• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (3)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
الصوارف عن الفطرة :
في الحلقتين السابقتين كان الحديث يدور حول قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه - : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .. " الحديث .
وفي حديث عياض – رضي الله عنه - فيما يرويه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - عزوجل - : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزّل به سلطاناً .. "[1] .
إن الرجوع إلى معنى " اجتال " اللغوي ؛ يشير إلى التحويل عن القصد ، واجتيال الشياطين : الاستخفاف بالناس ليميلوا إلى الضلال [2]
قال النووي – رحمه الله - : " أي استخفوهم فذهبوا بهم ، وأزالوهم عما كانوا عليه ، وجالوا معهم في الباطل " [3].
ويقول ابن تيمية – رحمه الله - : " ويلحق الذم من تبيّن له الحق فتركه ، أو من قصّر في طلبه حتى لم يتبيّن له ، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو كسل أو نحو ذلك " [4].
وبذلك يتبيّن أن الله سبحانه خلق عباده على الحنيفية ، ثم صرفتهم الشياطين عنها ، وكان من نتيجة ذلك أن أحلوا ماحرّم الله ، وحرّموا ما أحلّ ، كما أشركوا به مالم ينزّل به سلطاناً .
وبجمع الحديثين مع بعضهما يمكن لنا ملاحظة الصوارف عن الفطرة ، وهي الأبوان – كما في الحديث الأول – والشيطان – كما في الحديث الثاني - ، ويلحق بالأبوين ؛ البيئة ، ويلحق بالشيطان ؛ الهوى ، لتعلق كل ذلك مع بعضه .  
 
1- الأبوان :
إن الطفل حين ولادته يحتكّ أول ما يحتك بوالديه لقربهما منه ، وملاصقتهما له ، فهو غير قادر على الاستقلال بنفسه ، " بل لابدّ له ممن يتبعه ويكون معه " [5] ، وبالتالي ؛ فالأبوان هما القادران على صياغته وفق العادات والأعراف والتقاليد ، بل والأديان في الغالب ، وهو مايصدّقه قول النبي – صلى الله عليه وسلّم – : " فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه " .
قال ابن حجر : " فمن تغيّر ؛ كان بسبب أبويه ، إما بتعليمهما إياه ، أو بترغيبهما فيه ، وكونه تبعاً لهما في الدين ؛ اقتضي أن يكون حكمه حكمهما " [6] .
وتأسيساً على ذلك ؛ نقول :إنّ الأبوين يشكّلان عقل الابن في مراحل حياته الأولى ، سواء أكان ذلك عن طريق الترغيب - وهو الأمر الطبيعي - أو عن طريق الترهيب ، كما في قصة إسلام بن سعد بن أبي وقّاص – رضي الله عنه – المشهورة حين حاولت أمه صدّه عن الإسلام ، وحلفت " أن لاتكلّمه أبداً حتى يكفر بدينه ، ولا تأكل ولا تشرب " [7] .
فالأمّ رأت ابنها يخرج عن دينها ، فحاولت ردّه إلى ماتعتقده صواباً ، من خلال الضغط عليه ، مستغلة عاطفة الابن نحو أمه ، لكنه – رضي الله عنه – لم يرضخ لهذه الضغوط ، لأنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق ، والمعصية هنا ؛ أعظم المعصية ، لأنها الشرك بالله .
ثم إن هذا الطفل الصغير يكبر رويداً رويداً ، ويبدأ الاحتكاك بمن حوله وما حوله ، سواء أكانوا من الأقربين ، أو من هم في مثل سنّه في حيّه أو مدرسته ، والمجتمع بشكل عام ، إضافة إلى الوسائل الإعلامية الحديثة ، فيصبح عرضة للتأثّر ، بل تصبح البيئة المحيطة به – بمفهومها الضيق أو الواسع - أحد العوامل المؤثرة في صياغة عقله وتفكيره ، وتبدأ في مشاركة الوالدين تربية هذا الابن ، اختياراً أو اظطراراً ، فإما أن تتناغم مع مايتلقّاه الابن في المنزّل ، فتكون رافداً من روافد التربية ، وإما أن تتعارض مع مايتلقاه ، فتبدأ في التغيير ، مع وجود صراع محتمل بين الطرفين ، وهو أمر سوف أفصّل الحديث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله .
 
[1] الحديث سبق تخريجه في الحلقة الأولى
[2] انظر : معجم مقاييس اللغة ، مادة ( جول ) : 1 / 495 ، والنهاية في غريب الحديث ، لابن الأثير : 1 / 317 ، ولسان العرب ، مادة ( جول ) : 11 / 13 ، والمعجم الوسيط ، مادة ( جال ) : 1 / 148 .
[3] شرح صحيح مسلم : 17 / 196
[4] اقتضاء الصراط المستقيم ، لمخالفة أصحاب الجحيم ، لابن تيمية : 2 / 580 .
[5] شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، لابن القيم ، ص : ( 597 ) .
[6] فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني : 3 / 250 .
[7] صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل سعد بن أبي وقّاص ، رضي الله عنه ، رقم : ( 1748 ) .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:40 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.