• ×

عادل بن عبد الله باريان

تأملات عقيدة من كلام رب البرية (مقدمة)

عادل بن عبد الله باريان

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تأملات عقدية
من كلام رب البرية
على وفق العقيدة المرضية
- عقيدة أهل السنة والجماعة -
مقدمة
الحمدُ لله رب العالمين و الصلاة والسلام على محمد بن عبدالله و على آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :
فهذه تأملات عقدية من كلام الله تبارك وتعالى جعلتها بأسلوبٍ سهلٍ و مبسط يستفيدُ منها العامي و المبتدئ ، و تكون تذكرة للعالم و المنتهي .
و طريقتي في هذه التأملات أني أسوقُ الآية من كلام الله تبارك وتعالى ، ثم أذكرُ معناها باختصار و إيجاز ، و أذكرُ من أقوال المفسرين ما يؤيدُ ذلك على سبيل العجالة لا الإطالة ، ثم بعد ذلك أذكرُ المسألة العقدية التي اشتملت عليها هذه الآية .
و في ذلك يتحقق مفهومُ التدبر لكتاب الله تبارك وتعالى ، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى من أجل إعمال الفكر و العقل فيه ؛ للظفر بكنوزه و أسراره ، قال سبحانه وتعالى : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) [صـ : 29] .
فقد وصفه سبحانه وتعالى بأنه " كتاب مبارك " أي : عظيم و كثير البركة .
و كذلك لابدَّ أن تأخذ الأمة الإسلامية عقيدتها و نهجها من كلام الله تبارك وتعالى الذي احتوى كلَّ خيرٍ و بركة و عزٍ و تمكين .
قال ابن سعدي – رحمه الله – في تفسيره (ج 1 / ص 712) : [ فقوله { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ } فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق العالم منذ أنشأه اللّه.
{ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.
{ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب] انتهى .
و كذلك أن يتعلم العامي عقيدته بدليلٍ ، فيربأ بنفسه من منزلة التقليد المحض ، فيتعلم المسألة بدليلها .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كتابه النفيس ثلاثة الأصول : [ .... معرفة دين الإسلام بالأدلة ] .
فطلب الحق و الهدى بدليله أمرٌ محمود و مطلوب ، لا سيما لمن كان يفقه الدليل و يستطيع فهمه .
 
ثمَّ إنَّ الداعي لهذا الأمر هو أنَّ من تأمل كتاب الله تبارك وتعالى وجدَ معظمه في العقيدة ، و في تقرير التوحيد و مسائله و مهماته و مكملاته ، وقد أسفرَ ابن القيم – رحمه الله – عن هذا المعنى بكلامٍ نفيسٍ و جميلٍ إذ يقول : [ وَغَالِبُ سُوَرِ الْقُرْآنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِنَوْعَيِ التَّوْحِيدِ ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ . فَإِنَّ الْقُرْآنَ إِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ . وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَخَلْعُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ ، فَهُوَ التَّوْحِيدُ الْإِرَادِيُّ الطَّلَبِيُّ . وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ ، فَذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْحِيدِ وَمُكَمِّلَاتِهِ . وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ إِكْرَامِهِ لِأَهْلِ تَوْحِيدِهِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُوَ جَزَاءُ تَوْحِيدِهِ . وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكَالِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ جَزَاءُ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ .
فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَجَزَائِهِمْ . فَـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } تَوْحِيدٌ ، { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } تَوْحِيدٌ ، { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } تَوْحِيدٌ مُتَضَمِّنٌ لِسُؤَالِ الْهِدَايَةِ إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ، { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } الَّذِينَ فَارَقُوا التَّوْحِيدَ ][1].
 
قال الشاطبي – رحمه الله - : [ وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى :
أحدها : تقرير الوحدانية لله الواحد الحق غير أنه يأتي على وجوه كنفي الشريك بإطلاق أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار فى وقائع مختلفة من كونه مقربا إلى الله زلفى أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة .
والثاني : تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول الله إليهم جميعا صادق فيما جاء به من عند الله إلا أنه وارد على وجوه أيضا كإثبات كونه رسولا حقا ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم .
والثالث : إثبات أمر البعث والدار الآخرة وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به فرد بكل وجه يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر فهذه المعانى الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة فى عامة الأمر وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها فراجع إليها فى محصول الأمر ويتبع ذلك الترغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك ][2] .
 
و لا يُفهمُ من هذا : أنَّ التوحيد توقفَّ القرآن من ذكره في العهد المدني ؛ " لأنه ليسَ حديثاً يُذكرُ في مبدأ الطريق ثم ينتقل منه إلى موضوع آخر ، إنما يذكرُ في مبدأ الطريق ، ثم ينتقل معه إلى موضوعٍ آخر "[3] .
 
و بعد هذه التقدمة التي تفيدك – أيها الموحدُ رعاك الله – أهمية و عناية كتاب الله تبارك وتعالى بشأن العقيدة الصحيحة و تبيانها .
و مع ذلك فما أكثر من يتلو كتاب الله ، ثم لا يفقهون من القراءة والتلاوة إلاَّ القراءة المجردة عن التدبر و التفكر ..
لذلك تجدُ منهم من يقعُ في الشرك الصُراح البين الواضح .
و السبب في ذلك هو : الغفلة عن تدبر القرآن ، وعن تفهم معانيه ، و لذلك قال تبارك وتعالى معاتباً من كانت هذه حاله : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد : 24] .
قال ابن كثير – يرحمه الله - : ( يقول تعالى آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيا عن الإعراض عنه، فقال: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مُطْبَقَة لا يخلص إليها شيء من معانيه )[4] .
و الاستفهام في هذه الآية للإنكار ، والمعنى : أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة التي تكفي من له فهم وعقل وتزجره عن الكفر بالله والإشراك به والعمل بمعاصيه .[5]
 
و أختمُ هذه المقدمة بقول حبر الأمة و علمها ابن عباس – رضي الله عنهما – حيثُ يقول : [تكفلَّ الله لمن قرأ القرآن ، وعملَ بما فيه أن لا يضلَّ في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، ثم قرأ قوله تعالى : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) [طه : 123] .
 
فلهذا و غيره جاءت هذه التأملات القرآنية ، و الوقفات العقدية مع آي كتاب الله الفتاح التواب ، رجاءً في أن تعودَ الأمة إلى كتاب ربها تبارك وتعالى فتأخذَ منه الشرائع و الأحكام و العقائد و الآداب و السلوك .
 
و فقني الله و كافة المسلمين للعمل بمرضاته و إتباع محكم آياته ، و الإقتداء برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم . و الله الموفق للخيرات و نيل أعلى الدرجات بمنه و كرمه .
 

 

[1] - نقله ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله – شارح العقيدة الطحاوية ج 1 / 42 و ما بعدها ، عن مدارج السالكين ج3 / 449 . وجاء فيه : " بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد ، بل نقولُ قولاً كلياً : إنَّ كلَّ آية في القرآن ، فهي متضمنة للتوحيد ، شاهدة به ، داعية إليه " .
[2] - الموافقات 3 / 416 .
[3] - مفاهيم ينبغي أن تصحح صـ 39 . لـ / محمد قطب .
[4] - تفسير ابن كثير - (ج 7 / ص 320) .
[5] - فتح القدير - (ج 5 / ص 55) .


التعليقات ( 0 )