يونس الصباحي

الكلمة الفارقة

يونس الصباحي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

((تصحيح خطأ عقدي)) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنام والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فاعلم أيها القارئ الكريم أنك لو سألت بعض المنتسبين للملة الإسلامية: "ما معنى لا إله إلا الله ، الكلمة الفارقة والمنجية؟ " لأجابك الكثير منهم بكل سرعة وثقة: "معناها: لا خالق إلا الله" !! ولا شك أن هذه غلطة فظيعة وسقطة شنيعة، تردها النصوص الشرعية واللغة العربية والتواريخ الجاهلية. فإن قلت: هذه مبالغة وجراءة وقسوة وشناعة، فتأمل وتمهل ولا تتهور وتهول، فالخطب أسهل بكثير من هذا التضخيم والتفخيم، فلا تجعل من الحجارة الحقيرة جبالاً عظيمة. قلت: لا تك أسيراً للعاطفة العمياء فإنها أردت كثيراً من النجباء، فقد أخبرنا الله تعالى أن أهل الجاهلية الهوجاء والعقول الرعناء، يقرون بأنه تعالى خالق الأرض والسماء؟ فقال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}. وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}. وجاء في الحديث الشريف والكلام المنيف أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في التلبية: " لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك". فهذه الأدلة الواضحات الصريحات لا تقبل التأويلات والمجازات ولا النقاشات والاعتراضات. ولو خالجني شك أن الأرض تحتي والسماء فوقي، فلن يخالجني شك أنها تدل على إقرار المشركين بأن الله هو الخالق العظيم. وأيضا لو كان معنى (لا إله إلا الله): لا خالق إلا الله ، لكان قول الله تعالى إخباراً عن بني إسرائيل أنهم لما أتوا على قوم يعكفون على أصنامهم قالوا: { يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } معناه: " اجعل لنا خالقاً كما لهم خالقين" !! وهذا لا يقول به من له أدنى مُسكة من عقل فضلاً عمن شم رائحة العلم. وهذه أشعار الجاهلية طافحة بأن الله رب البرية: قال طرفة: فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بنَ خَالِدٍ*** وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْروَ بنَ مَرْثَدِ وقال عنترة: يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي*** إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها وهذا الخطأ عشعش في قلوب كثير من المسلمين، فشاب عليه الكبير وشب عليه الصغير. فإن قلت: فما الذي أوجب لأهل الجاهلية الكفر، ورمى بهم في بؤرة الشر، أهو عدم عبادة الله تعالى ؟! قلت: ليس الأمر كذلك؛ فإنهم كانوا يحجون وينذرون ويتصدقون، ويطعمون الطعام ويصلون الأرحام. فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وهذه أم الغوث بن مرة نذرت إن ولدت: أن تتصدق به على خدمة الكعبة. وكان هاشم بن عبد مناف يطعم الثريد بمكة، قال مطرود الخزاعي: عمرو الذي هشم الثريد لقومه *** قوم بمكة مسنتين عجاف وكذلك الاغتسال من الجنابة والحيض كان معمولاً به عندهم، وقصة المرأة التي كادت أن تهلك مع زوجها بسبب الاغتسال مشهورة، حتى قال الفرزدق: وكُنت كَذَاتِ الْحَيْضِ لَمْ تُبْقِ مَاءَهَا *** وَلا هِـيَ مِنْ مَاءِ الْعذَابَـةِ طَاهِرُ وأما الحج والعمرة والطواف بالبيت فهو أشهر من أيذكر، وقد مر بك أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: " لا بيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ". وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته: فّأقْسَمْتُ بِالْبَـيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ***رَجَـالٌ بَنَـوْهُ مِنْ قُـرَيْشٍ وَجُرِهمِ. وإذا أردت المزيد فعليك بكتب التاريخ التي سطرت تلك الحقائق وحفظتها في أحشائها، ومن أفضلها وأنفعها كتاب بلوغ الأرب للعلامة الألوسي –رحمه الله تعالى-. وأما الجواب عما أوجب لهم الكفر، ورمى بهم في بؤرة الشر، فهذا سيكون بإذن الله تعالى في مقال آخر عندما أبين لك معنى كلمة التوحيد التي دلت عليه النصوص الشرعية واللغة العربية. أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لكل خير وأن يصرفنا عن كل شر . هذا والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على خير من أرسل وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه: أبو الحسين الصباحي بتاريخ ٠٤‏/٠٤‏/٢٠١٥ ١١:٥٧ ص



التعليقات ( 0 )