• ×

المشرف العام

عدد أسماء الله

المشرف العام

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

عدد أسماء الله [1]

     الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله, وصحبه أجمعين.أما بعد:

     فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عظيم، في فضل إحصاء أسماء الله جل وعلا. وهو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِئَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)[2],  

     وقد شاع بين كثير من المسلمين، أن أسماء الله العليا، منحصرة في هذا العدد. وسبب هذا القول، الذي يكاد ألا يعرف أكثر المسلمين غيره - مع أن الحق خلافه – هو الفهم غير الصائب، لهذا الحديث. ولبيان الحق في هذه المسألة نقول :   

     لقد اختلف الناس في هذه المسألة على قولين :

القول الأول : أن أسماء الله وصفاته لا تحصر بعدد معين, بل لله أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده , لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل[3], وهذا قول سلف الأمة وعليه جماهير العلماء [4].

واستدلوا على ذلك بما يلي :

ا- حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما أصاب عبداً قط، هم، ولا غم، ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، وغمي، إلا أذهب الله همه، وغمه، وأبدله مكانه فرحا) قالوا: يا رسول الله، أفلا تتعلمهن ؟ قال: "بلى، ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن"[5]

     والشاهد من هذا الحديث قوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" فهو دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره [6]. وفي الحديث أن أسماء الله على ثلاثة أقسام  .

     وقد استشكل قوله صلى الله عليه وسلم: ( بكل اسم سميت به نفسك, أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك , أو استأثرت في علم الغيب عندك ) أنه جعل ما سمى به نفسه، قسيماً للأنواع الأخرى, وأجيب: العطف هنا ليس للتغاير، بل هو من باب عطف الخاص على العام. فإن قيل: المعهود من عطف الخاص على العام، أن يكون بالواو، دون سائر حروف العطف. قيل: المسوغ لذلك في الواو، هو تخصيص المعطوف بالذكر، لمرتبته من بين الجنس، واختصاصه بخاصة غيره منه، حتى كأنه غيره، أو إرادة لذكره مرتين، باسمه الخاص، وباللفظ العام. وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو، أو بأو، مع أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم، والتنويع، كما بني عليه تاما، فيقال سميت به نفسك، فإما أنزلته في كتابك، وأما علمته أحداً من خلقك[7].

2- ما ثبت في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول في سجوده:

(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)[8].

والشاهد من الحديث هو قوله: "لا أحصي ثناء عليك". وأما عن وجه الاستشهاد فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأخبر أنه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه). [9]

3- ويستدل كذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: ( فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن)[10]

قال ابن القيم رحمه الله: (وتلك المحامد هي تفي بأسمائه وصفاته )[11]

4- أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، أكثر من تسعة وتسعين .

      قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين) [12]. وقال محمد بن المرتضى اليماني: (وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي، أي التسعة والتسعون، بالضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك) [13].

القول الثاني : أن أسماء الله محصورة بعدد معين. واختلف أصحاب هذا القول في تحديد الرقم الذي يحدونه لأسماء الله  :

 ا- فمنهم من  يقول: إن أسماء الله ثلاثمائة فقط [14].

2- ومنهم من قال: إن لله ألف اسم [15]

3- ومنهم من قال: هي ألف وواحد [16].

4- ومنهم من يقول: إن لله أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمه إلا الله، وألف لا يعلمه إلا الله، والملائكة، وألف لا يعلمه إلا الله، والملائكة، والأنبياء، وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونه. فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم [17].

5- ومنهم من يقول: هي مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، عدد الأنبياء عليهم السلام، لأن كل نبي تمده حقيقة اسم خاص به مع إمداد بقية الأسماء له لتحققه بجميعها [18].

6- ومنهم من يقول: إن أسماء الله تسعة وتسعون فقط. وهذا قول ابن حزم [19].

