• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

علاقة الفطرة بالدين (1)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  3.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تمهيد :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد :
فتحاول هذه السلسلة من المقالات دراسة العلاقة بين الفطرة والعقيدة ، ومقاربة التلازم بينهما ، من حيث كونهما شيئاً واحداً أم هما مختلفين . 
وإذا رجعنا إلى أصل المعنى اللغوي نجد أن الفطرة يتنازع معناها تعريفات كثيرة ، ومن هذه التعريفات ؛ الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه ، وقيل : هي نوع من الجبلة والطبع المتهيء لقبول الدين [1]. لكن التعريف الاصطلاحي يدور في أكثره على أنها بمعنى الإسلام ، قال البخاري : " قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود متوفى ، وإن كان لِغَيّة ، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام "[2] ، وهو آخر قولي الإمام أحمد ، كما حكاه المروزي [3]، وجزم به البخاري [4]، ويقول ابن حجر العسقلاني : " وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام ، قال ابن عبد البر : وهو المعروف عند عامة السلف " [5] .
 وحتى تفهم هذه العلاقة ؛ يجدر بنا مراجعة عدد من النصوص ، ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول : " فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون "[6] ،
ولمسلم من حديث عياض بن حمار – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه – من حديث طويل - : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطاناً "[7] .
وسوف أتوقف عند الحديث الأول مطولاً جاعلاً الكلام عن الحديث الثاني في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى .
إن الحديث الأول يشير إلى أن الفطرة الإسلام ، وأن المرء يولد أول ما يولد عليها ، وذلك أن المخلوق حين يخلق يكون مهيئاً لسماع الحق والقبول به وإدراكه ، ولاشك بأن الإسلام دين الحق ، لكن الصوارف تصرف المرء بعد ذلك ، وهو ما دلّ عليه بقية الحديث : " كما تنتج البهيمة " ، يعني : " أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة ، فلو ترك كذلك كان بريئاً من العيب ، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلاً ، فخرج عن الأصل ، وهو تشبيه واقعٌ ووجهه واضح [8]" . 
يقول ابن تيمية - رحمه الله – مفسراً الفطرة : " وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة ، فإن حقيقة الإسلام أن يستسلم لله لا لغيره " [9] .
ويقول أيضاً : " ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة ؛ أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل ، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً ، ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام ؛ بحيث لوترك من غير مغيّر لما كان إلا مسلماً .
وهذه القوة العلمية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع ؛ هي فطرة الله التي فطر الناس عليها "[10] .
إذن فقد تبيّن أن الفطرة أمر موجود في نفس كل إنسان ، ولو خلي بين الإنسان وفطرته فإنه لا يستدل إلا على الله ، إذا لم يكن ثمة ما يصرف الفطرة عن طبيعتها .
وما أجمل تصوير ابن تيمية – رحمه الله – للفطرة إذ يقول : " ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس ، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس ، والاعتقادات الباطلة العارضة من تهوّد وتنصر وتمجس مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس ، وكذلك أيضاً كلّ ذي حس سليم يحب الحلو ، إلا أن يعرض في الطبيعة فسادٌ يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مراً " [11].
ولانستغرب بعد ذلك أن تشبّه الفطرة باللبن في حديث الإسراء ، حين خيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخمر واللبن ؛ فاختار اللبن ، فقيل له : " اخترت الفطرة " [12]. 
ويعلق ابن القيم – رحمه الله – على الحديث قائلاً : " فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه عليه دون غيره ؛ لمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه لها دون غيرها "[13] .
ويقول النووي – رحمه الله - : " وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيباً طاهراً سائغاً للشاربين ، سليم العاقبة ، وأما الخمر فإنها أم الخبائث ، وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل "[14] .
ولعلّ هذه السهولة التي يتحدث عنها الإمام النووي تشير إلى سهولة هذا الدين وموافقته للنفوس ، لأن الفطرة من عند الله ، وكذا الدين ، والذي أنزل هذا الدين ؛ هو الذي خلق هذه الفطرة ، وهو أعلم بما يناسبها : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "[15] ، ولذلك فإنه : " إذا انحرفت النفوس عن هذه الفطرة ؛ لم يردها إليها إلا هذا الدين "[16] .
وللحديث بقية إن شاء الله .
 
[1] انظر : النهاية في غريب الحديث ، لابن الأثير : 3 / 457 ، و لسان العرب ، لابن منظور : 5 / 55 ، والكليات ، للكفوي ، ص : ( 29 )
[2] صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب : إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه ؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام ؟ رقم الحديث : 1358 .
[3] فتح الباري ، : 3/249 .
[4] كتاب التفسير ، باب : " لاتبديل لخلق الله " .
[5] فتح الباري ، لابن حجر : 3 / 248
[6] اخرجه البخاري ، كتاب التفسير ، تفسير سورة الروم ، باب : ( لاتبديل لخلق الله " رقم : 4775 .
[7] اخرجه مسلم ، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ، رقم : 2865 .
[8] فتح الباري : 3 / 249 .
[9] مجموع الفتاوى : 4 / 245 .
[10] مجموع الفتاوى : 4 / 347 .
[11] مجموع الفتاوى : 4 / 247 .
[12] صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرض الصلوات ، رقم : 162 .
[13] شفاء العليل ، ص : ( 578 ) .
[14] شرح صحيح مسلم : 2 / 212 .
[15] الملك : 14
[16] في ظلال القرآن ، سيد قطب : 5 / 2767 .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:36 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.