• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والخشوع

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
يتمنى كل مؤمن أن يتذوق طعم الصلاة، وينفذ من صورتها الظاهرة إلى لبِّها وحقيقتها الباطنة، ويتنعَّم ببهجة العبادة، ولذة المناجاة، التي يجدها الصالحون، ويعبرون عنها بعبارات جذابة، ويجنون منها ثمرات يانعة .
إنه (الخشوع) ! تلكم الحالة الإيمانية الكريمة، الجليلة، التي يرتقي فيها (العبد) إلى ما ينبغي له من (العبودية)؛ خضوع، وإخبات، وافتقار، ودعاء، وحمد، واطراح بين يدي إلهه ، ومعبوده، ومفزعه في الخوف، والرجاء، ومهوى فؤاده، ومحبوبه .
يتألم كثير من المسلمين من حالة (القسوة)، و (التصحر القلبي)، و(الجفاف الدمعي)، عند الاصطفاف للصلاة، وحين سماع المواعظ، وعند شهود الجنائز . يستدعي قلبه، فما من مجيب، ويستمطر عينه، فما من مغيث ! ثم يطفق يسائل الغادي والرائح ما السبيل ؟
ليست العبرة بتكيفٍ عاطفي، وافتعال نفسي، يتخشَّع صاحبه خشوعاً ظاهراً، فلربما أصغى أحدنا إلى مرثية الخنساء لأخيها صخر، أو بكاء ابن الرومي لفقد واسطة العقد من ولده، فاستدر الموقف دموعه، ورقَّ قلبه . لكن الشأن في الباعث الحقيقي لهذه العبادة.
إن بين (الخشوع) و (العقيدة) علاقة حميمة . الخشوع ثمرة العقيدة الحقة، الحية، اليقظة. إن ما يقوم بالقلب من معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، معرفةً نابعة من تدبر كتاب الله المفتوح (الكون)، وكتاب الله المتلو (القرآن)، يورث (خشيةً) و (خشوعاً) حقيقيين . ولما كان أسعد الناس بهذا العلم (العلماء الربانيون)، كان نصيبهم من الخشوع أوفر؛ قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فاطر:28، وكان أثر كلامه عليهم مباشراً، يستدعي القول والعمل. قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا.وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) الإسراء: 107-109
وربما تباكى متباكٍ، أو تورَّع متورع، أو تخشَّع متخشع في جِلسته، أو مِشيته، أو تلاوته، أو موعظته، لسبب سائغٍ، أو غير سائغ، لكن العبرة بمخزون القلب . وحين تحرَّج الصحابة، رضوان الله عليهم، أن يفسخوا حجهم إلى عمرة، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتأكيده، وترددوا في ذلك، نبههم على هذا المعنى العميق، وقام فيهم خطيباً، فقال : (قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ فَحِلُّوا) رواه مسلم .
ولمَّا ظن بعضهم أنه ربما ترخَّص بسبب منزلته عند ربه، وغفران ذنوبه، بيّن له أن ذلك لا ينقص تقواه، وقرن بين العلم والخشية . فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِ، وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَصُومُ) فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ : (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي) رواه مسلم .
إن قيام هذه المعارف، والمعاني في القلب، حال الصلاة، يكسب الإنسان وعياً، وإدراكاً، لما يقول؛ من تلاوة، وذكر، ودعاء، وما يفعل؛ من ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، فيجد ما يصبو إليه من (ذوق الصلاة) و (لذة المناجاة) ، ويحصل له الفلاح الموعود بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) المؤمنون :1-2 وتأنس روحه بهذه البهجة الإيمانية، والرضا، والحبور، فتستحيل إلى مزاج، وسجية، يصبغ حياته كلها بالخشوع لرب العالمين، في جميع تقلباته، وتصرفاته؛ قال تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا.وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا.إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان :64- 67 . وبالله التوفيق .


التعليقات ( 0 )