     والجواب على ذلك: أما من قال: إنها ثلاثمائة، أو ألف، أو ألف وواحد، أو أربعة آلاف، أو مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، فهي أقوال ليست إلا مجرد دعوى لا دليل عليها[20] ، فلا يلتفت إليها. وقد حرم الله علينا أن نتقول عليه، أو أن نقفوا ما ليس لنا به علم، فقد قال تعالى: "وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ"[ الإسراء 36]، وقال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"[ الأعراف33].   

     وأما من قال: إنها تسعة وتسعون فقط. فهذا هو قول ابن حزم، وطائفة معه [21].

واستدلوا لقولهم بحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" [22], فهم احتجوا بالتأكيد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مائة إلا واحدا".

فقال ابن حزم: إنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور، لزم أن يكون له مائة اسم ، فيبطل قوله: "مائة إلا واحدا".

وقال: وصح أن أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين شيئاً، لقوله عليه السلام : "مائة! إلا واحدا" فنفى الزيادة وأبطلها [23].

الرد عليه: (هذا الذي قاله ليس بحجة، لأن الحصر المذكور عندهم هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى على أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد) [24]. والحديث لا يدل على الحصر، كما ذكره غير واحد من العلماء، وإليك بعض أقوالهم :

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصواب الذي عليه جمهور العلماء، أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين، من أسمائه، دخل الجنة، وليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسماً) [25]. وقال رحمه الله : "فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين. قالوا، ومنهم الخطابى، قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها.." التقييد بالعدد، عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء. فهذه الجملة، وهي قوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة للتسعة والتسعين، وليست جملة مبتدأة، ولكن موضعها النصب، ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف، والتقدير: إن لله أسماء بقدر هذا العدد، من أحصاها دخل الجنة. كما يقول القائل: إن لي مائة غلام، أعددتهم للعتق، وألف درهم، أعددتها للحج. فالتقييد بالعدد، هو في الموصوف بهذه الصفة، لا في أصل استحقاقه لذلك العدد، فإنه لم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون.

     قال: ويدلك على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في المسند: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" فهذا يدل على أن لله أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين.

     وأيضا فقوله: "إن لله تسعة وتسعين" تقييده بهذا العدد، بمنزلة قوله : (تِسْعَةَ عَشَرَ) [ المدثر20] فلما استقلوهم، قال: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَرَبِّكَ إِلَّا هُو)[ المدثر31]، فأن لا يعلم أسماءه إلا هو، أولى، وذلك أن هذا لوكان قد قيل منفرداً، لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد، الذي هو دون مفهوم الصفة. والنزاع فيه مشهور، وإن كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكر، بعد قيام المقتضي للعموم ، يفيد الاختصاص بالحكم، فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص، إن لم يكن للاختصاص بالحكم، وإلا كان تركاً لمقتضى بلا معارض، وذلك ممتنع. فقوله : "إن لله تسعة وتسعين" قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر، و (منها) ذكر أن إحصاءها يورث الجنة، فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة، وأتبعها بهذه منفردة لكان حسناً، فكيف، والأصل في الكلام الاتصال وعدم الانفصال ؟ فتكون الجملة الشرطية صفة لا ابتدائية. فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل) [26]. قال ابن القيم رحمه الله: قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" لا ينفي أن يكون له غيرها، والكلام جملة واحدة: أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال: لفلان مائة عبد، أعدهم للتجارة، وله مائة فرس، أعدهم للجهاد. وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن حزم، فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد" [27].

     وقال رحمه الله: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" فالكلام جملة واحدة، وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة لا خبر مستقل. والمعنى: له أسماء متعددة، من شأنها، أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها. وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد. فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد. وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" [28]

     وقال الخطابي: "في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد، وليس فيه منع ما عداها من الزيادة. وهو كقولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة، ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع، مائة ثوب" [29].

     وقال النووي: "اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة. فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء"  [30] .

