• ×

سالم بن سعيد المقبالي

حكم سؤال المقبور الشفاعة (1)

سالم بن سعيد المقبالي

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، كالمبتدعة والمشركين ؛ والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين ، وعلى آله وصحبه والتابعين .
أما بعد ...
فهذا بحث في حكم مسألة وهي : أن يسأل الحي ميتا بحضرة قبره بأن يدعو الله له ، أو يسأل الله له ؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذا السؤال بدعةٌ ولا يصل إلى الشرك الأكبر ، وإنما هو وسيلةٌ إليه ، ونُسِبَ هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وقد تبين لي من خلال الدراسة أن هذه الصورة شرك أكبر ، وأن نسبة هذا القول لشيخ الإسلام غير صحيحة.
وقبل الدخول في صلب الموضوع ينبغي التنبيه على أمور :
أولاً : لا خلاف أن هذا الفعل مبتدع ومحرم غير مشروع ، وإنما النزاع في كون هذه الصورة شركاً أكبر أم لا .
يقول شيخ الإسلام رحمه الله(1) : ( وأيضا فإن طلب شفاعته ، ودعائه ، واستغفاره بعد موته ، وعند قبره ، ليس مشروعاً عند أحد من أئمة المسلمين ، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة ، وأصحابهم القدماء ) .
ثانياً : لا خلاف أيضاً ، أن سؤال الحي للمقبور بأن يدعو الله له ونحوه ، وهو غائب أو بعيد عن القبر ،أنه شرك أكبر .
يقول الشيخ السهسواني رحمه الله(2) : ( وإن كان ذلك المدعو حياً غير حاضر ، أو ميتاً وينادى من مكان بعيد من القبر ، فهذا أيضاً شرك ، فإن فيه إثبات علم الغيب لغير الله تعالى ، وهو من الصفات المختصة به تعالى ) .
ويقول الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله(3): ( سؤال حي لميت ، وهو غائب عن قبره ، بأن يدعو الله له . وهذا النوع لا يختلف المسلمون بأنه شرك أكبر ، وأنه من جنس شرك النصارى في مريم وابنها – عليهما السلام – بدعائهما ، وأنهما يعلمان ما يفعله العباد حسب مزاعم النصارى ) .
ثالثاً : ثبت أن بعض الصحابة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه أن يدعو لهم في حياته ، وهو معنى أن يشفع لهم ، وأما بعد موته ، فأهل السنة مجمعون على أمرين :
الأول : عدم مشروعية طلب الشفاعة ( الدعاء ) منه في قبره .
الثاني : أن للنبي صلى الله عليه وسلم أنواعا من الشفاعات ، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبر .
رابعاً : أن دعاء العبادة ودعاء المسألة متلازمان ، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة .
قال شيخ الإسلام رحمه الله(4) : ( ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا ، الدعاء بمعنى العبادة ، أو الدعاء بمعنى المسألة ، وإن كان كل منهما يستلزم الآخر ) .
خامسا : ينبغي لمن أراد نسبة قول لعالم في مسألة معينة ، أن يجمع كلام هذا العالم في هذه المسألة المراد بحثها في جميع مواردها من كتبه ، حتى يتضح قوله ويتبين مراده ، وحتى لا ينسب إليه ما لا يعتقده ، خصوصا إذا كان هذا العالم معروفا بكثرة التأليف ، وتنوع عباراته العلمية ، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
( الفصل الأول )
( سؤال الحي للميت بحضرة قبره شرك أكبر)
وبيانه من وجوه :
الأول : أن سؤال الحي للميت وطلبه منه أن يدعو الله له ، هو حقيقة الدعاء لغة وشرعا ، من حيث إنه سأل وطلب ، والسؤال والطلب دعاء ، والدعاء عبادة ، وصرف العبادة لغير الله شرك ؛
قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله(5) : ( وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب ) ؛
وقال(6) : ( فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفا وخلفا ) .
وسيأتي في كلام شيخ الإسلام ما يؤكد هذه الحقيقة ، حيث إنه في كثير من المواضع وهو يتكلم عن دعاء غير الله يذكر هذه الصورة التي هي محل البحث .
الثاني : إذا تقررت المقدمة الأولى ، فإن هذا السؤال والطلب ، داخل في عموم النصوص الدالة على النهي عن دعاء غير الله ، وأن من فعل ذلك فقد أشرك بربه ، كقوله تعالى : { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآءِهم غافلون ، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآءً وكانوا بعبادتهم كافرين } ، وقوله عز وجل : { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } .
الثالث : على تقرير أن دعاء العبادة ودعاء المسألة متلازمان ، وأن هذا السؤال والطلب من دعاء المسألة ، فعليه يكون طلبه من الميت كفراً وشركاً .
الرابع : أن حقيقة هذا السؤال والطلب ( الدعاء )، هو طلب شفاعة هذا المقبور عند الله لمن سأله الدعاء ، وهذه هي عقيدة المشركين ؛
يقول شيخ الإسلام رحمه الله(7) : (لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه والاستشفاع به طلب شفاعته والشفاعة دعاء ) ؛
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(8) : ( وكل من أعان غيره على أمر بقوله أو فعله فقد صار شفيعا له والشفاعة للمشفوع هذا أصلها فإن الشافع يشفع لصاحب الحاجة فيصير له شفعا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها ) ؛
قال مقيده :وهذه الأمور التي ذكرها ابن القيم - ويدخل فيها أيضاً طلب الدعاء – مشروع طلبها من الحي الحاضر القادر عليها ، أما الميت فلا يشرع سؤاله شيئاً ؛
ومما يوضح أن هذه الصورة من جنس الشفاعة الشركية ، أنه لو سئل لماذا تدعو المقبور أن يدعو لك ؟ لماذا لا تدعو الله مباشرة ؟ فلن يكون جوابه زائداً على قوله : أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ، ليشفع لي في ما أريد .
