• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (2)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  3.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فقد تأكد في الحلقة الماضية أن الفطرة هي الإسلام ، وأن ثمت علاقة بين الفطرة والدين ، وفي هذه الحلقة أواصل الحديث .
من المهم أن يعلم أن الفطرة مهما دخلت عليها المؤثرات وصرفتها الصوارف عن الحق ، لاتزول نهائياً ، فلربما تستيقظ في وقت من الأوقات فتتوجه إلى الله تعالى ، كحال المشركين حين يلجؤون إلى الله تعالى إذا مسهم الضرّ كما ذكر القرآن في غير موضع ، لأن النفوس مجبولة على حب فاطرها ومن يساعدها في الأوقات العصيبة ، كحال الرضيع مع ثدي أمه إذا مكّن منه ، فإنه لابدّ أن يرضع لأنه مركوز في فطرته .
ولذلك فإن الإنسان مجبولٌ على محبة الله ، والرجوع إليه ، والإنابة ، والتعظيم والخضوع له ، وهنا يمكن فهم فائدة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتذكير في القرآن في آيات كثيرة ، منها : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) [الذاريات (55)] ، وقوله : ( فذكّر إنما أنت مذكّّر ) [الغاشية (21)] ، وغير ذلك من الآيات التي تدلّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مذكّر بشيء مركوز في فطرهم يحاول إخراجه وجلاءه لهم .[ انظر : شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، لابن القيم ، ص : (601) وما بعدها] 
وتأسيساً على ذلك فإن مخاطبة الفطرة ذا أثر إيجابي من الناحية النفسية ، " لأنها أحد الطرق المهمة لدفع الإنسان لمزيد من الأعمال الصالحة والأنشطة النافعة ، ولتقليص السلوكيات المشينة والأعمال الرديئة ، ويلمس المربّون تأثر الإنسان وانجذابه للأعمال الخيرية وممارستها عند مخاطبة فطرته ، وبيان حاجته للخالق ، وعند إثارة معاني الاستقامة في نفسه وانسجامها مع تطلعاته العميقة وراحته واستقراره على المستوى البعيد " [علم النفس الدعوي ، د:عبدالعزيز بن محمد النغيمشي ، ص (139)].
ولذلك ؛ فإن الفطرة المركوزة في النفس لابدّ لها من العناية والرعاية حتى تنمو وتقوى ، ولابدّ أيضاً من إبعادها عن جميع المؤثرات الخارجية الصارفة لها عن الحق ، وهذه هي مهمة الأنبياء والدعاة والمصلحين والمربين ، لأن " الفطرة قد جُبلت على حبّ ما تراه حسناً واجتناب غيره ، وعلى حبّ الكمال وكراهة النقص ، ولكنهم يخطئون في تحديد هذه المعاني ويحتاجون إلى بيانها بوحي من الله تعالى ، وهو عهد الله المفصّل الذي يرسل به رسله لمساعدة الفطرة على تزكية النفس وإزالة مايطرأ عليها من الفساد والجهل وسوء الاختيار "[ تفسير القرآن الحكيم ، محمد رشيد رضا : 9/34] .
فإذا تبيّن أن الفطرة أحد أنواع الحفز للعمل للآخرة ، فإن ثمت بعض التوجيهات التربوية في هذا الصدد للحفز بالفطرة ، ومنها :
أ – على المربي أن يستثير كوامن الفطرة في النفس ومحبتها للمستقيم السليم دون المعوجّ السقيم على المدى البعيد .
ب – الرجوع للفطرة والانطلاق منها هو طريق الوضوح والجلاء ، وبه يكون الإنسان طبيعياً ، ويؤدي انطلاق المربّي من هذا الأساس إلى التيسير والراحة ، ويحس المتربون بذلك لما يجدونه من صفاء ووضوح ، بخلاف اللجوء للطرق الملتوية والممارسات المتكلفة ، لأنها تخفض من فاعليتهم ، وربما أدت إلى الإعراض .
ج – بالرجوع إلى الفطرة يصير همّ المرء واحداً ، ويجتمع نشاطه لغاية نهائية فذة ، وفي هذا راحة وطمأنينة للإنسان .
د – بإرجاع الإنسان إلى الأساس الفطري نجعله يثوب إلى خالقه المنعم عليه بأنواع النعم ، وفي هذا اختصار للوسائط التربوية ، وإعادة إلى مصدر التوجيه الحقيقي عن طريق الوحي الذي أنزله الله لتوجيه الإنسان وتربيته . [انظر علم النفس الدعوي ، ص (140)]
إن العودة إلى الفطرة أمر ربما فات البعض أو قصّر فيه آخرون ؛ إلا أن الإشارات التي أسلفت الحديث عنها حريّة بأن يهتم بها كل من له عناية بالشأن التربوي من الآباء أو المصلحين أو المربين . 
وإذا كان ثمت عودة نحو الطبيعة في العصر الحديث بكل جوانبها ؛ فلاشك أن الفطرة هي أس الطبيعة وأساسها .
وللحديث بقية إن شاء الله .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:18 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.