• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

بين التمييز والتميز (4)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فقد أشرت في آخر الحلقة الماضية إلى مسألة نسخ القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى مكة المكرمة ، كما تكرر ذلك في بعض مسائل العبادة ، ففي الحج ، كانت قريش لاتغادر المزدلفة إلا بعد شروق الشمس ، وكانوا يقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأن جعل مغادرة مزدلفة حينما يسفر جداً .
بل إن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قد نهى عن التشبه في مواضع كثيرة ، منها حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : قال : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قلنا : يارسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن؟"[1].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " لاتقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، فقيل : يارسول الله : كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك ؟ "[2] .
قال ابن حجر – رحمه الله - : " قال عياض ( رحمه الله ) : الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر ؛ تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه " [فتح الباري : 13 / 301] .
ولما كان الأمر كذلك ؛ غضب اليهود حتى قالوا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – كما في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - : " ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه " [3].
إن هذا الشعور من اليهود يدل – بلا شك – على كثرة الأمور المشروعة مخالفتهم ، بل لقد جاءت المخالفة في الأوقات والأماكن ، فلاتجوز موافقتهم في أيام أعيادهم ، ولا في مكان من أماكن عبادتهم .
وإذا كان النهي جاء عن المشاركة في المكان والزمان ؛ فلئن يأتي بالنهي بالمشاركة في العمل ، من باب الأولى لأنه أشد وأعظم .
إن مسألة التميز مسألة ضاربة في أعماق التاريخ ، فكل الحضارات والأمم سعت إلى شيء يميزها عن غيرها ، ليضمن لها مكاناً ومكانة بين الأمم بحق أو باطل ، بل وأحياناً بالباطل المؤطر بالقوة فقط !.
وحين ندعو إلى التميز فليس ذلك ضرباً من الرجعية أو التخلف ، كما أنه ليس مزيداً من التشدد والانغلاق ، إننا حين ندعو إلى ذلك ندعو للعودة إلى الأصول النقية الطاهرة ، التي يمكن أن تؤسس لعزة المسلم حيث كان .
في عصرنا هذا تعود جميع الأمم والحضارات لتفتش عن أصولها ، وربما كان كثير منها لا يملك أصولاً يعود عليها ، بل هي سلالات هجينة من هنا أو هناك ، جاءت نتيجة تلفيق بين أكثر من نحلة وملة ، وحضارة وأمة ، وإذا كان أولئك يبحثون عن أصولهم ؛ أوليس الأجدر بالمسلم الذي يملك تراثاً وحضارة ضاربة في أعماق الزمن أن يعود إلى أصله مستمسكاً به ؟!
ربما ظن بعض الناس أن هذا ضعف وانهزام ، بيد أن الملاحظ أن الناس تحترم من كان واثقاً بنفسه حتى لو خالفهم في أمورهم ، لشعورهم أنه يمتلك قوة يدافع بها .
ويبقى أن أشير إلى أن الاعتزاز بالدين أمر يحتاج إلى قدر من الاطلاع والقراءة في المسائل الشرعية ، وقبل ذلك تدبر القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن من يلج هذا المجال ؛ سوف يطلع على عظمة دينه في جوانبه المختلفة ، وهو أمر كفيل بأن يجعل المرء معتزاً بدينه بل داعياً إليه من منطلق الند والقوة ، لا من منطلق الهزيمة والتخاذل .

 

[1] أخرجه البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب : قول النبي صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من كان قبلكم ، برقم : 7320 .
[2] المصدر السابق : رقم : 7319 .
[3] أخرجه مسلم في كتاب الحيض ، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن ، برقم : 302 .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:31 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.