• ×

سالم بن سعيد المقبالي

حكم سؤال المقبور الشفاعة (2)

سالم بن سعيد المقبالي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
فهذا الفصل الثاني وهو تتمة للمقال السابق:
( الفصل الثاني )
( تحقيق نسبة هذه المقالة لشيخ الإسلام رحمه الله )
وبيان ذلك في قسمين :
( القسم الأول )
أن وصف الشيخ لهذه الصورة بالبدعة ، لا يعارض كونها شركاً أكبر ، وهو كلام مستقيم ، وبيانه في ثلاثة أمور :
الأمر الأول : أن البدعة هي : كل ما أحدث في الدين مما ليس منه ، ولا نزاع أن هذه المسألة من البدع باعتبار المعنى اللغوي والشرعي للبدعة ، وعليه يحمل كلام الشيخ ، خصوصا وأنه قد استعمل هذا الوصف في الشرك الأكبر في مواضع من كتبه ، منها :
قوله رحمه الله في رده على البكري(1) : ( وإذا كان كذلك ، فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل ) ؛
وقال(2) : ( ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه ، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقاً يهودياً ) ؛
وقال(3) : ( وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد ) ؛
وقال(4) : ( وهذه الأمور ونحوها ، هي من الزيارة البدعية ، وهي من جنس دين النصارى والمشركين ، وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر ،أو أن يدعو الميت ويستغيث به ، ويطلب منه ، أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته ، فهذه كلها من البدع التي لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فعلها أصحابه ) ؛
وقال(5) : ( فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم ، وسؤالهم والاستغاثة بهم ، والاستشفاع بهم في هذه الحال ، ونصب تماثيلهم ، بمعنى طلب الشفاعة منهم ، هو من الدين الذي لم يشرعه الله ، ولا ابتعث به رسولاً ، ولا أنزل به كتاباً ، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين ، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين ، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد ، ويذكرون فيه حكايات ومنامات ، فهذا كله من الشيطان ، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة ، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين ، فهذا كله ليس بمشروع ، ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين ، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة ، فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين ، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب ) ؛
وقال(6) : ( وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته ، فتارة بالجدب ، وتارة بنقص الرزق ، وتارة بالخوف وقوة العدو ، وتارة بالذنوب والمعاصي ، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول : نشكو إليك جدب الزمان ، أو قوة العدو ، أو كثرة الذنوب ، ولا يقول : سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم ، أو ينصرهم ، أو يغفر لهم ، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين ، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة ، وهي ضلالة باتفاق المسلمين ) ؛
وقال(7) : ( واتفق أيضاً أئمة المسلمين على أنه لا يشرع لأحد أن يدعو ميتاً ولا غائباً ، فلا يدعوه ولا يسأله حاجة ، ولا يقول : اغفر لي ذنبي وانصر ديني وانصرني على عدوي أو غير ذلك من المسائل ولا يشتكي إليه ولا يستجير به كما يفعله النصارى بمن يصورون التماثيل على صورته ، ويقولون : مقصودنا دعاء أصحاب التماثيل والاستشفاع بهم ، فمثل هذا ليس مشروعاً : لا واجباً ولا مستحباً في دين المسلمين باتفاق المسلمين ومن فعل ذلك معتقداً أنه يستحب فهو ضال مبتدع ) ؛
وقال(8) : ( والشرك بدعة ) .
قال مقيده : فاستعمال الشيخ لمصطلح البدعة في ما هو كفر وشرك جارٍ على مقتضى اللغة والشرع ، فلا إشكال فيه .
الأمر الثاني : أن البدع تنقسم إلى قسمين : بدع مكفرة ، وبدع غير مكفرة ، وكلام الشيخ محمول على القسم الأول .
