• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

بين التمييز والتميز (5)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فقد كان الحديث فيما مضى حول تميز المسلم عن غيره ، وفي هذه الحلقة – وهي الأخيرة - ؛ سوف يكون الحديث عن التميز بين المسلمين أنفسهم .
وقد أسلفت القول سابقاً أن من حكم الله تعالى حين خلقنا وخلق الموت والحياة ؛ أن يبتلينا بحسن العمل ، ألم يقل الله – تعالى - : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ؟
قال ابن جرير – رحمه الله - : " ليختبركم فينظر أيكم له – أيها الناس – أطوع ، وإلى طلب رضاه أسرع "[جامع البيان ، للطبري : 29 / 1] .
وللعلماء في معنى أفعل التفضيل " أحسن " قولان :
- قال الشوكاني – رحمه الله - " للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء ؛ هو ظهور كمال إحسان المحسنين " [فتح القدير ، للشوكاني : 5 / 29] .
- قال ابن عاشور – رحمه الله - " إن الأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها ، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى ، لان البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى بالسيئات بالأولى ، لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء ، لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ، ومن الفساد في النفس وفي نظام العالم ، وذلك أولى بالعقاب عليه " [التحرير والتنوير ، لابن عاشور : 14 / 15].
وحاصل هذا الكلام أن التميز والتمايز إنما هو بحسن العمل لاكثرته ، وهو مجال رحب للمفاضلة بين المسلمين .
إن حسن العمل – كما هو معلوم – لايتحقق إلا بالإخلاص والمتابعة ، ومتى تخلف أحد هذين الشرطين ؛ تخلف حسن العمل .
وبالإخلاص والمتابعة يجب على المرء أن يبحث له عن موطيء قدم بين السابقين بالخيرات ، فيختار من كل عمل أفضله في الزمان والمكان والحال ، ليحقق كمال حسن العمل ، وهذا ديدن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنهم ، فقد كانوا كثيراً ما يسألون : عن أفضل العمل ، وأي العمل خير ؟ لا عن العمل نفسه ، أو ماذا يعملون كما يسأل بعض الناس الآن .
وكما بين القرآن أن الله خلق الموت والحياة للابتلاء بحسن العمل ؛ جاءت أحداث كثيرة في السيرة ، لتختبر التميز والتمايز ، فقال الله تعالى : " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " .
جاءت هذه الآية في سياق عدد من الآيات للتعليق على أحداث غزوة أحد ، ولايخفى على القاريء الكريم كيف ظهر المسلمون الخلص في الغزوة بثباتهم ، كما ظهر المنافقون بخيانتهم ومخالفتهم الله ورسوله ، فتميز الصف المسلم وتمايز.
وفي كل عصر ومصر تحدث أحداث جسام تعصف بكيان الأمة فيتميّز أقوام ، ويسقط في الهاوية آخرون ، فيكون هذا سبباً في اتضاح الرؤية ، وتمحيص الصفوف ، ولذلك شواهده الكثيرة .
إن التميز في الدنيا ؛ يتبعه تميز في الآخرة ، يقول تعالى : " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون " ، ويقول : " ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم " ، ويقول : " ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون " ، ويقول : " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " ، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن من تميزوا بحب الله ورسول له – صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ؛ لابد أن يتميزوا في الآخرة بالنعيم والحنة .
أما سواهم ؛ فهم يحشرون إلى جهنم ، يركم بعضهم فوق بعض بما في ذلك من شدة الإذلال لهم .
إن الأمة في هذا الخضم الهائل من الشعارات التي تعج بها الأرض لابد لها من التميز عن غيرها من أمم الأرض ، سواء أكان هذا التميز في الأهداف أوالتصورات والاهتمامات والغايات ، وبذلك تكون الأمة الوسط الشاهدة على الناس القائدة لغيرها من الأمم .
أما ما سوى ذلك ، فسوف يجعلها تضيع بين الأمواج العاتية ، وتسير من غير غاية أو هدف .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:09 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.