• ×

أ.د. أحمد القاضي

واجب النشر في كشف الشبهات العشر

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد اطلعت على تعقبات لإحدى الكاتبات، على بيان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي قرر فيه الحق بدليله، ورد على دعاوى المسوغين للاحتفال بمولده، صلى الله عليه وسلم . ولست بصدد تقرير المسألة من أصلها، فقد تضمن بيانه، رحمه الله، ما يشفي ويكفي. وإنما أريد الجواب عن الإشكالات التي طرحتها الأخت المشار إليها، أصلحها الله، من التعقب على كلام الشيخ ، فأقول :
أولاً : (الاحتفال بالمولد النبوي) ينطبق عليه حد البدعة المحرمة؛ كما عرفها الإمام الشاطبي ، رحمه الله، بقوله : (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسير عليها المبالغة في التقرب إلى الله تعالى)
فالمحتفلون بذكرى المولد يستشعرون القيام بوظيفة دينية، يرجون من ورائها القربى من الله تعالى، ويميزون بين عملهم ذاك وبين أي مناسبة اجتماعية، أو عائلية، أووطنية، تمييزا ظاهراً ، لا ينكره منصف. والبدعة هاهنا (بدعة إضافية).
فلا ريب أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته، واللهج بذكره، وتعزيره، وتوقيره، فريضة شرعية، كم أن تعلم سيرته،وأحواله، وأيامه، مكرمة مستحبة، لكن تخصيص ذلك بهيئة معينة، في زمن معين، هو الذي نقلها إلى حيز البدعة، بسبب هذه الإضافات.
فلا يسلم للأخت الكريمة دعوى أنها مناسبة اجتماعية، وإلا لصار كل مبتدع يعبث في دين الله، ويلحق بدعته بمرفق من مرافق الحياة؛ الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الفنية . وينفرط نظام الشريعة.
وأما احتجاجها، غفر الله لها، بالحوادث المعيشية المستجدة؛ من المطعومات، والملبوسات، والآلات، ونحوها، فضرب من المغالطة؛ فإن هذه المذكورات لا تدخل في الدين أصلاً، ولا يقصد فاعلوها مضاهاة الشرعية، والتقرب إلى الله تعالى. فشتان بين الصورتين .
ثانياً : وأما قولها (إحياء المولد بدعة حسنة) فليس في البدع حسن، بل كلها قبيح، كما قال من لا ينطق عن الهوى: (وكل بدعة ضلالة).
واستدلالها بحديث: ( من سن في الإسلام سنة حسنة...) الخ عليها، لا لها. وذلك أنه قال : (في الإسلام) وليس من خارجه. والمحدثون للاحتفال بالمولد قد عملوا عملاً ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم من الدين، وقد قال : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) . كما أن سبب هذا الحديث يدل على المقصود منه، وهو افتتاح أمر ثبتت مشروعيته، فتتابع الناس عليه بسبب تجديده له، وشروعه فيه . روى الإمام مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) فقد وقعت هذه السنة بعد الأمر النبوي بها، والحث عليها، فافتتح العمل بها ذلك الأنصاري، فسن سنة حسنة. هذا هو المقصود، ولا مجال للمزايدة.
وكذلك قول عمر، رضي الله عنه، لما جمع الناس على قاريء واحد، في صلاة التراويح، وقال : (نعمت البدعة هذه) ، إنما أراد البدعة اللغوية، لا الشرعية، وحاشاه . وذلك أن أصل قيام الليل، والترغيب به في رمضان، بل والاجتماع عليه، قد وقع، وتقرر، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمع عليه الناس، وائتموا به بضع ليال، ثم خشي أن تفرض عليهم، فأشفق عليهم، وامتنع عن الخروج إليهم، مراعاة لهذا المحذور . فلما زال ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم، جدد عمر، رضي الله عنه، هذه السنة النبوية. ولم يكن ذلك ابتداعاً في الدين، بل تجديداً، واستئنافاً .
ثالثاً : وأما قولها، غفر الله لها: (الأصل في الأشياء الإباحة) فصوابه : (الأصل في العادات الإباحة، والأصل في العبادات المنع حتى يرد به الدليل) كما قيل :
والأصل في العادات حلٌ وامنع *** عبـــادةً إلا بإذن الشارع
وقد قدمنا أن الاحتفال بالمولد يفعله أهله تديناً، وتقرباً إلى الله، فكيف يعبد الله بغير ما شرع على لسان نبيه؟ وأين الصحابة الكرام، والتابعون العظام، وتابعوهم، عن هذه المنقبة التي هُدي إليها هؤلاء المحتفلون، وضل عنها السابقون الأولون؟ أهم أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ؟
رابعاً : وأما قولها (أصل الاحتفال بالمولد موجود) واستدلالها بقوله ، (ذاك يوم ولدت فيه) ! فقد أبعدت النجعة، وبسطت كفيها إلى الماء ليبلغ فاها، وما هو ببالغه ! سبحان الله ! أين وجه الدلالة في خبر سيق لبيان فضل صيام الاثنين ليصبح ذريعة إلى الاحتفال بمولده! هلا فهم الصحابة هذا الأصل المزعوم، أم أنه ادخر لأصحاب الطرق الصوفية، والعوائد البدعية؟! ولم َ لم يطردوا هذا الأصل المزعوم ويقيموا احتفالاً لبعثته، أو لنزول القرآن فيه؛ فقد جاء في صحيح مسلم أنه سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فقَالَ: ( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ ) فما الفرق؟ أم هو محض تشهٍ وهوى متبع . غفر الله لأختنا، وألهمها رشدها .