الأمر الثالث : أن أهل السنة مجمعون أن للنبي صلى الله عليه وسلم أنواعا من الشفاعات ، ولم يذكروا منها سؤاله إياها في قبره ، فهي بدعة باعتبار إحداثها بعد القرون الفاضلة ، وأول من أحدث بدع القبور ونشرها ، ومنها : سؤال المقبورين هم العبيديون ؛
يقول شيخ الإسلام رحمه الله(9) : ( وإنما حدثت هذه المشاهد بعد القرون المفضلة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم القرن الذي بعث فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، وإنما انتشرت في دولة بني بويه ونحوهم من أهل البدع والجهل ).
( القسم الثاني )
وفيه نصوص شيخ الإسلام الدالةِ على أن هذه الصورة المذكورة شركٌ أكبر :
قال في كلامه عن مراتب دعاء المخلوق(10): ( أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين : ادع الله لي ، أو ادع لنا ربك ، أو اسأل الله لنا ، كما تقول النصارى لمريم وغيرها ، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز ، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ) .
وقال(11) : ( وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته ، فهذا هو القسم الثاني : وهو : ألا تطلب منه الفعل ولا تدعوه ، ولكن تطلب أن يدعو الله لك ، كما تقول للحي ادع لي ، وكما كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون من النبي صلى الله عليه الدعاء ، فهذا مشروع في الحي كما تقدم ، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم ، فلم يشرع لنا أن نقول : ادع لنا ، ولا اسأل لنا ربك ، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ، ولا أمر به أحد من الأئمة ، ولا ورد فيه حديث ، بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون ، ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلين : يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكوا إليك مما أصابنا ونحو ذلك ، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط ، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ).
قال مقيده : هذان النقلان هما ما اعتمده القائلون بأن سؤال الحي للميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له ، أو يسأل الله له ، بدعة فقط وليست شركا أكبر ، وليس فيهما ما يدل على ذلك ، بل كلامه ظاهر في أن هذه الصورة شرك وكفر ، وبيان ذلك من وجوه :
الأول : تقدم أن الشيخ يستعمل مصطلح البدعة فيما هو شرك وكفر ، كما سبق ، وكما في هذين النصين ، فلا إشكال .
الثاني : أن كلام الشيخ عام في كل ميت ، لم يفرق بين سؤاله بحضرة القبر ، أو وهو بعيد عن القبر ، وله من النصوص في إثبات ذلك كثير ، والمنازعون يفرقون بين الصورتين ، فالأولى بدعة والثانية شرك أكبر ، مع أن النص الذي اعتمدوه واحد ن فأين هذا التفريق في كلام الشيخ ؟ .
يقول رحمه الله(12) : (وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا ، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا أو يستغيثوا به ، سواء كان ذلك عند قبره ، أو لم يكن عند قبره ، وهم لا يقدرون على ذلك ) ؛
وفيه(13) : ( ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ولا بغيره من الأنبياء ، لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ) ؛
ويقول(14) : ( وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم من المشركين الذين يدعون غير الله ) ؛ قال مقيده : فالشيخ لا يفرق بين سؤال الميت بحضرة قبره أو وهو بعيد عن القبر ، وعليه يلزمهم تعميم الحكم بالبدعة على كلتا الحالتين وهم لا يقولون بذلك .
الثالث : أن الشيخ قرن الغائب بالميت في الحكم بالبدعة على هذا الفعل ، وقد سبق أنه لا خلاف أن سؤال الغائب شرك أكبر ، فيلزم من قال بأن سؤال الحي للميت بحضرة القبر بدعة فقط معتمدا على هذا النقل في قوله ، وفي نسبته لشيخ الإسلام ، أن يكون دعاء الغائب بدعةً أيضاً وليس بشرك عنده وعند شيخ الإسلام ، ولا قائل بذلك من أهل التوحيد والسنة ، وكثيراً ما يقرن الشيخ بين دعاء الميت والغائب ن مما يؤكد أنه لا يفرق في الحكم عليهما .
يقول رحمه الله(15) في كلامه عن مراتب دعاء المخلوق : ( أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب ... ) ؛
ويقول(16) : ( وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه ، وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شئ ) ؛
ويقول(17) : ( سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غيره ، من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ) ؛
ويقول(18) : ( وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت تتمثل له الشياطين ) .
