• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والهجرة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

ففي كل عام تمر ذكرى عطرة ، فيها درس وعبرة ، ومتعة وفكرة. إنها قصة الهجرة. تلكم الحادثة التاريخية التي صارت نقطة تحول ، ومفرق طريق في حياة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وكان لها ما بعدها . فلا عجب أن غدت تلك الحادثة معلماً بارزاً في تاريخ الإسلام ، كما قال سهل بن سعد ، رضي الله عنه : ( ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا من وفاته . ما عدوا إلا من مقدمه المدينة ) أي حين أرخوا التاريخ . رواه البخاري . قال الحاكم : ( تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين )

وها نحن اليوم بمناسبة حلول العام الهجري الجديد 1429، نستروح عبق تلك الذكرى الخالدة ، بعد ألفِ وأربعمائةٍ وثمانية وعشرين عاماً ، وكأنما وقعت للتو ، حيةً ، متجددةً ، ثرةً ، معطاءة ، تزخر بالدروس والعبر، والمعاني والفِكَر، لا تبلى ، ولا تَخلَق في نفوس المؤمنين . ومن الدروس العقدية، والتربوية المستفادة من هذه الحادثة الفريدة :

1- سنة الله في ابتلاء أنبيائه ، وعباده المؤمنين : {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ {88} قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ {89} [الأعراف] . وقال : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ {13} وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ {14} [إبراهيم] .وقد قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم حين قص عليه خبر الوحي: (ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك . قال : أو مخرجي هم ؟ قال: نعم ، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ) رواه البخاري .

2- اتخاذ الحيطة ، وفعل الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل : فهذا سيد المتوكلين، صلى الله عليه وسلم، يأني بيت أبي بكر على غير عادته ، متقنعاً ، ويقول : أخرج من عندك ، ويكمن في الغار ، ويتخذ عيناً على قريش ، هو عبدالله بن أبي بكر ، ويستأجر دليلاً خريتاً ، هو عبدالله بن أريقط .. الخ

قال شيخ الإسلام ، ابن تيمية : ( الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع )الفتاوى 1/131

3- فضل آل أبي بكر ، ومشاركتهم الفعالة في شأن الهجرة : أبوبكر ، وأسماء، وعائشة، وعبدالله ، ومولاهم عامر بن فهيرة .وقد حمل أبو بكر ثروته؛ خمسة آلاف ، أو ستة آلف درهم ، رفداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم . والرد على الرافضة الخبثاء الذين ينالون منهم .

4- أن الله علَّق أمر هذا الدين ، ونصرته ، بجهد أهله ، وبذلهم . ولو شاء لنقل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في لمح البصر ، كما فعل به ليلة الإسراء والمعراج . قال تعالى : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ {146} وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {147} فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ {148}‏ [آل عمران] . وقال : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {165}‏ [آل عمران]. وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {7} [محمد] .

5- عظم إيمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وثقته بربه ، وشعوره بمعيته الخاصة ، في أصعب الأحوال ، وهكذا أنبياء الله ، كما قال موسى ، عليه السلام : ( كلا إن معي ربي سيهدين ).

6- شدة عداوة المشركين للمؤمنين ، وبذلهم الغالي والنفيس لحرب الدين وأهله . قال تعالى : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} المائدة 82 ، وقال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ {36} [الأنفال] .

7- فضيلة الأنصار، رضوان الله عليهم، واستحقاقهم لثناء الله عليهم بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9} [الحشر].

وقد روى البخاري في التاريخ الصغير، بسند صحيح، أن عدد الذين استقبلوه من الأنصار خمسمائة . فتح الباري :7/251 . أما ما يحكى من استقباله بنشيد : طلع البدر علينا، فلا يثبت.

وقد مضت (الهجرة الخاصة) إلى المدينة النبوية، منقبة وكرامة للصدر الأول من هذه الأمة الذين اكتحلت أعينهم بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصرته ، قبل فتح مكة، كما قال : (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) متفق عليه. وتبقى (الهجرة العامة) الجهاد والنية، شريعةً قائمة إلى يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم : (وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) رواه البخاري .



التعليقات ( 0 )