• ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (10)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

     فهذه الحلقة امتداد لموضوع ( ترسيخ الإيمان وتقويته في ضوء آية الكرسي وما بعدها) وهي تأملات في قوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ونتحدث عن الآية في مسائل :
    
     المسألة الأولى : غرض الآية ومناسبتها للغرض العام للآيات .
     غرض الآية ببيان أثر الإيمان والكفر في الولاية والعاقبة؛ إظهاراً لكمال شأن المؤمنين وحسن عاقبتهم بترقيهم وازديادهم في الخير، وحطاً من شأن الكافرين وسوء عاقبتهم بهبوطهم، وخروجهم من النور إلى الظلمات.
     وإنما ذكر حال الكافرين تحذيراً وتهديداً لهم، وإغراءً للمؤمنين وحضاً على قتال الكافرين، وهو ما تضمنه السياق من أول الآيات، فهي مشابهة لختام آية النفقة بقوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وختام آخر السورة بقوله تعالى: (فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). كأنه قال: فقاتلوهم.
     ومناسبتها للآية قبلها، هي أنه لما عظم شأن التوحيد ورغب بالتمسك به، بيّن عاقبة ذلك وأثره بولاية الله للمؤمنين وترقيهم في الهدى، وبين نقيض ذلك للكافرين. إغراء وترغيباً في الإيمان، وتأكيداً على الثبات عليه، وتنفيراً من ضده.
            
     المسألة الثانية : وجه افتتاح الآية باسم الجلالة، ووجه مخالفة الجملتين في التعبير بتصدير الولي في الأولى، وتأخيره في الثانية.
     افتتاح الآية باسم الجلالة، مناسب للسياق من جهة أنه لما افتتح آية الكرسي باسم الجلالة تعظيماً له وإظهاراً لشأنه تعالى، افتتح هذه الآية به كذلك إظهاراً لأثر الإيمان به وهو كمال قدرته وملكه وعلمه في ولاية المؤمنين وتعظيماً لذلك وتوثيقاً له؛ وهذا وجه في ارتباط الآية بما قبلها.
     ومخالفة الجملتين في التعبير بتصدير ولي المؤمنين في الجملة الأولى بقوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ) ولم يقل (الذين آمنوا وليهم الله)، وتأخير ولي الكافرين في الثانية وتصدير الذين كفروا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ولم يقل (والطاغوت أولياء الذين كفروا) مناسب للسياق من وجهين:
     أولاً: أن في الأولى بياناً بأن الولي وحده تعالى، وإثباتاً لولايته وتحقيقاً لها، وفي الثانية بيان بعدم حصول ولاية الطاغوت حقيقة؛ لأن الطاغوت لا يتولى الذين كفروا حقيقة إذ لا يقدم لهم نفعاً ولا ضراً، بل الذين كفروا هم الذين يتولون الطاغوت كما قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) [الشورى 9]، لذا صدر بذكر الذين كفروا وأخر ذكر الطاغوت، وفي نسبة الولاية للطاغوت مبالغة في التهكم؛ كأنه قال: أولياؤهم سيدخلونهم النار خالدين فيها.
     ثانياً: أن تصدير الولي في الجملة الأولى زيادة في كمال الرعاية والتأنيس والوعد للمؤمنين، وفي ذلك حضٌٌ على الإيمان، وتأخيره في الجملة الثانية زيادة في تحقيره من أن يكون مقابلاً لله تعالى وتيئيساً الكافرين وتحقيراً لهم واستهانة بطاغوتهم، وفي ذلك تنفير وتحذير من تولي الطاغوت[1].
            
     المسألة الثالثة : المراد بقوله تعالى: (يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ) ووجه التعبير بها، ووجه جمع الظلمات وإفراد النور.
     المراد بالظلمات ظلمات الكفر والجهل واتباع الهوى.
     والمراد بالنور، نور الفطرة والبينات والإيمان بدرجاته ومراتبه [2].
     والتعبير بالإخراج للإغراء في الأولى، والتحذير في الثانية. ولا يلزم في الأولى الوقوع في الظلمات؛ بل يفيد أنه سبحانه هو الهادي لهم وحده، كما يفيد أيضاً كمال رعاية الله تعالى للمؤمنين بحفظهم من الظلمات وقطع سبيل الشيطان عليهم. كما قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) [الإسراء:65].
      وعبر بالظلمات؛ لمناسبتها لإعراضهم عن دلائل التوحيد، فكأنهم لتوليهم الطاغوت أصبحوا في ظلمات لا يدركون هذه الدلائل، فخرجوا من النور إلى الظلمات.
     وفيه أيضاَ إشعار بعاقبة الكفر في أنه سبب للظلمات المتراكمة، وللدلالة على سوء حالهم واضطرابهم، وفي ذلك من المبالغة في التنفير والتحذير مالا حد له؛ ولذلك ختم الجملة بقوله تعالى: (أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
     وعبر بالنور؛ للإشعار بنور التوحيد ودلائله، فيه أيضاً إشعار بعاقبة الإيمان في أنه سبب للنور. وللدلالة على حسن حالهم، واطمئنانهم وزيادتهم في الخير؛ لأن النور سبب لمواصلة الخير وباعث عليه، وفي ذلك من الإغراء والترغيب مالا يخفى، وهو غرض الآية.
     وتوحيد النور لأن سبيله واحد، وجمع الظلمات لأن سبلها متفرقة كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ" [الأنعام153]، وفي ذلك ترغيب بالإيمان وتنفير من الكفر ظاهر.
      
     المسألة الرابعة : وجه بيان جزاء الكافرين بقوله تعالى: (أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) دون بيان جزاء المؤمنين.
     بيان جزاء الكافرين دون المؤمنين مناسب من وجهين:
     أولاً: أن في بيان جزاء الكافرين وعيداً وتخويفاً. وإرغاماً على الإيمان.
     ثانياً: أن افتتاح الآية بذكر ولاية الله لهم وتصدير اسمه وتوليه تعالى ولايتهم بنفسه كاف في الإكرام وحصول الابتهاج في نفوس المؤمنين، فتكون الآية مفتتحة بإكرام المؤمنين، ومختتمة بإهانة الكافرين، وهذا مناسب لذكر الفريقين وحالهم[3].

      


     [1] ((البحر المحيط)) (2/619).
     [2] انظر: ((البحر المحيط)) (2/619) ،((روح المعاني)) (2/15).
     [3] ((أنوار التنزيل)) (1/136).


التعليقات ( 0 )