     تنبيه : ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، سرد تسعة وتسعين اسماً لله، ربنا الكريم سبحانه، وسرد هذه الأسماء لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقد أطال العلماء الكلام في بيان ضعف ذكر هذه الأسماء, وخلاصة كلامهم في ذلك ما يلي :

هذه الروايات لها ثلاثة طرق، كلها لا تخلو من ضعف :

الطريق الأولى : طريق الوليد بن مسلم .   

وقد أخرجها كل من:

أ- الترمذي في سننه: (كتاب الدعوات، باب 83 ح3506/5/ 53، 531).

2- وابن حبان في صحيحه: (انظر: موارد الظمآن ح 2384)، (والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ح 858).

3- والحاكم في المستدرك: 1/ 16.

4- وابن منده في كتاب التوحيد: 2/205 .

5- والبيهقي في السنن الكبرى: 15/ 27، وفي الأسماء والصفات: ص 15-16، 

وفي الاعتقاد: ص 50.

6- والبغوي في شرح السنة: 5/ 32. وغيرهم.

كلهم من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، فهو الله الذي لا إله الرحيم، ... " الحديث .

وقد أعلت هذه الطريق بثلاث علل [31]:

العلة الأولى : الاضطراب في سنده , ومتنه. أما الاضطراب في سنده فقد اختلف فيه على الوليد بن مسلم , فأخرجه عثمان الدارمي , في (النقض على المريسي )  وأما جهة السند: فقال ابن حجر: "وقد اختلف في سنده على الوليد. فأخرجه عثمان الدارمي في "النقض على المريسي" [32] عن هشام بن عمار عن الوليد فقال: عن خليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره بدون التعيين.

(وعند الدارمي أيضا) [33]  قال الوليد وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك، وسرد الأسماء . وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من رواية أبي عامر القرشي، عن الوليد بن مسلم، بسند آخر فقال: حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال زهير: فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال: إن أولها أن تفتح بلا إله لا الله.. وسرد الأسماء[34].

     أما من جهة المتن: فقد وقع اختلاف في سرد الأسماء، وذلك بالزيادة والنقص, والإبدال , فبعض الأسماء تذكر في رواية , وفي الرواية الأخرى لا تذكر .  

العلة الثانية : التدليس , فالوليد بن مسلم، يدلس تدليس التسوية , وهذا النوع من التدليس يسمى عند المتقدمين (تجويداً) فيقولون: جوده فلان، يريدون: ذكر فيه من الأجواد، وحذف الأنياء، وسماه المتأخرون (تدليس التسوية)، وذلك أن المدلس الذي سمع الحديث من شيخه الثقة، عن ضعيف، عن ثقة، يسقط الضعيف من السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الإسناد كله ثقات. وهو شر أنواع التدليس وأفحشها، لأن شيخه، وهو الثقة الأول، ربما لا يكون معروفاً بالتدليس، فلا يحترز الواقف على السند عن عنعنة وأمثالها من الألفاظ المحتملة، التي لا يقبل مثلها من المدلسين. ويكون هذا المدلس الذي يحترز من تدليسه، قد أتى بلفظ السماع الصريح عن شيخه، فأمن بذلك من تدليسه، وفي ذلك غرر شديد. ولا يقال في مثل هذا النوع "قد صرح بالتحديث" إذ لابد من التصريح بالتحديث من قبل كل من فوق المدلس.  

واحتج البخاري، ومسلم بالوليد، ولكنهما ينتقيان حديثه ويتجنبان ما ينكر له [35].

     قال ابن الوزير: "الوليد مدلس، مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، وتعانى تدليس التسوية، فلا ينفع قوله: حدثنا، ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية، أنه قد سمع من شيخه شعيب، ثم أسقط شيخ شعيب، الذي بينه وبين أبي الزناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقط ضعيف، بل كذاب، فكيف يحسن الحديث مع هذا، مع أنه قد رواه الثقات، والحفاظ عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء "[36].

