• ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (9)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد :
فهذه الحلقة تابعة لما قبلها في الحديث عن قوله تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }.
وفيها عدة مسائل :
المسألة الأولى : وجه قوله تعالى: "قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، ووجه التعبير بالرشد والغي.
الجملة فيها التصريح بظهور الحجة والبرهان على كمال بيان الدين، وهي تعليل لما قبلها، وفيها إغراء ودعوة إلى التبصر بالأدلة والإيمان بها، وتحذير وتنفير من الاستكبار عنها والكفر بها.
قال أبو حيان: "وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين؛ لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعاً من غير إكراه"[1].
والتعبير بالرشد والغي للدلالة على سبب الإيمان والكفر، فسبب الإيمان هو الرشد الذي هو سداد الرأي، وسبب الكفر هو الغي الذي هو الجهل والسفه، وفي ذلك إغراء ودعوة إلى الإيمان، وتحذير وتنفير من الكفر.
المسألة الثانية : وجه قوله تعالى: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ" ومناسبتها للسياق، ووجه التعبير بالطاغوت، وتقديم الكفر بالطاغوت.
الجملة فيها إغراء ودعوة للكفر بالطاغوت، والإيمان بالله بعد الإغراء بالتصبر في الأدلة والتحذير من الاستكبار عنها؛ ولهذا قدم الكفر بالطاغوت إغراءاً وتهييجاً، وعبر بالطاغوت تعظيماً للكفر تنفيراً وتحذيراً منه،وإغراء بتركه.
والجملة على هذا مترتبة متفرعة على ما قبلها [2]؛ كأنه قال: فمن يكن راشداً فليكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله.
المسألة الثالثة : وجه قوله تعالى: "فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ" ووجه التعبير والتشبيه بالعروة الوثقى.
الجملة فيها الدلالة على أثر الإيمان والتمسك بوثاق التوحيد الذي تضمنته آية الكرسي. وهو إشعار بضمان الأمن والسلامة والنجاة في الدارين؛ ولهذا عبر بالفعل الماضي المقرون بقد للدلالة على التحقق، وهو متضمن للمستقبل في المعنى [3].
وعبر بالوثقى، مبالغة من الثقة بشدة ضمانها، ثم بيّن وثاقتها بأنها "لاَ انفِصَامَ لَهَا". أي: لانقطاع لها، ولا انكسار لها، ولا انحلال لها أصلاً [4].
قال معاذ بن جبل: ("لاَ انفِصَامَ لَهَا" لا انقطاع لها دون دخول الجنة)[5].
وإنما شبه الإيمان ودلائل التوحيد بالعروة الوثقى لوجهين:
أولاً: الدلالة على ضمان أثر التوحيد في حفظ الإنسان مادام الإنسان عليه باقياً، وضمان هلاكه إن تركه، وفي هذا بعث على الثبات عليه والتمسك والاعتصام به؛ لأن العروة تشد الإنسان مادام مستمسكاً بها فإذا ما أطلقها فقد سقط وتعرض للهلاك؛ ولهذا فسر مجاهد وسعيد بن جبير الآية بقول: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد11] [6].
قال السعدي: "مفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله بل كفر به وآمن بالطاغوت فإنه هالك هلاكاً أبدياً، ومعذب عذاباً سرمدياً" [7].
ثانياً: أن التعبير بذلك له أثر ظاهر في إبراز المعنى المقصود وإحكامه في النفس.
قال صاحب الكشاف: "هذا تمثيل للمعلوم بالنظر، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به"[8].
وفي هذا دلالة على أهمية التمثيل بالمشاهد وأثره.
المسألة الرابعة: وجه ختم الآية بقوله تعالى: "وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".
ختم الآية بالوصفين المذكورين مناسب للسياق من جهة أنه لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان، و يعتقده الجنان، حسن في الصفات "سَمِيعٌ" للدلالة على النطق. و"عَلِيمٌ" للدلالة على المعتقد [9]، وفيه تعريض بالوعد والوعيد.

 


[1] ((البحر المحيط)) (2/616).
[2] انظر: ((التحرير والتنوير)) (3/28).
[3] انظر: ((البحر المحيط)) (2/617).
[4] انظر: ((البحر المحيط)) (2/617) ، ((نظم الدرر) (3/43) ، ((التحرير والتنوير)) (2/29).
[5] انظر: ((تفسير القرآن العظيم)) (1/684).
[6] انظر: ((جامع البيان)) (3/21).
[7] ((تيسير الكريم الرحمن)) (1/188).
[8] ((الكشاف)) (1/304).
[9] انظر: ((المحرر الوجيز)) (1/344).


التعليقات ( 0 )