• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والاتباع

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

(بدعة المولد)

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :
(الشهادتان) أعظم أركان الإسلام، ومبانيه العظام. ( وإنما جعلت هذه الشهادة ركناً واحداً، مع تعدد المشهود به؛ إما : لأن الرسول مبلغ عن الله تعالى، فالشهادة له صلى الله عليه وسلم بالعبودية والرسالة من تمام شهادة أن لا إله إلا الله. وإما : لأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال، وقبولها، إذ لا صحة لعمل، ولا قبول، إلا بالإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فبالإخلاص لله تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة لرسول الله، تتحقق شهادة أن محمداً عبده ورسوله ) [نبذة في العقيدة الإسلامية. لشيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله. ص 11]
لقد استقر في قلوب السابقين الأولين، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أن هذا الدين قد اكتمل، وأن النعمة قد تمت، فلا حاجة لزيادة، أو نقصان، أو تعديل، أو تلفيق، كما امتن الله بذلك على عباده، في موقفٍ عظيم، ومنسك جليل، يوم عرفة، في حجة الوداع، فقال : (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً) المائدة: 3. وسد نبيه الكريم، صلى الله عليه وسلم كل منفذٍ للبدعة الأصلية، أو الإضافية، أو التركية، بقوله : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) متفق عليه، وقوله : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) متفق عليه. رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
وقد فقه الصحابة هذا المعنى ، فلما قبَّل عمر، رضي الله عنه، الحجر الأسود، قال: ( إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ، ما قبلتك ) [رواه الجماعة] . قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله : ( وفي قول عمر هذا، التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها. وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه ) [فتح الباري: 3/463] . وقال عمر، رضي الله عنه، أيضاً : ( ما لنا وللرَّمل ، إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله . ثم قال : شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه ) [رواه البخاري] . وفي رواية : ( فيما الرَّملانُ الآن ، والكشف عن المناكب ، وقد أطَّى الله الإسلام ، ونفى الكفر وأهله ؟ ومع ذلك، لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه] .
وكما تقرر عندهم لزوم السنة، واتباع الأثر، تقرر أيضاً كمال النفرة من البدع، والمحدثات، في وقائع مشهورة، حفظتها دواوين الإسلام؛ كقصة عمر، رضي الله عنه، مع صبيغ بن عُسل، وقطعه لشجرة الحديبية حين رابه أمر من ينتابها من الناس، ويتحرى الصلاة عندها، وكفعل ابن مسعود، رضي الله عنه، مع النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد والنسك، والنفر الذين اتخذوا عريفاً يأمرهم بالذكر بعدد معين، في هيئة خاصة. وغير ذلك .
وتلك قضية بدهية؛ فكيف يسوغ التعبد لله تعالى بغير ما شرع ؟! وكيف يصار إلى أوضاعٍ، وهيئاتٍ محدثة، لم يأت بها الرسول؟! أليس المقصود الأعظم رضا الله، ومحبته ؟ إذاً، فالأمر واضح : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران : 31] ، فأي دعوى لمحبة الله، خلاف هدي رسول الله، فهي دعوى كاذبة، مهما تذرعت بالنوايا الحسنة، وزوقت من الحجج الداحضة. وقد كان السلف يسمون هذه الآية آية المحنة.
وفي هذا السياق البدعي تأتي بدعة المولد النبوي، التي حدثت في قرون متأخرة، مضاهاةً للنصارى في تمجيدهم لميلاد المسيح، عليه السلام، فنفقت في عصور الجهل، وفشت تحت حكم دويلات الرفض، حتى عمت معظم المجتمعات الإسلامية. وصاحب تلك البدعة مظاهر متفاوتة في سلم الابتداع، من تدبيج القصائد، والمدائح، وإنشادها، والغلو في شخصه صلى الله عليه وسلم، وإطرائه الذي نهى عنه بقوله : (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) [رواه البخاري]، حتى قال بعضهم في مدحه، وقد استجره شيطان الغلو :
يا أكرم الخلق ما لي من ألــوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن يوم معادي آخذاً بيـدي *** عفـواً، وإلا فقل: يازلـة القدم
فإن من جودك الدنيـا وضــرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

 
فيا سبحان الله! ماذا أبقى لله؟! وربما صاحب تلك الموالد، فواحش ومنكرات، واختلاط رجال بنساء، وفتن وأهواء، تحت مسمى (محبة النبي) !
هل ساءل هؤلاء أنفسهم سؤالاً بسيطاً : أين الصحابة، والتابعون، وتابعوهم بإحسان عن هذه التسويلات؟ أهم أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، حتى سبقوهم إلى هذه المكرمات؟ أم إنها استزلال من الشيطان، وخداع للنفس المفرطة في جنب الله، بالتشاغل بهذه العبثيات، وهجران السنن المحكمات ؟
إن (العقيدة) الصحيحة، تورث صحة (الاتباع). وإن ما بين (العقيدة) و (الاتباع) كما بين شِقَّي (الشهادة) سواءً بسواء. والله المستعان .


التعليقات ( 0 )