الرابع : نص الشيخ في الفقرة الأولى بأن السؤال والطلب بهذه الصورة من جنس ما تقوله النصارى في مريم وغيرها ، وما تقوله النصارى هو الشرك الأكبر ، ويحكي الشيخ رحمه الله اعتقادهم فيقول(19): ( وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه – كالحجاب الذين بين الملك ورعيته – بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم ، فالخلق يسألونهم ، وهم يسألون الله ، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم ، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك ، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك ، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج ، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، وهؤلاء مشبهون لله ، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا له أنداداً ، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى ) ، ثم يبين أن هذا من شرك النصارى فيقول(20): ( والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية ، فهو مشرك ، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان ، كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين ، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله ، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى ) .
الخامس : قوله في الفقرة الثانية : ( ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلين : يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكو إليك ما أصابنا ونحو ذلك ) ، لا خلاف أن الطلب من المقبور بياء النداء دعاء صريح ، سواء طُلب منه أن يدعو أو غير ذلك وهذا من الشرك الأكبر .
نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح(21): ( وقال الراغب : الدعاء والنداء واحد لكن قد يتجرد النداء عن الاسم والدعاء لا يكاد يتجرد ) ؛ وكلام الراغب في المفردات يقول(22) : ( الدعاء كالنداء ، إلا أن النداء قد يقال بيا ، أو أيا ، ونحو ذلك من غير أن يُضم إليه الاسم ، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم ، نحو : يا فلان ، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر ) ؛
وقال الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ رحمه الله(23): ( سمى النداء دعاء لأن مدلولها واحد من باب الترادف على معنى واحد ) ؛
يقول شيخ الإسلام رحمه الله(24): ( والمشركون من هؤلاء قد يقولون : إنا نستشفع بهم ، أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا ، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا ، فإذا صورنا تمثاله – والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم – قالوا : فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ، ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله ، فيقول أحدهم : يا سيدي فلان ، أو يا سيدي جرجس ، أو بطرس ، أو يا ستي الحنونة مريم ، أو يا سيدي الخليل ، أو موسى بن عمران ، أو غير ذلك ن اشفع لي إلى ربك ، وقد يخاطبون الميتعند قبره : سل لي ربك ، أو يخاطبون الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياً ، وينشدون قصائد ، يقول أحدهم فيها : يا سيدي فلان أنا في حسبك أنا في جوارك اشفع لي إلى الله سل اللهلنا أن ينصرنا على عدونا سل الله أن يكشفعنا هذه الشدة أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن يكشف هذه الكربة ، أو يقول أحدهمسل الله أن يغفر لي ... ) ثم قال : ( فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم ، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب ن وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله ) ، قال مقيده : فهذا نص صريح في كون الصورة التي هي محل البحث شركاً أكبر .
وقال رحمه الله(25): ( وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ولا أحد من الأنبياء قبله ، شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم ، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم ، فلا يقول أحد : يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله ، سلوا الله لنا أن ينصرنا ، أو يرزقنا أو يهدينا ، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين : يا نبي الله ، يا رسول الله ادع الله لي ، سل الله لي ، استغفر الله لي ، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني ، ولا يقول أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني ) .
وقال(26): ( ومثل هذا كثير في القرآن ، ينهى أن يُدعى غير الله ، لا من الملائكة ، ولا من الأنبياء ، ولا غيرهم ، فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك ، بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة ، فإنه لا يفضي إلى ذلك ، فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته فإنه ينهى من يفعل ذلك ، بخلاف دعائهم بعد موتهم ، فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم ، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم ، هو ذريعة إلى الشرك ، فمن رأى نبياً أو ملكا من الملائكة وقال له : ادع لي ، لم يفض ذلك إلى الشرك به ، بخلاف من دعاه في مغيبه ، فإن ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع ، فإن الغائب والميت لا ينهى من يشرك ، بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك ، كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين ) .