خامساً : وأما استدلالها بقوله تعالى : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) مع قوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فهل يشك مؤمن أن مولده، وبعثته، من أعظم أسباب الرحمة، ومقتضيات الفرح بفضل الله ورحمته؟ وليس الشأن هنا، يا رعاك الله، وإنما في طريقة التعبير عن الفرح بأوضاع، وهيئات، ورسوم، وأوقات، لم يعينها الشارع. ونحن ندعو إلى الفرح بمولده، وبعثته، صلى الله عليه وسلم كل حين، ولا نقصره على يوم في السنة، يحشد له الناس، وتبنى فيه السرادقات، وربما تقع فيه بعض المنكرات .
سادساً : وأما وصفها لبعض ما اعتضد به الشيخ من أدلة واقعية على ما يقع في بعض الموالد من فساد واختلاط، بأنه (تدليس) فقد أتت أمراً عظيماً، وتجنت على عالم تقي، ورع، شهد له كل من عرفه بالتوقي، والصيانة، والتوثق، ورعاية الحرمات، وحاشاه، وهو إمام الدنيا، في وقته، في الحديث والسنة، من شائبة التدليس. وإنما أخبر بأمر قطعي، مشاهد، يقع في بعض الجهات، ولا يلزم وقوعه في كل جهة. فلتستغفر الله من جرأتها على رجل نحسبه من أولياء الله، ولا نزكي على الله أحداً، ولتذكر حديث : ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) .
سابعاً : وأما قصرها للغلو في شخص النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه بالألوهية فقط، كما ادعت النصارى في عيسى ابن مريم، فهو قصور في الفهم، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم التمثيل بأمر مشهور. وهذا النهي منه صلى الله عليه وسلم عن الإطراء يدل على تواضعه من جهة، كما ذكرت الأخت، ويدل على تحريم الإطراء المبالغ فيه، من جهة أخرى. كم قال في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ: (السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا فَقَالَ: . قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ) . واعتضاد الأخت بقول البوصيري :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت فيه مدحا واحتكم
فلا يسلَّم له، كما لا يسلم له أبيات أخر، غلا فيها ، وأفرط. فكيف يقال : (احكم بما شئت) بهذا الإطلاق ؟! ولعل هذا الفهم هو الذي حمله على الغلو، والإطراء المحرم في مثل قوله :
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
فأين الله ؟! وقوله :
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم
فماذا أبقى لله ؟!
وهذا من شؤم الغلو. فما زادت أختنا الكريمة، على أن استدلت بما هو محل النزاع .
ثامناً : وقد أحسنت ، وفقها الله، في التنبيه على ما يقع من بعض الكتاب، والصحفيين، والمتأثرين بالمستشرقين، من ذكر اسمه الكريم (محمد) صلى الله عليه وسلم، مجرداً من ذكر الصلاة والسلام عليه، وأن ذلك ضرب من الجفاء في حقه العظيم. وليس مقتضى ذلك أن يقابل الخطأ بالخطأ، والتطرف بالتطرف. بل الحق وسط بين طرفين، وعدل بين عوجين، فلا إفراط، ولا تفريط، ولا غلو، ولا جفاء .
تاسعاً : وأما أنه صلى الله عليه وسلم (يضر وينفع) فإن النافع الضار هو الله، كما قال : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فلا راد لفضله) ونفعه صلى الله عليه وسلم بما أجراه على يديه من الشرع الحكيم، والخلق الكريم، والعطاء الواسع الجزيل في حياته. أما بعد وفاته، فإنه لا ريب ، قد مات، كما قال الله تعالى : (إنك ميت وإنهم ميتون) وقال : ( أفإن مات أو قتل) . فبقي نفع دينه، وأما نفعه الشخصي فقد انقطع بموته، فإذا بعثه الله يوم القيامة، نفع به من حلت له شفاعته.
عاشراً : وأما نصيحتها الأخيرة بترك الدخول في الأمور الخلافية للعلماء، فلا أراها فعلت ذلك بنفسها! أبعد أن سوَّدت الصفحات، وأطلقت الشبهات، واتعقبت العلماء، تتخشع، وتتمسكن، وتدعو إلى عدم الخوض؟! ما هذا التناقض الجلي؟! إلا إذا كانت، ترى نفسها من جملة العلماء، فليس لها حينئذ أن تصادر الآراء، وتحجر على الحق، بدعوى الالتفات إلى عيوب النفس، والاشتغال بها. وهل (البدعة) إلا من أعظم العيوب والآفات .أسأل الله الكريم ، رب العرش العظيم، أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ، ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه . وأرجو نشر هذا التوضيح في ذات الموقع الذي جرى فيه النقاش لتعم الفائدة، ويحصل المقصود.


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:49 مساءً الثلاثاء 18 رجب 1442 / 2 مارس 2021.