• ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (3)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  991
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحلقة الثالثة : تأملات في قوله تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)  

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

فقوله تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) هذه الجملة من الآية تتضمن مسائل تؤكد الغرض الذي تضمنته آية الكرسي وما بعدها وهو تقرير التوحيد وبيان عظمة الخالق وكمال وصفه تعالى، إعداداً وعدة للمؤمنين .  

المسألة الأولى: وجه افتتاحها باسم الجلالة مناسبته للغرض .

 افتتاح الآية باسم الجلالة لكون السورة مبنية على تعظيم الله تعالى وإظهار كمال صفاته، وهذا مناسب لغرض الآية من جهة أن في افتتاح الآية بهذا الاسم تربية للمهابة والتعظيم لله في النفوس، وشدها إليه تعالى بالاعتماد والالتجاء والتعظيم والتوحيد.

المسألة الثانية: المراد بالحي القيوم، ووجه تخصيصهما، ومناسبتهما للسياق.

الحي صفة دالة على كمال حياته تعالى ودوامها فهو الحي الذي لا يموت [1]، فكانت هذه الصفة كما قال ابن القيم: "هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه"[2].

قال السعدي: "الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية"[3].

والقيوم صفة دالة على قيامه تعالى على كل شيء؛ لأن القيوم مبالغة في القيام المستعمل في تدبير شؤون الناس[4].

قال الراغب: "القيوم، أي القائم الحافظ على كل شيء؛ والمعطي له مابه قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه 50] وفي قوله: "أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ" [الرعد53][5].

وهذا المعنى هو الذي فسره به السلف:

قال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء، وقال الربيع: قيم على كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه [6].

فثبت أن القيوم بمعنى القائم بجميع الموجودات، فهو الذي أوجدها وأبقاها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ" [الروم 25]، وقوله تعالى: قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ) [آل عمران 18] [7].

والذي يشهد لهذا المعنى أن هذا الوصف عطف على الحي فكان وصفه بالحي دالاً على قيامه بذاته تعالى لكمال حياته، ووصفه بالقيوم دالاً على قيامه على مخلوقاته؛ ولهذا عبّر بالقيوم دون القائم، ويؤيده السياق من جهة أن الآية واردة في بيان عظمته وكمال رعايته وحفظه لعباده.

وتخصيصهما ومناسبتهما لغرض الآية ظاهرة من جهة أنهما دالان على كماله تعالى بنفسه، وكمال قيامه بشؤون الخلق وحاجاتهم، وذلك باعث على كمال تعظيمه تعالى ولزوم كمال الاعتماد عليه وحده، وطلب العون منه، وهذا يجعل المسلم يلجأ إلى ربه في كل أمره، لا يطلب من غيره حاجة هي من شئونه سبحانه؛ خاصة في أوقات الشدائد التي لا مخلِّص منها إلا الله تعالى.

وقد جاء في السنة ما يشهد لهذا الغرض، وهذا المعنى، وهو ما أخرجه الحاكم عن علي بن أبي طالب قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال؛ ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل فجئت فأجده وهو ساجد يقول: يا حي يا قيوم لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثم ذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، فلم يزل يقول ذلك حتى فتح الله عليه قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و ليس في إسناده مذكور بجرح[8].

 

المسألة الثالثة: وجه كونهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي به تعالى أجاب.

وردت عدة أحاديث تدل على أنهما الاسم الأعظم، وأن لهما شأناً عظيماً في إجابة الدعاء منها:

ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) و (ألم * الله لا إله إلا هو الحق القيوم) إن فيهما اسم الله الأعظم [9]

وما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة يرفعه قال صلى الله عليه وسلم: (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه قال القاسم : فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم [10].

وكونهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي به تعالى أجاب ظاهر من وجوه:

أولاً: أن الحي دال على كمال حياته المستلزمة لجميع صفاته، فهو متضمن لصفاته الذاتية كلها، والقيوم دال على كمال قيامه بشؤون الخلق كلهم، وهو متضمن لصفاته الفعلية كلها، فثبت بذلك أن الاسمين متضمنان لكماله المطلق في ذاته وصفاته، وبذلك كانا بمجموعهما الاسم الأعظم.

قال السعدي: "(الحي) الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة، وغيرها من الصفات الذاتية، و (القيوم) تدخل فيه جميع صفات الأفعال"[11].

ثانياً: أنهما دالان على كمال استغنائه تعالى عن الخلق بحياته الكاملة، وكمال حاجة الخلق إليه تعالى في جميع شؤون حياتهم كلها من الخلق والتدبير، فكانا بذلك مستحقين للاسم الأعظم، وهو وجه كونهما سبباً لإجابة الدعاء.

ثالثاً:  أن هذين الاسمين دالان على جميع العلم الإلهي؛ ولذلك كان الدعاء بهما مستجاباً؛ لأن العالم بكل شيء هو القادر على الاستجابة بعلمه وقدرته[12].

 


 

[1] انظر: جامع البيان 3/7.

[2] الصواعق المرسلة 4/ 1371.

[3] تيسير الكريم الرحمن 1/186.

[4] انظر: التحرير والتنوير 2/18.

[5] مفردات ألفاظ القرآن ص691.

[6] انظر: جامع البيان 3/7.

[7] انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/678 ، تيسير الكريم الرحمن 1/186.

[8] رواه الحاكم في المستدرك 1/344 برقم 809.

[9] رواه أبو داود 1/470برقم 1496 والترمذي 5/517 برقم 3478 وابن ماجة 2/1267برقم 3855 وأحمد 6/416 وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم 2764

[10] رواه أبو داود 1/470 برقم 1496 والترمذي 5/517 برقم 3478 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 979

[11] تيسير الكريم الرحممن 1/186.

[12] مفاتيح الغيب 7/6.



التعليقات ( 0 )