• ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (4)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحلقة الرابعة : تأملات في قوله تعالى { لا تأخذه سنة ولا نوم له مافي السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
المسألة الأولى : المراد بقوله تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) ووجه مناسبتها للغرض العام .
الجملة واردة في تنزيه الله تعالى عن صفات النقص، تقريراً وتأكيداً لكمال حياته وقيوميته.
قال صاحب المنار: الجملة تأكيد لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أكمل وجه)[1].
ونفي هذين الوصفين خاصة مناسب لغرض الآية من جهة أن في نفيهما إثباتاً لكمال عظمته، وكمال قيوميته وحفظه لمخلوقاته، وعدم فتوره أو غفلته تعالى عنهم، وهذا باعث لكمال تعظيمه والاعتماد عليه، وطلب عونه في كل وقت وفي أي حال.
وقد دلت السنة على مادلت عليه الجملة صريحا مفصلاً كما جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام))[2].
 
 المسألة الثانية : وجه قوله تعالى: ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) ومناسبتها للغرض العام للآية .
الجملة في إثبات كمال ملكه وتصرفه تعالى، ولذلك أتى بالاسم الموصول المفيد للعموم، وكرره[3].
قال ابن كثير: )قوله تعالى: ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) إخبار بأن الجميع عباده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه)[4].
ومناسبة الجملة لغرض الآية ظاهرة من جهة أنها دالة على عظمته بكمال ملكه، وذلك باعث على تعظيمه، مستوجب للزوم الاعتماد وطلب العون منه تعالى وحده؛ لأنه إذا كان له ما في السموات والأرض، فمن ذا الذي ينفعهم غيره إلا بإذنه؛ ولهذا قال بعدها (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ).
 
المسألة الثالثة : وجه قوله تعالى: ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ). ومناسبتها لغرض الآية ، ووجه تخصيص الشفاعة، والتعبير بقوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِي)، وفائدة الاستثناء.
الجملة تقرير لكمال ملكه ببيان كمال خضوع الخلق كلهم له، وعدم تصرفهم إلا بإذنه. وإذا كان له ما في السموات وما في الأرض فبيده النفع كله والضر كله، وليس بيد أحدهم نفع ولا ضر، ولا شفاعة ولا إدلاء إلا بإذنه، كما قال تعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الزمر 44] [5].
ومناسبة الجملة لغرض الآية ظاهرة من جهة أنها مستلزمة تعظيمه تعالى، وكمال الاعتماد عليه، وطلب العون منه وحده، وعدم اللجوء لغيره في طلب النفع والضر إلا إذنه؛ لأن له الشفاعة كلها، وله من في السموات ومن في الأرض.
والتعبير بقوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِي) فيها رد وإبطال وتقبيح وتعظيم لما زعمه المشركون وأهل الكتاب من شفاعة أوليائهم وشركائهم عنده؛ وذلك لأن الاستفهام دال على النفي والتقريع والتوبيخ لمن يزعم أن أحداً يقدر على ذلك بغير إذنه[6]. وأيضاً فإن (ذا) مزيدة للتأكيد إذ ليس ثم مشار إليه معين [7].
 
المسألة الرابعة : وجه تخصيص الشفاعة، ووجه حصرها بإذنه تعالى، ودلالة ذلك.
تخصيص الشفاعة دون عموم النفع والضر مناسب للسياق من وجهين:
أولاً: أن تخصيصها دال على كمال نفي عموم التصرف والنفع والضر، فضلاً عن نفي المعاندة أو المناصبة له تعالى [8].
ثانياً: أن تخصيصها دال على تفرده بالملك ولزوم الاعتماد عليه واللجوء إليه، وذلك لأن الشفاعة العظمى التي لا غنى للخلق عنها إنما هي في يوم القيامة، وهو يوم لا ينفع فيه بيع ولا خلة ولا شفاعة إلا بإذنه إذْ الملك فيه له وحده؛ فكأن ذلك إثبات وتأكيد على كمال تصرفه في الخلق، وكمال نفي تصرفهم بغير إذنه. ودلالتها على ذلك كدلالة كقوله تعالى: في سورة الفاتحة ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) [الفاتحة4] على كمال ملكه تعالى وتفرده. وهذا المعنى باعث على لزوم اللجوء إليه وحده وطلب العون منه والاعتماد عليه دون سواه. وهو ما تضمنه السياق.
أما حصرها بإذنه تعالى دون تحديد الشفعاء فمناسب من وجوه:
أولاً: أن الغرض بيان كمال تفرده بالملك والتصرف، ولو قال (لا يشفع عنده إلا من آمن) لما دل على كمال ملكه، وذلك لأن الإذن هو علامة كمال التصرف والتفرد.
ثانياً: أن في ذلك قطعاً لأمل الزاعمين الشفاعة لأنفسهم بآلهتهم أو زعمهم القربى من الله من المشركين وأهل الكتاب؛ لأنه لا شفاعة إلا بإذنه ولا يأذن إلا لمن ارتضى[9].
ثالثاً: أن في حصرها بإذنه وعدم التصريح بالشفعاء بعثاً للنفوس إلى السعي لتحقيق سبب نيل الشفاعة عنده، وهو تحقيق توحيده والإخلاص له تعالى، كما دل على ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أن أبا هريرة قال له: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)) [10]
وفي الآية إشعار بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم ومقامه في الشفاعة؛ لأن شفاعته من خصوصياته وهي مما فضل بها على الأنبياء، ويؤيد ذلك ورود الآية بعد بيان التفاضل بين الأنبياء وإشارة لرفع درجته عليهم، كما يؤيده أن الآية السابقة تضمنت تفضيله تعريضاً لا تصريحاً.
قال ابن عطية: وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهنا هم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نُص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم)[11].
كما أن فيها تعريضاً بفضيلة المؤمنين وتأنيساً لهم؛ لأنهم أهل التوحيد والإخلاص المستحقين لنيل الشفاعة، وتحذيراً لهم من أن يلتفتوا لغيره تعالى في طلب العون، والاعتماد [12].

 
[1] ((تفسير المنار)) (3/30).
[2] أخرجه مسلم1/161 برقم 179 وابن ماجه 1/70 برقم 195
[3] انظر: ((البحر المحيط)) (2/610).
[4] ((تفسير القرآن العظيم)) (1/679).
[5] ((التحرير والتنوير)) (3/20).
[6] انظر: ((مفاتيح الغيب)) (7/10).((فتح القدير للشوكاني)) (1/411).
[7] انظر: ((التحرير والتنوير)) (3/21).
[8] انظر: ((أنوار التنزيل)) (1/135).
[9] ((تفسير المنار)) (3/31).
[10] أخرجه البخاري 1/49 برقم 99
[11] ((المحرر الوجيز)) (1/341).
[12] ((تفسير المنار)) (3/34).


التعليقات ( 0 )