدينة ، ثمّ هاجر هو بنفسه إلى المدينة بعد ذلك ، كما نهى عن الإقامة بين ظهراني المشركين ، للأسباب التي أسلفت الحديث عنها .
     إن البيئة إذا كثر فيها الفساد ؛ صارت محلاً للعذاب والعقوبة ، وقد ورد في الحديث القدسي – وهو جزء من حديث عياض المذكور سابقاً - : " ... وإن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب ... " .
     إن سبب مقت الله لبعض أهل الأرض ؛ هو شركهم وفسادهم ، ولذلك يتضح بشكل قاطع خطورة البيئة ، وكونها سبباً صارفاً عن الفطرة السليمة المتبعة للحق .
     وللحديث بقية إن شاء الله حول صارفٍ آخر ، وهو الشيطان ، تتابعونه الحلقة القادمة .

      


     [1] دوافع إنكار دعوة الحق في العهد النبوي ، وسبل علاجها ، عبدالرحمن بن يوسف الملاحي ،ص : ( 60 ) .
     [2] مصنف ابن أبي شيبة ، كتاب فضائل القرآن ، باب : في الصبيان متى يتعلمون القرآن ؟ رقم : ( 10328 ) ، والآية من سورة الإسراء ، رقم ( 111 ) .
     [3] صحيح مسلم ، كتاب وفاة أبي طالب ، ومانزل في شأنه ، رقم ( 24 ) .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:36 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.