• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

بين التمييز والتميز (3)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :
فلا زال الحديث مستمراً حول السؤال الذي طرح الحلقة الماضية : لم التميز ؟
وكنت قد بدأت الحديث عن هذا الأمر ببعض النقولات عن ابن تيمية – رحمه الله - ، وأتابع في هذه الحلقة ، حيث يقول : : " إن المخالفة في الهدي الظاهر ؛ توجب مباينة ، ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف على الهدى والرضوان "[اقتضاء الصراط المستقيم : 1 / 80 ] .
ومن المعلوم أن هذه المخالفة لاتظهر بوضوح إلا حين يشرب المرء الإيمان في قلبه ، وهنا تحدث المفارقة الظاهرة والمخالفة الباطنة : " إن مشاركتهم في الهدي الظاهر ؛ توجب الاختلاط الظاهر ، حتى يرتفع التميز ظاهراً بين المهديين المرضيين ، وبين المغضوب عليهم والضالين " [المصدر السابق].
والحاصل من الكلام أن أحكام الإسلام تعنى بالظاهر والباطن ، إذ الظاهر صورة عن الباطن ، وعقيدة المرء لابد أن تظهر على لسانه وجوارحه ، وعليه ؛ فإنه حين يحب المرء رجلاً أو فئة أو ملة ؛ فإنه حتماً لا بدّ أن يقتدي بهم في طريقتهم في اللباس ، والكلام وبقية أمور الحياة .
والعكس صحيح ، فإن مفارقتهم بالهدي الباطن ؛ تدل على مفارقتهم في الهدي الظاهر ، لأن من يخالف معتقداً معيناً ؛ لابد أن يخالف كل ما يمت إلى هذا المعتقد بصلة .
وفي مقابل ذلك ؛ فإن من يتشبه بالآخرين فذاك آية زهده بما لديه ، وذلك أن المرء حين يكتفي بما لديه من الخير ؛ فإنه ليس بحاجة إلى ما عند الآخرين ، وتطبيق ذلك في الغذاء ، فإن المرء إذا أخذ حاجته من الطعام ؛ فإنه ليس بحاجة إلى طعام آخر ، بل إنه لو أكل بعد شبعه ؛ فلربما أضره الطعام .
ونظير ذلك في العبادات ، " فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به ، بقدر ما اعتاض عن غيره ، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع ، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ، ويتم دينه ويكمل إسلامه .
ولذا نجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه ؛ تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كرهه ، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها ؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة ، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم ؛ لايبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الاهتمام ، ونظير هذا كثير " [اقتضاء الصراط المستقيم 1 / 483].
إن هذه النظرة الثاقبة من ابن تيمية – رحمه الله – تفسر لجوء كثير من الناس إلى اتباع غير الحق نفسياً ، ناهيك عن التشبه الذي يحدث لمثل هؤلاء المتشبهين بغيرهم من أهل الملل والنحل ، كما تبين في الوقت نفسه فراغ هؤلاء وخواءهم حين لجؤوا إلى التشبه بالآخرين ، وتركوا ما فضلهم الله وخصهم به من رسول وكتاب إلى أقوال البشر وأفعالهم .
إن الله – سبحانه وتعالى – ورسوله – صلى الله عليه وسلم - حين يأمران بأمر أو ينهيان عن آخر ؛ فإن فيه مصلحة للعبد ، لأن أي عمل يعمله المرء لو تجرد عن الموافقة والمخالفة ؛ لم توجد فيه تلك المصلحة أو المفسدة المذكورة آنفاً ، " ولهذا ؛ نحن ننتفع بنفس متابعتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد لا يكون لنا مصلحة ، لما يورث ذلك من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم ، وأن ذلك يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى إلى غير ذلك من الفوائد " [ اقتضاء الصراط المستقيم : 1 / 83 ] .
ومن هنا نعلم مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على منع الأمة من مشابهة غيرها من الأمم ، كيلا تودي بنا هذه المشابهة إلى الموافقة في جميع الأمور ، فكلما ابتعد المرء عن هؤلاء القوم ؛ صار أنقى وأصفى لدينه ، وحصلت المباينة بينه وبينهم ، والعكس صحيح .
ألست ترى معي أن كثرة الاقتراب منهم تورث المشابهة في الأخلاق والصفات ، حتى يصعب عليك التمييز بين الرجلين .
لقد جاءت شعائر الدين – بحمد الله - مستجيبة لذلك ، داعية إلى التميز عن غير المسلمين في كل شيء ، وأول هذه الأمثلة القبلة ، حيث أمر المسلمون بالتوجه إلى الكعبة بعد أن كانوا حيناً من الدهر يتوجهون إلى بيت المقدس " لئلا يكون للناس عليكم حجة " [ البقرة 150 ] ، وقد نقل ابن كثير عن غير واحد من السلف قولهم : لئلا يحتج اليهودعليكم بالموافقة في القبلة ، فيقولون : قد وافقونا في قبلتنا ، فيوشك أن يوافقونا في ديننا ، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة [انظر : تفسير القرآن العظيم : 1 / 201].
وسوف أورد - بمشيئة الله تعالى - نماذج أخرى في الحلقة القادمة .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:11 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.