قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (1) - العقيدة والحياة

  • ×

د. محمد بن عبد الله الربيعة

قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (1)

د. محمد بن عبد الله الربيعة

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحلقة الأولى ( وقفة مع الغرض العام للآيات)

 

لو تأملنا واقع الأمة لرأينا أن أعظم ماتحتاجه اليوم هو قوة التوحيد والإيمان الذي يبعث على التمسك والاعتزاز الصادق بالإسلام وبشعائره ، وإن أعظم ماهو سبيل لمعالجة هذا المرض في الأمة ، هو الرجوع إلى كتاب الله تعالى ، فهو الشفاء الكافي في صلاح الأمة وتقويمها كما قال تعالى (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء : 9].

ومن هنا كان لي أن أشارك – بما يسر الله تعالى - في معالجة هذه القضية من خلال تأمل ونظر للمنهج القرآني الكريم، وسأخصص الحديث عن هذا الأمة في دراسة موضوعية لآيات عظيمة من كتاب الله تعالى وهي آية الكرسي وما بعدها ، وهي آيات من سورة البقرة التي تضمنت غرضاَ عظيماَ تجلى في آياتها وموضوعاتها ، ألا وهو إعداد الأمة لحمل أمانة الدين ونشره ، وبناء شريعتها وتكميلها  ، ولذلك اشتملت السورة على تقرير أصول العلم وقواعد  الدين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ،  وقد وفقني الله تعالى للعيش مع هذه السورة طوال خمس سنوات في بحث رسالة الدكتوراه ، فرأيت أن أقتطف منها جزاءَ مهما يتعلق بالعقيدة ، لأشارك في هذا الموقع المبارك الذي يحمل هم العقيدة وبنائها في الحياة وتصحيح مسارها  ، وسأجعل هذه الدراسة في حلقات متتابعة بإذن الله .

الحلقة الأولى هي : وقفة مع الغرض العام للآيات

تأملت في  آية الكرسي وما بعدها وورودها في سياق سورة البقرة فتبين لي - بتوفيق الله - أن غرض هذه الآيات وارد في بناء وترسيخ اليقين بالله تعالى والاعتماد عليه، إعداداً وتهيئة للمؤمنين لحمل الأمانة العظمى أمانة الدين، وإقامته بالجهاد والدعوة .

فهي بإجمال تمثل ( تقوية الإيمان لحمل أمانة الدين وتبليغه ).

وقد تضمنت الآيات أعظم أسلوب في ترسيخ هذه القوة، وبناء هذه العدة الإيمانية من عدة وجوه:

أولاً: افتتاحها بآية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله، لما تضمنته من المعاني العظيمة، التي تملأ القلب يقيناً وإيماناً.

ثانياً: الاستئناف بذكر لفظ الجلالة الذي هو أعظم أسماء الله تعالى، وهو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، علواً وعظمة، لزرع المهابة والتعظيم في النفوس، ولبعث النفوس على الإقبال إليه إقبالاً كلياً.

ثالثاً: ذكر أعظم الأوصاف الباعثة لذلك، وهي كمال الألوهية، والحياة والقيومية، والملك والعلم والإرادة والقدرة، والعلو والعظمة.

رابعاً: إظهار عظمة الله تعالى بإبراز عظمة كرسيه الذي وسع السموات والأرض، لتمتلئ القلوب تعظيماً وإجلالاً لله تعالى، ولذلك سميت الآية به .

خامساً: التصريح بما يفيد القوة والتمكن في الإيمان واليقين بعد ذلك بقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ).

سادساً: التصريح بولاية الله للمؤمنين في قوله (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) .

سابعاً: ضرب الأمثلة الواقعية على كمال قدرته تعالى في الحياة والموت والتصرف في الكون. وكمال ولايته لأوليائه في قصة إبراهيم مع النمرود ، وقصة الذي مر على القرية.

ثامناً: ختام الآيات بقصة إبراهيم ، التي تجلى فيها عظمة القدرة والولاية، وظهر فيها مثال القدوة والأسوة في كمال الإيمان واليقين؛ عبرة للمؤمنين، ولذلك صرح فيها بالغرض المقصود في قوله تعالى: قَالَ (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).

كل هذه الوجوه دالة صراحة على الغرض في الآيات الذي هو بناء وترسيخ القوة  الإيمانية للمؤمنين لحمل الأمانة العظمى، أمانة الدين ونشره في الأرض ، وهذا ظاهر المناسبة لسياق السورة العام الذي هو إعداد المؤمنين لحمل أمانة الدين، وبناء نظام الشريعة وتكميلها.

وسأفصل القول في دراسة تحليلية للآيات في حلقات قادمة بإذن الله ليتجلى لنا هذا الغرض العظيم فيها .



التعليقات ( 0 )