وقال(27): ( وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره ، أو بعد موته ، فهذا لم يفعله أحد من السلف ، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون ، وكذلك السؤال به ، فكيف بدعائه نفسه وسؤاله بعد موته ، فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله [ استقبله واستشفع به ] كذب على مالك ، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي نقلها مالك وأصحابه ، ونقلها سائر العلماء ، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه ، فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به ، يقول له : يا رسول اللهاشفع لي ، أو ادع لي ، أو يشتكي إليه المصائب في الدين والدنيا ، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين ، أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له ، أو يشتكي إليهم المصائب ، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة ) .
وقال(28): ( وفي الجملة فقد نُقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به ، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين ، والاستغاثة بهم ، والشكوى إليهم ، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف ) .
وقال(29): ( ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه ، وذلك أن التوسل به حياً هو من جنس مسألته أن يدعو لهم ، وهذا مشروع ، فما زال المسلمون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم ، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء ، لا عند قبره ، ولا عند غير قبره ، كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين ، يسأل أحدهم الميت حاجته ، أو يقسم على الله به ونحو ذلك ) .
وقال(30): ( وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه ، وأما المخلوق الغائب والميت ، فلا يطلب منه شئ ) .
وقال(31): ( فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين : اللهم إني أسألك بفلان ، أو بجاه فلان ، أو بحرمة فلان ، فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابة ، ولا عن التابعين ، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ، ونقل عن بعضهم جوازه ، فكيف يقول القائل للميت : أنا استغيث بك و أستجير بك ، أو أنا في حسبك ، أو سل لي الله ، ونحو ذلك ، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ، ولو قدر أن له تأثيراً ، فكيف إذا لم يكن له تأثيرٌ صالحٌ بل مفسدته راجحة على مصلحته ، كأمثاله من دعاء غير الله ) .
قال مقيده : جمع الشيخ هنا بين الصورة التي هي محل البحث ، وبين ما لا نزاع في كونه شركاً أكبر ، ثم أكد ذلك بكونه من دعاء غير الله ، ولو كان سؤال المقبور بأن يدعو الله للسائل بدعة فقط ، لذكرها في أول كلامه مع السؤال بالجاه والحرمة مما هو بدعة بالاتفاق .
وقال(32): ( فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ، لا نبياً ولا غيره ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق ، وليس لأحدٍ أن يسأل ميتاً أو يستغيث به في شئ من الأشياء ، سواءً كان نبياً أو غيره ) .
وقال(33): ( فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه ، ولا يدعوا إليه ، ولا أن يستجيروا به ، ولا يدعوه لا رهبةً ولا رغبةً ، ولا يقول أحد لميت : أنا في حسبك ، أو أنا في جوارك ، أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا ، ولا أن يخطوا إلى جهة قبرٍ ويسأله كما يفعل كثير من النصارى وأشباه النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم ، ولايشرع لأحد أن يقول لميت : سل الله لي أو ادع لي ، ولا يشرع لهم أن يشكوا إلى ميت ، فيقول أحدهم مشتكيا إليه : عليّ دَيْنٌ ، أو آذاني فلان ، أو قد نزل بنا العدو ، أو أنا مريض ، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوى ، سواء كان هذا السائل عند قبر الميت ن أو كانبعيدا منه ، وسواء كان الميت نبياً أو غيره ) .
وقال(34): ( فإن ما نُفِيَ عنه وعن غيره من الأنبياء والمؤمنين ، وهو أنهم لا يُطلب منهم بعد الموت شئ ، ولا يطلب منهم في الغيبة شئ ، لا بلفظ الاستغاثة ولا غير ذلك ، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع دلالة العقل على ذلك ) .
