• ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (7)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
وقفة مع قول الله تعالى {ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
فهذه هي الحلقة السابعة من حلقات موضوع ( قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها ) وهي وقفة مع قوله تعالى : {ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم} . ونعرض لها في مسألتين :
المسألة الأولى : وجه قوله تعالى: (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) ومناسبتها لغرض الآية .
الجملة بيان لكمال قدرته في حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، مع كمال عنايته بهما، وفيه تعظيم لقدره تعالى وقدرته، وهو يبعث على تعظيم العبد له سبحانه، وكمال الاعتماد عليه تعالى واللجوء إليه في طلب العون والحفظ والتأييد ، وهذا هو غرض الآية .
قال شيخ الإسلام: "هذا النفي تضمن كمال قدرته، فإنه مع حفظه للسموات والأرض لايثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف، وهذا كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) [مجموع الفتاوى (3/485)] .
 
المسألة الثانية : وجه ختام الآية بقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وختام الآية بهذين الوصفين، للدلالة على حيازته المرتبة العليا، والقدر الأكمل والوصف الأتم في العلو والعظمة في الذات والصفات والأفعال جل في علاه.
ووجه الإتيان بوصف العلي مع العظيم مع أن الآية مرتكزة على تعظيمه تعالى للدلالة على أن من هذا شأنه في العظمة فهو المستحق للعلو المطلق؛ لأن من عظم في ذاته وصفاته فهو المستحق للعلو المطلق على الموجودات والمخلوقات.
فكأنه قيل: إذا كان هذا شأنه في كونه الإله الواحد الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وله الملك كله، والعلم كله، والقدرة كلها، فله المكان الأسمى والمقام الأسنى ذاتاً وقدراً؛ ولهذا قال (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ولم يقل (وهو علي عظيم) فكان بذلك مستحقاً كمال العلو المطلق والعظمة الجامعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واسمه (العلي) يفسر بهذين المعنيين؛ يفسر بأنه أعلى من غيره قدراً، فهو أحق بصفات الكمال، ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر والغلبة... وكلاهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء، فلا شيء فوقه" [مجموع الفتاوى (3/447)].
فكان هذان الوصفان هما الوصف الأكمل في تعظيم الرب تعالى، ولهذا جمعا في الصلاة، وشرعا تعظيماً وإجلالاً وخضوعاً للرب تعالى، فشرع قوله ((سبحان ربي العظيم)) في الركوع تعظيماً، وشرع ((سبحان ربي الأعلى)) في السجود إجلالاً وخضوعاً.
قال السعدي: "هو العلي بذاته على جميع مخلوقاته، وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات.. العظيم الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت عن الصفة فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم، فآية احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني يحق أن تكون أعظم آية" [تيسير الكريم الرحمن (1/187)].
ختم الآية بوصف العظيم، ليكون شاملاً لجميع ما جاء في الآية من أوصاف تقريراً وإثباتاً وختماً، وهذا هو الدليل الظاهر على غرض الآية من أنها في تعظيم الرب تعالى ذاتاً ووصفاً.
قال ابن عباس في بيان معنى العظيم: (الذي كمل في عظمته) [انظر: جامع البيان (3/14)].
وهذا الختام مناسب للغرض من جهة أنه يبعث على كمال التعظيم الحق لله تعالى، والخضوع له والعبودية المطلقة، وذلك يدعو العبد إلى كمال توجهه إلى الله تعالى في طلب العون والنصرة ودفع الشرور كلها [في ظلال القرآن (1/290)] .


التعليقات ( 0 )