• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والتاريخ

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن (التاريخ) هو تراكمات الماضي البشري، على مستوى الأفراد والأمم . وقبل أن يكون التاريخ مدونة وصفية للنشاط البشري، هو دروس وعبر، وخطة ومنهاج . والعناية به حفظاً، وتوثيقاً، وسبراً، وتقسيماً، محل اهتمام المؤرخين من مختلف الشعوب. وقد ظهرت تقسيمات متعددة لمراحل التاريخ مؤسسة على نظرات شتى :
1- فاليهود يبصرون التاريخ من خلال العهود التي قطعها الرب لإبراهيم لبني إسرائيل، شعب الله المختار !
2- والكنيسة تبصر التاريخ والجغرافيا، أيضاً، من زاوية رصد خاصة تتعلق بشخص يسوع المخلص !
3- والشيوعيون بنظرون إلى التاريخ البشري نظرة مادية، إلحادية، مجردة بوصفه ( تاريخ البحث عن الطعام ) !
4- والعَلمانيون الدنيويون يكتبون التاريخ بوصفه الحضاري ؛ السياسي، العمراني، التراثي، ويقسمونه تقسيماً زمنياً إلى عصور متعاقبة؛ القديم، والوسيط، والحديث ، وحضارات متنوعة؛ فرعونية، وبابلية، وفينيقية، ويونانية، ورومانية، الخ .. وهو الأسلوب السائد في دراسة التاريخ اليوم .
فما هي النظرة العقدية تجاه التاريخ ؟ وكيف أبصر مؤرخو الإسلام تراث البشرية ؟
لقد أولى القرآن العظيم التجارب البشرية السابقة عناية فائقة، وأحال عليها، لا على سبيل المتعة الذهنية، والحكايات المروية، وإنما لاستخلاص العبر، والحذر من تكرار أخطاء من غبر . وفي هذا نقرأ آيات محكمات ، مثل :
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) الأنعام : (11)
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) النمل :(69)
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) الروم : (69)
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) التوبة : (69)
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) إبراهيم (9)
إن تاريخ البشرية في المنظور الإيماني هو تاريخ الإيمان، تاريخ الرسل مع الأقوام، تاريخ الصراع بين الحق والباطل . فلا غرو أن يكون التاريخ الحق مرسوماً على هذا النسق، فإن الله تعالى إنما خلق الخلق، وسخر لهم ما في السماوات والأرض ، ليعبدوه، ويوحدوه، فكلما حادت البشرية عن هذا الصراط بعث الله رسولاً يردهم إلى الجادة، ويقيم عليهم الحجة، ويوضح لهم المحجة . كما قال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة : (213)
ونتيجة لهذا الحس الإيماني رتب مؤرخو الإسلام تاريخ البشرية على ترتيب الأنبياء، لأن العقيدة متن الحياة، وروحها، وجوهرها. وأهل العقيدة الحقة من كل جيل وقبيل، الذين هم الرسل و أتباعهم ، هم الجديرون بالاحتفاء والتقديم، وأعداؤهم من الكفار والمشركين، هم الحقيقون بالإدانة والتجريم .
إن تجريد التاريخ من العقيدة، وحسبانه تموجات بشرية، كحركة القطعان الحيوانية، إساءة عظيمة لجنس الإنسان، وقراءة مبتسرة لحقيقة دوافعه ، وحرمان للأجيال من الاستبصار والاعتبار الذي يثمر صواب الاختيار .


التعليقات ( 0 )