وقال(35): ( ومن رحمة الله تعالى ، أن الدعاء المتضمن شركاً ، كدعاء غيره أن يفعل ، أو دعائه أن يدعو ، ونحو ذلك ، لا يحصل غرض صاحبه ، ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة ، فأما الأمور العظيمة ، كإنزال الغيث عند القحوط ، أو كشف العذاب النازل ، فلا ينفع فيه هذا الشرك ) .
وقال(36): ( فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله خالصا عند القبور ، لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم ، فكيف إذا وجد ما هو نوع الشرك من الرغبة إليهم ، سواء طلب منهم قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، أو طلب منهم أنيطلبوا ذلك من الله تعالى ) .
قال مقيده : وجه بعضهم هذا النص بقوله : ( علق الطلب هنا على الرغبة إليهم ، بخلاف كلامه السابق ، وهو يرى أن الرغبة خاصة لله لا تصرف لغيره ، وصرفها لغير الله شرك ، فبسبب وجود الرغبة وصف هذا الدعاء بالشرك ) ، وجوابه أن يقال :
أولا : من خلال جمع كلام الشيخ في هذه المسألة يتبين أن الصورة – محل البحث – شرك أكبر ، وإذا كان الشيخ في هذا الموضع قد نبه على قدر زائد من مجرد الطلب وهو الرغبة ، فله من النصوص الكثير لا يقيد هذا السؤال بذلك ، لسبب وهو :
ثانيا : أن كلام الشيخ لا إشكال فيه ، فإن من لازم هذا السؤال والطلب أن يكون السائل والطالب راغبا إلى المسؤول أن يجيب سؤاله وطلبه(37) .
وقال(38): (والمقصود هنا : أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكر ، فكيف بسؤال المخلوق الميت ؟ سواء سئل أن يسأل الله ، أو سئل قضاء الحاجة ، ونحو ذلك ، مما يفعله بعض الناس ، إما عند قبر الميت ، وإما مع غيبته ، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة ، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ، وأن لا يصلى عندها لله ، ولا يسأل إلا الله ، وحذر أمته ذلك ، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك ) .
قال مقيده : فبمجموع هذه النصوص يتبين أن سؤال الحي للميت بأن يدعو الله له ، أو يسأل الله له ، أو نحو ذلك من الأمور ، سواء كان بحضرة قبره ، أو بغير حضرة قبره أنه شرك أكبر ، وأن هذا ما يقوله شيخ الإسلام رحمه الله ، فلا تصح النسبة إليه بأن هذه الصورة بدعة فقط .

 

(1) (269) .
(2) الفتاوى (27/161).
(3) الفتاوى (27/162).
(4) الفتاوى (27/32).
(5) الفتاوى(1/160-161).
(6) التوسل(27-28).
(7) قاعدة في الوسيلة(213) . ط : الرشد ، وجامع الرسائل – المجموعة الخامسة (109) ، وهي غير القاعدة المعروفة.
(8) الاقتضاء (2/375)..
(9) جامع المسائل – المجموعة الرابعة (163).
(10) الفتاوى (1/352).
(11) المرجع السابق (27/76-77).
(12) الرد على البكري (221).
(13) المرجع السابق (222).
(14) التوسل (51).
(15) الفتاوى (1/351).
(16) الفتاوى (1/345).
(17) الرد على البكري (221).
(18) المرجع السابق (226).
(19) الفتاوى (1/127).
(20) (1/135-136).
(21) (11/113).
(22)(315) .
(23) كشف ما ألقاه إبليس (71).
(24) الفتاوى (1/159-160).
(25) التوسل (26-27).
(26) المرجع السابق (52).
(27) المرجع السابق(141).
(28) المرجع السابق(201).
(29) المرجع السابق(284).
(30) المرجع السابق(306).
(31) الرد على البكري (225-226).
(32) المرجع السابق (239).
(33) المرجع السابق (404-405).
(34) الاقتضاء (2/224).
(35) المرجع السابق(2/224).
(36) المرجع السابق(2/304-305).
(37) يراجع الوجه السادس صفحة(4).
(38) الاقتضاء (2/330).


التعليقات ( 0 )