• ×

د. أحمد القاضي

ختام العام

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فللختام آداب وأحكام، ووقفة ومقام. فحين يقف القلب اليقظ أمام معلم زمني، أو مكاني، يلتفت إلى الوراء متأملاً ما اقترفت يداه، وسعت قدماه، وأبصرت عيناه، وأصغت أذناه، وفاه لسانه، وجال بفكره، وخطر بقلبه ، فيحمد الله تارة، ويندم تارة ، وهو لا يدري ما الله قاض فيه. ثم يستشرف المستقبل، وهو لا يعلم ما لله صانع فيه، فينوي، ويعزم، ويرسم، ويخطط. ولله الأمر من قبل ومن بعد .
وكما أن في العمر محطات، ومواقف، ومنعطفات، كسن الأربعين، التي يقول الله في صاحبها : (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) الأحقاف : 15، فكل عام يرتحل، وكل عام يحل، بل كل هلال يأفل، وآخر يهل، محل عظة واستذكار، وتبصر وادكار !
وللعام خصوصيته : ( إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) التوبة : 36
ومن فقه الختام :
أولاً : الاعتبار بانصرام الليالي والأيام : فيستشعر القلب طي بساط العمر، ودنو الأجل. فكل ورقة تنزعها أناملك من دفتر (التقويم) إنما هي يوم من عمرك مضى وانثلم. قال أبو الدرداء و الحسن رضي الله عنهما : إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك .
إنا لنفـــرح بالأيام نقطعها ... و كل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح و الخسران في العمل
قال بعض الحكماء : كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، و شهره يهدم سنته، و سنته تهدم عمره ؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله و حياته إلى موته ؟
نجد سرورا بالهلال إذا بدا ... و ما هو إلا السيف للحتف ينتضى
إذا قيل تم الشهر فهو كناية ... و ترجمة عن شطر عمر قد انقضى
قال الحسن : الموت معقود بنواصيكم، و الدنيا تطوى من ورائكم، و هي مراحل .
نسير إلى الآجال في كل لحظة ... و أعمارنا تطوى و هن مراحل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام و هن قلائـــل

 
ثانياً : شكر المولى على الفسحة في العمر : فلو تأمل كل امرئ بعض من كان من أترابه وأقرانه، وكيف طواهم الردى، وغيبهم الثرى، لأحصى الكثير. فينبغي له أن يحمد ربه أن مدَّ في عمره، ونسأ في أجله، وأمكنه من عمل الصالحات، واستباق الخيرات . قال ابن رجب، رحمه الله : ( فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلا خيرا و من كان كذلك فالحياة خير له من الموت و في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم : ( اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير و الموت راحة لي من كل شر ) خرجه مسلم. و في الترمذي عنه صلى الله عليه و سلم أنه سئل : أي الناس خير ؟ قال : (من طال عمره و حسن عمله) قيل : فأي الناس شر ؟ قال: (من طال عمره و ساء عمله) وفي المسند و غيره : ( أن نفرا ثلاثة قدموا النبي صلى الله عليه و سلم فأسلموا، فكانوا عند طلحة. فبعث النبي صلى الله عليه و سلم بعثاً، فخرج فيهم أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثاً آخر، فخرج منهم فاستشهد. ثم مات الثالث على فراشه. قال طلحة : فرأيتهم في الجنة؛ فرأيت الميت على فراشه أمامهم، و رأيت الذي استشهد آخراً يليه، ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم! فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم، فذكرت ذلك له، فقال : ( و ما أنكرت من ذلك؟ ليس أفضل عند الله عز وجل من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه و تكبيره و تهليله ) و في رواية قال: ( أليس قد مكث هذا بعده سنة ؟) قالوا : بلى قال : (وأدرك رمضان فصامه ؟) قالوا: بلى قال : (وصلى كذا و كذا سجدة في السنة ؟) قالوا : بلى قال :( فلما بينهما أبعد ما بين السماء و الأرض ) . قيل لبعض السلف : طاب الموت ! قل : لا تفعل. لساعة تعيش فيها تستغفر الله، خير لك من موت الدهر. و قيل لشيخ كبير: تحب الموت ؟ قال : لا قيل : و لم ؟ قال : ذهب الشباب وشره، و جاء الكبر وخيره. فإذا قمت قلت : بسم الله وإذا قعدت قلت : الحمد لله فأنا أحب أن يبقى لي هذا ) لطائف المعارف .
ثالثاً : التخطيط للمستقبل : فالعاقل اللبيب لا يكتفي بالتباكي والأسى على ما فرط وفات، بل يقطف فقه الالتفات . يعتبر بما مضى لما يستقبل . فالحياة دروس وعبر للتلميذ النابه الذكي ، ولا تزيد الغافل إلا خساراً . فحري بمن تربَّع على تل ٍّ من التجارب والممارسات، أن يحلل هذه المقدمات، ويستخلص النتائج ، ويجني الثمرات .
غفر الله لنا ما سلف وكان، وتقبل منا صالح الأعمال، وأعاننا على ما نستقبل من أيام، ووفقنا لما يحب ويرضى، وأصلح حال المسلمين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .


التعليقات ( 0 )