• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والمتغيرات الكونية

د. أحمد القاضي

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فلم يزل المسرح الكوني مظهراً لقدرة الله البالغة، ومشيئته النافذة؛ فالخلق خلقه، والأمر أمره، وهو فعال لما يريد، كما أنه حكيم في قضائه وقدره . وقد ركَّب الله الكون على سنن بديعة، ونواميس محكمة، بها يحصل انتظام العيش، وصلاح أمر الناس . إلا إنه، سبحانه وبحمده، لحكمة بالغة، ومصالح غائية، يغير هذه الوتيرة المنتظمة بما يجريه من حوادث أرضية، أو سماوية، أو شخصية، خلاف الطبيعة الأصلية، فتقع الزلازل، والبراكين، والفيضانات، والانهيارات في الأرض، ويقع الكسوف، والخسوف، والأعاصير، وترامي الشهب في السماء، وتقع الأمراض، والأوبئة، المتنوعة في الأبدان .

وقد لف نصف الكرة الأرضية ليلة الخميس الماضي كسوف للقمر، شوهد في بعض المناطق كلياً، وفي بعضها بصورة جزئية، واحتفى الفلكيون بهذا الحدث، ودعو الناس إلى (الاستمتاع) بهذا المشهد الكوني، و(الظاهرة الطبيعية) !

فهل كان ذلك حدثاً طبيعياً، وهل كان مناسبة للاستمتاع ؟

إن الحس العقدي يقول غير ذلك؛ فكسوف القمر، وخسوف الشمس حدثان متكرران، يقعان بين الفينة والفينة في النظام الشمسي . وقد جرى ذلك في أواخر العهد النبوي، فكانت وصفها، ووقعها، والتعاطي معها كالتالي :

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : (خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) متفق عليه .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ. فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ. وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ) وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ، يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم.ُ فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ ) صحيح البخاري : 4 / 190

وفي رواية : (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ! قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) صحيح البخاري - (ج 4 / ص 173)

إن الهدي النبوي، والانفعال العقدي تجاه هذه الظاهرة يدل على الأمور التالية :

أحدها : هذه التغيرات الكونية ليست (ظاهرة طبيعية) كم هو التعبير الإعلامي السائد، الذي يفقد الحدث أهميته، ويسلبه تأثيرة . إنه حدث خلاف العادة الطبيعية، ! إنه خرق للنواميس الراتبة، والسنن الكونية الجارية ! وبالتالي ينشئ في النفس المؤمنة المرهفة تحسساً لما وراءه، وخوفاً من عواقبه . ولهذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه، في فزعٍ حقيقي، حتى خشي أنها الساعة، وذهل لشدة خوفه البشري عن عدم وقوع أماراتها، وأمر منادياً أن يقول : (الصلاة جامعة ) حتى ثاب إليه الناس في تظاهرة إيمانية مشهودة . فأين هذا من دعاوى التأنيس والاستمتاع ؟!

الثاني : أنه جرى بتقدير مرسوم، ولحكمة خاصة ! ليس خبط عشواء، ولا عري من الحكمة . بل هو تحديداً (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) متفق عليه، كما أنه بريء من الظنون الجاهلية الخرافية : (لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ) . بل هما تخويف من الرب الحكيم القدير لعباده من عذابٍ قد انعقدت أسبابه .

الثالث : أن ثمرة هذا الإجراء الكوني أن يستيقظ الناس من غفلتهم، ويراجعوا ربهم، ويصلحوا شأنهم، ويتبوا من أنواع المظالم القاصرة، والمتعدية، للنفس، والمخلوقين، كالزنا، وسوء العشرة الزوجية .

ويبقى سؤال يتلجلج في نفوس بعض المسلمين، ويتبجح به بعض السفهاء والمحجوبين:

كيف يكون للكسوف والخسوف هذه المعاني، وقد بات معلوماً، مرصوداً، تتداوله وسائل الإعلام، ويعين الفلكيون ابتداءه، وانتهاءه، ومواطن رؤيته، ولعقود قادمة ؟

وهذا سؤال ناشئ عن جهل بالحكمة والتقدير؛ فليس تأثير هذا الحدث الكوني منحصر في عنصر المفاجأة حتى يفقد أثره، ويستنفذ أغراضه في العصر الحديث . بل هو الخبر الشرعي الذي أفصح عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو تخويف العباد بشؤم ما يقترفونه، ويجترحونه، ليل نهار؛ من الكفر والفسوق والعصيان، المستوجب لغضب الرحمن ، القادر على تغيير السنن، وخرق النواميس، فما أهون شأنهم على الله تعالى. فالكسوف والخسوف لهما سببان:

أحدهما : كوني : وهو توسط الأرض بين الشمس والقمر حال كسوف القمر، وتوسط القمر بين الشمس والأرض حال خسوف الشمس .

الثاني : شرعي : وهو ذنوب العباد وآثامهم التي بسببها يظهر الفساد، واختلال النظام . قال تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم : 41

وإجراء الله تعالى لهذا الحدث في أوقات معلومة مبني على علمه السابق بما الخلق عاملون، والإعذار إليهم بالآيات الباهرة التي ينتفع بها المتقون ، كما قال تعالى : (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) الإسراء: 59 . وأما المحجوبون المطموسون، فأنى لهم : (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس: 96- 97



التعليقات ( 0 )