د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (8)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فهذه الحلقة وقفة مع قوله تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
 وحديثي عن هذه الآية سيدور حول مسألتين :
المسألة الأولى : غرض الآية ومناسبتها للغرض العام للآيات .
الآية في بيان كمال الدين، بكمال براهينه ودلائله، ووضوح آياته بما لا يحتاج إلى الإكراه عليه، وهذا الغرض متضمن الدعوة للإسلام بعد بيان دلائل التوحيد كما دل عليه ورود الآية بعد آية الكرسي.
قال السعدي:"هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينه، واتضاح آياته، وكونه دين العقل والعلم ودين الفطرة والحكمة.. لايحتاج إلى الإكراه عليه"[1].
وقد ورد ما يدل على هذا الغرض في سبب نزول هذه الآية، وهو ما أخرجه أبو داود والنسائي،والطبري وأحمد وصححه ابن حبان وأخرجه الواحدي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يارسول الله، أبناؤنا، فأنزل الله (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، قال سعيد بن جبير: (فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام) [2].
ومناسبة هذه الآية للغرض العام أنه لما بيّن دلائل التوحيد والتعظيم لله تعالى في آية الكرسي، قال: (لا إكراه في الدين، فقد تبين الرشد من الغي)، بهذا البيان الكافي. فينبغي للعاقل أن يدخل فيه برغبته لا بالإكراه عليه؛ ولهذا قال بعدها (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). فكأن الآية فيها دعوة للكفار إلى الإسلام بالإقناع، ولهذا قدم الكفر بالطاغوت، وهذا مناسب لحال الكافرين وأهل الكتاب.
قال ابن عاشور: "وتعقيب آية الكرسي بهذه الآية بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه"[3].
المسألة الثانية : قواعد مهمة من الآية :
هذه الآية تتضمن قواعد عظيمة منها:
أولاً: أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام، وهذه القاعدة يدل عليها سبب النزول.
قال صاحب المنار:"قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه ولا يسمح لأحد أن يكره أحداً من أهله على الخروج منه"[4].
ثانياً: أن المنهج الصحيح في الدعوة ابتداءً بيان دلائل التوحيد وفضائل الإسلام وخصائصه ومميزاته، مع عدم الإكراه عليه، والدعوة بالإقناع. أي مخاطبة العقول والفطر؛ لأن الدين موافق للفطرة والعقل السليم [5].
ثالثاً: أن قضية العقيدة خاصة قضية لا تحتاج إلى إكراه أو جبر عليها؛ بل لابد من بيان الدلائل والبراهين العقلية والشرعية عليها؛ لأنها قضية إيمانية تتعلق بالقلب، فإذا لم يقتنع الإنسان بها فلا فائدة من قسره عليها، وهذا بخلاف الشعائر الظاهرة كالصلاة والزكاة، فالإكراه عليها مشروع؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) [6]، والضرب فيه إكراه.
وسيكون لنا متابعة للآية في حلقة أخرى بإذن الله تعالى .

 


[1] ((تيسير الكريم الرحمن)) (1/187).
[2] انظر: ((جامع البيان)) (3/15) ، ((أسباب النزول للواحدي)) (ص200).
[3] ((التحرير والتنوير)) (3/25).
[4] ((تفسير المنار)) (3/39).
[5] وهذا المنهج، وهو المنهج التربوي الناجح في التربية والتعليم والدعوة؛ لأن التربية والتعليم بالقسر، يولد ردة فعل مضادة تبعث على الكراهية وعدم القبول، بل إن ذلك يبعث على النفاق، وهو الإيمان الظاهر مع عدم الاقتناع.
[6] رواه أبو داود 1/334 برقم 495 والترمذي2/259 برقم 407وأحمد 2/187وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 5868


التعليقات ( 0 )