العلة الثالثة: احتمال الإدراج:

وهذه هي العلة الرئيسية في رد الحديث، فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مدرج في الحديث.

ويشهد لذلك ما يلي:

1- خلو أكثر الروايات عن هذا العد , ومنها الروايات التي في الصحيحين .

2- الاختلاف الشديد في سرد الأسماء، والزيادة، والنقص في تلك الروايات.

3- الفصل الذي وقع بين صدر الحديث، وسرد الأسماء، كما جاء التصريح به في بعض الطرق.

4- بعض تلك الأسماء ليست في القرآن، والسنة الصحيحة، مع أن بعض الروايات صرحت أن كلها في القرآن , وهذا خلاف الواقع، وخلاف الواقع كذب , والكذب لا يمكن أن يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي المقابل، هناك أسماء في القرآن والسنة، لم ترد في تلك الروايات .

     وقد جاء بين أحد الرواة، وهو زهير، الراوي عن موسى بن عقبة، عند أبي الشيخ ابن حبا ن, قال زهير: فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال: إن أولها أن تفتح بلا إله لا الله.. وسرد الأسماء [37], وهو عند ابن ماجه كما سيأتي  .

 الطريق الثانية: طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني:

وقد أخرجها ابن ماجه في سننه، أبواب الدعاء، باب أسماء الله عر وجل (ح 3957- 2/ 347) قال: حدثنا هشام بن عمارة، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، إنه وتر يحب الوتر، من حفظها دخل الجنة. الله، الواحد، الصمد، الأول، الآخر..." الحديث .  

وأخرجه أبو نعيم في جزئه برقم (20)، وابن حجر في جزئه رقم (36) و (37)، وعزاه ابن حجر في الفتح (11/ 215) لابن أبي عاصم والحاكم من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد به.

الطريق الثالثة :طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عند ابن ماجه [38].

في إسناد الحديث، هشام بن عمار ثقة، ولكنه لما كبر صار يتلقن، وعبد الملك لين الحديث، وزهير بن محمد له مناكير،، قد ضعف برواية أهل الشام عنه، لأنها غير مستقيمة، وهذه من روايتهم عنه، ومنهم من ضعفه مطلقاً، قال البوصيري في الزوائد: "إسناد طريق ابن ماجه ضعيفة، لضعف عبد الملك بن محمد" [39].

ب- طريق عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان:

قال الحاكم: "عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه" [40]. فتعقبه الذهبي في تلخيصه بقوله: "بل ضعفوه" [41]. وقد ذكر من ضعفه في ميزان الاعتدال حيث قال: "قال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين" [42]. ونقل ابن حجر في اللسان تضعيفه عن أبي داود، وأبي القاسم البغوي، وأبي أحمد الحاكم، وأبي زرعة الدمشقي، وأبي مسهر، وقال في خاتمة ترجمته: "قلت: وأعجب من كل ما تقدم، أن الحاكم أخرج له في المستدرك، وقال: إنه ثقة [43] وقال ابن حجر: "قال الحاكم بعد أن أخرج رواية عبد العزيز بن الحصين"عبد العزيز ثقة، وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدا للحديث الأول" [44] وفي كلامه مناقشات :

الأولى: جزمه بأن عبد العزيز ثقة، مخالفة لمن قبله، فقد ضعفه يحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم، وغيرهم، حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.

الثانية: شرط الشاهد أن يكون موافقاً في المعنى، وهذا شديد المخالفة في كثير من الأسماء.

والثالثة: جزمه بأنها كلها في القرآن، ليس كذلك، فإن بعضها لم يرد في القرآن أصلا، وبعضها لم يرد بذكر الاسم [45].

والأمر الأهم في ذلك أن سرد هذه الأسماء هو إدراج من بعض الرواة, كما ورد مصرحاً به في بعض الطرق, وعليه فلا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم .


المراجع



التعليقات ( 0 )