والشفاعة ملك لله تعالى ، ولا تكون إلا بشرطين : إذن الله للشافع أن يشفع ، ورضاه عن المشفوع فيه ، فمن سأل ميتاً أن يدعوا الله له أو نحو ذلك ، فقد سأل هذا الميت الشفاعة ، وسؤال الشفاعة على هذا النحو غير مأذون فيه شرعاً ، وعليه يكون السائل قد سأل ما لا يقدر عليه الميت ، وهذا هو الشرك ، وهو داخل في قوله تعالى عن المشركين : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }.
الخامس : أن هذا الداعي لم يسأل هذا الميت إلا لاعتقادٍ فيه أنه قادر على الفعل وإجابة من سأله ، وإلا لما قصده ، وهذا الاعتقاد شرك ؛
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله(9)، في القسم الثالث من أقسام دعاء المخلوق : ( أن تدعو مخلوقاً ميتاً ، لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة ، فهذا شرك أكبر أيضاً ، لأنه لا يدعو من كان هذا حاله حتى يعتقد أن له تصرفاً خفياً في الكون ).
السادس : أن من لازم هذا السؤال والطلب ( الدعاء ) أن يكون هذا السائل راغبا راجيا ، فيه من الذل والافتقار والخضوع بحسبه ، لا ينفك عن ذلك ، وهذه عبادات قلبية لا تصرف إلا لله وحده ، وصرفها لغير الله شرك أكبر ؛
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(10): ( فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب ، والعكوف بالهمة على الموتى ، بما لا يفعلونه في المساجد ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه ) ،
ويقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله(11): ( لا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب والخوف والطمع له ) .
السابع : يلزم على القول بأن هذه الصورة بدعة فقط ، لوازم باطلة ، منها : أن يطلب الحي – لا من الميت – بل من أحياءَ وهم الملائكة أن يدعوا الله له ؛
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(12): ( فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد ، وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته ، هو من هذا الجنس ، هم يفعلون ما أَذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد ، وإذا لم يشرع دعاء الملائكة ، لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة ، وإن كانوا يدعون ويشفعون ، لوجهين :
أحدهما : أن ما أمر الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم ، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم ، فلا فائدة في الطلب منهم .
الثاني : أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم ، ففيه هذه المفسدة ، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة ، فكيف ولا مصلحة فيه ، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم ، فإنه لا مفسدة فيه ، فإنهم ينهون عن الشرك بهم ) ،
وقال رحمه الله(13): ( قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء ، فقال الله تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي ، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ، ويتقربون إليّ كما تتقربون إليّ ، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون ، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم ، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم ، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء ، وإن وردت به آثار ، فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ، ولم يفعل ذلك أحد من السلف ، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله ، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته ، فإنه لا يفضي إلى الشرك ، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني ، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين ، بخلاف سؤال أحدهم في حياته ، فإنه يشرع إجابة السائل ، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم ) ؛
ومن اللوازم الباطلة أيضاً – وهي الطامة الكبرى - : أن يُسأل المقبور سؤالاً مباشراً على جهة الاستقلال ؛
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(14): ( والمقصود : أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر ، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده ، وأوقات السحر ، فإذا تقرر ذلك عنده ، نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به ، والإقسام على الله به ، وهذا أعظم من الذي قبله ؛ فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه ، أو يُسأل بأحد من خلقه ، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك ؛... فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به ، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه ، وأنجع في قضاء حاجته ؛ نقله درجة أخرى إلى دعائه بنفسه من دون الله ، ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثناً ، يعكف عليه ، ويوقد عليه القنديل ، ويعلق عليه الستور ، ويبني عليه المسجد ، ويعبده بالسجود له ، والطواف به ، وتقبيله واستلامه ، والحج إليه ، والذبح عنده ، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته ، واتخاذه عيداً ومنسكاً ، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ) .

 

(1) التوسل والوسيلة (160) ، ط : مكتبة الفرقان .
(2) صيانة الإنسان (238).
(3) تصحيح الدعاء (250).
(4) اقتضاء الصراط المستقيم (2/312).
(5) فتح المجيد (204) .
(6) الرجع السابق (206).
(7) التوسل (274).
(8) روضة المحبين (429) .
(9) القول المفيد(1/260).
(10) إغاثة اللهفان(1/370).
(11) الدرر السنية(11/11).
(12) التوسل (53-54).
(13) الفتاوى (1/331).
(14) إغاثة اللهفان (1/396-398).
 


التعليقات ( 0 )