• ×

د. محمد بن مصطفى السيّد

بين التمييز والتميز (2)

د. محمد بن مصطفى السيّد

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وبعد :
فلم الحديث عن التميز ؟
أسلفت في الحلقة الأولى أن التميز يكون بين المسلم وغيره ، كما يكون بين المسلمين أنفسهم ، كما تقرر – أيضاً - أن العقل الصريح سبب للتمييز بين النافع والضار ، والتمييز سبب للتميز .
والمسلم اليوم وهو يواجه تحديات داخلية وخارجية بحاجة إلى التميز لينهض بأمته ، وبحاجة إلى التميز لكونه صاحب رسالة ، وهو مأمور بإيصالها إلى كل من قدر على إيصالها إليهم .
إن في الأسطر القادمة محاولة لمقاربة هذه المسألة ، ولعل فيها ما يوضح القصد في هذا الجانب .
حين يقرأ المرأ سورة الفاتحة في صلاته سبع عشرة مرة يومياً على الأقل ؛ يمر به قوله تعالى : " إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليه ولا الضالين " ، وهو حين يتأمل الآية ؛ يتساءل مجدداً ماحكمة ذلك ؟ ولم جاء النهي عن التشبه بالآخرين ؟ وأي فائدة يشعر بها المرء المسلم حين يتميز عن غيره ؟ ولم طلب الله تعالى أن نسلك طريقاً سوى طريق المغضوب عليهم والضالين ؟
يبدأ التعامل مع هذا الموضع نفسياً ، وذلك أن التميز بعكس التشبه تماماً ، حيث إن التشبه بالآخرين دليل على الضعف والانهزام أمامهم ، لأن المغلوب مولع بالاقتداء بغالبه ، كما قرره ابن خلدون ، بينما التميز حالة عالية من الثقة بالنفس تجعل المرء يحلق بعيداً عن الآخرين .
والتشبه يتنوع بالزمان والمكان والأحوال ، فلربما يدخل في اللبس ، ولربما يدخل في الكلام ، ولربما يدخل في عمل شيء في وقت معين أو مكان معين ، أو نحو ذلك .
يقول الله تعالى : " كالذين من قبلكم كانوا أشد منك قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا " [التوبة : 69].
اختلف المفسون في الكاف في قوله : " كالذين من قبلكم " ، والاختلاف مبني على محل الكاف من الإعراب ، وحاصل الكلام قولان :
- الكاف تعني التشبه في العمل ، أي أفعال المنافقين ، وهو عطف عليهم لأن الآية السابقة تحدثت عنهم .
- الكاف تعني التشبه في النتيجة ، أي في العذاب الذي يحل بهم .
والظاهر – والله أعلم – أن القولين متلازمان ، فإن التشبه في العمل مؤد إلى التشبه في النتيجة ، فمن يعمل أعمال المنافقين ، ويتشبه بهم ؛ فالنتيجة حلول العذاب به كما حل بهم .
ثم يأتي قوله : " فاستمتعوا بخلاقهم ... " الآية ، والخلاق : " ماجبل عليه الإنسان "[ مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، مادة : ( خلق ) ص : 297] ، وهو أمر مقدور للإنسان حتى أصبح كالمخلوق له .
قال الشوكاني رحمه الله : " أي تمتعو بخلاقهم ، أي نصيبهم الذي قدره الله لهم من ملاذ الدنيا ، والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار ، بسبب مشابهتهم ، لمن قبلهم من الكفار ، في الاستمتاع بما رزقهم الله " [فتح القدير ، الشوكاني : 2 / 379].
قال ابن تيمية رحمه الله : " فقوله سبحانه : " فاستمتعوا بخلاقهم " إشارة إلى اتباع الشهوات ، وهو داء العصاة ، وقوله : " وخضتم كالذي خاضوا " ؛ إشارة إلى اتباع الشبهات ، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات ، وكثيراً ما يجتمعان ، فقلّ من تجد في اعتقاده فساداً إلا وهو يظهر في عمله " [اقتضاء الصراط المستقيم 1 / 104].
وبهذا يظهر أن أولئك القوم استمتعوا بخلاقهم وخاضوا ، وأن هؤلاء القوم تشبهوا بهم ففعلوا مثل فعلهم من الاستمتاع بالخلاق والخوض ، ولاشك أن هذا الخبر مسوق على جهة الذم ، ليحذر كل إنسان من هذا الأمر فلا يفعله .
إن الإشكال المهم في مسألة التشبه ؛ توحد الأحوال أو ما اصطلح على تسميته ابن تيمية -رحمه الله – في غير مكان من كتابه المهم - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم – بالمشاكلة ، وقد ذكر في ممقدمة كتابه أن غايته من تأليف هذا الكتاب مناقشة موضوع التشبه . [مقدمة اقتضاء الصراط المستقيم ، ص : 60]
وتتلخص نظرية ابن تيمية في ذلك بأن " المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال ، وهذا أمر محسوس " [اقتضاء الصراط المستقيم : 1 / 79]، وبالتالي ؛ فإن المرء حين يقلّد الآخرين في لبسهم أو مشيهم أو كلامهم أو طقوسهم ؛ سوف يستحسن عبادتهم أو أعمالهم الأخرى ، وهذا مكمن الخطر .
وللحديث تفاصيل مهمة سوف أتابعها في الحلقة القادمة إن شاء الله .


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:58 صباحًا الأحد 16 رجب 1442 / 28 فبراير 2021.