• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والحج (3)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
تعظيم شعائر الله وحرماته
قال تعالى في سياق آيات الحج : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) الحج:30، ثم قال:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)الحج :32 قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ، رحمه الله : ( حرمات الله : كل ما له حرمةٌ ، وأمر باحترامه من عبادةٍ أو غيرها ؛ كالمناسك كلها ، وكالحرم والإحرام ، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها؛ فتعظيمها إجلالاً بالقلب ، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها ، غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل ) ثم قال : ( المراد بالشعائر : أعلام الدين الظاهرة ، ومنها : المناسك كلها؛ كما قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، ومنها : الهدايا والقربان للبيت ... ومنها : الهدايا ؛ فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكمَّلة من كل وجه . فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب ؛ فالمعظم لها يبرهن على تقواه ، وصحة إيمانه ؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله ) تيسير الكريم الرحمن : 3/ 1098-1099
إن هذا الحس الإيماني المرهف ، الذي يستقرئ المعاني من وراء الصور والأعيان في مناسك الحج وشعائره، ينبغي أن يستصحبه المؤمن في سائر شعائر الله الزمانية والمكانية؛ فيعظم ما عظم الله ، ويهون ما هون الله ، ويقدم ما قدم الله ، ويؤخر ما أخر الله ، وتستقيم مشاعره مع شعائر الله ،ويكون هواه تبعاً لما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم.
وكثير من الحجاج ينهمك في في أداء المناسك الظاهرة ؛ من طواف، وسعي، ورمي وغيرها، دون أن يصاحب ذلك تعظيم باطني لشعائر الله ، فلهذا يتشاغل برؤية الغادي والرائح ، ويبدو عليه الفتور والملل، ويبحث عن شواذ الرخص، بخلاف من عمر قلبه بجلالة الموقف، ولذة العبادة. وهذا ينسحب على بقية شرائع الدين .

 

 
الولاء والبراء
عجباً لهذا الدين العظيم ! كيف ينشئ في نفوس معتنقيه وحدةً فريدة، ولحمةً متينة، وانتماءً عميقاً، يتخطى الحواجز المكانية والزمانية، ويتسامى على الفروق العرقية والاجتماعية، ويتجاوز الخلافات السياسية والمادية، ويصهر التنوعات اللغوية والثقافية، لمختلف الشعوب والقبائل في نهر كبير مطرد، اسمه ( الأمة الإسلامية ) !
حين يلفظ العربي الفصيح، والأعجمي بلكنته : (لا إله إلا الله.محمد رسول الله) !
وحين تصطف صفوف الصلوات الخمس خلف إمام واحد، يصلون لرب واحد !
وحين يقتطع المسلم الغني زكاة ماله ليرفد بها إخوانه الفقراء في أصقاع الأرض !
وحين يمسك أكثر من مليار من البشر عن الأكل والشرب، في شهر واحد !
وحين تبعث كل أمة بوفدها إلى بلدٍ واحد، في شهرٍ واحد، لأداء نسكٍ واحد، على صعيد واحد، لباسهم واحد، يلبون لرب واحد، نبيهم واحد، وكتابهم واحد !
حين يفعلون ذلك ، يتجلى بشكل واضح أحد مقاصد الدين العظام ، ألا وهو تحقيق الموالاة بين المؤمنين ، وشعورهم برابطة الأخوة الإيمانية التي تجتاح جميع الروابط ، وتذيب جميع الفوارق . قال تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) المائدة :55- 56، وقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) التوبة : 71. وهذه الموالاة تفرض حقوقاً وحرمات على أعضاء الجسد الواحد، ولبنات البنيان الواحد، جسدها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفات، وبين يديه مائة ألف أو يزيدون، حين قال : ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) رواه مسلم.
وبإزاء هذه الموالاة، ومن لازمها ومقتضاها : البراءة من الكفار على اختلاف أصنافهم ومللهم . وقد كان موسم الحج الميدان المناسب لإعلان تلك البراءة، زماناً ومكاناً، حيث أنزل الله تعالى صدر سورة براءة : (( برَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) التوبة : 1-3 . وعن أبي هريرة، رضي الله عنه ، قال : ( بعثني أبو بكر، رضي الله عنه ، تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر، يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) رواه البخاري
وقد تضمنت حجة النبي صلى الله عليه وسلم العديد من شواهد البراءة من المشركين، ومخالفة هديهم :
1- في التلبية : كانوا يقولون : ( لبيك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، ملكته وما ملك ) فأهل بالتوحيد .
2- الجواز إلى عرفة : مخالفةً لمشركي قريش الذين كانوا يقولون : نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه .
3- الدفع من عرفة بعد مغيب الشمس، وذهاب الصفرة ، خلافاً للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال .
4- الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس ، خلافاً للمشركين الذين كانوا يقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، لجبلٍ في المزدلفة تشرق عليه الشمس .
قال ابن القيم، رحمه الله : ( استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين، لا سيما في المناسك ) تهذيب سنن أبي داود : 3/309
وقد قرر هذه البراءة من الجاهلية وأهلها في خطبة عرفة حين قال : ( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ... وربا الجاهلية موضوع ...وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به كتابَ الله) رواه مسلم.
إن الدرس العظيم الذي ينبغي أن يرجع به كل حاج أن يشعر أنه من أمة مصطفاة خُيِّرت على سائر الأمم ، وهُديت لأفضل السبل ، وأنْ ليس ثمَّ إلا إسلام أو جاهلية ، هدىً أو ضلالة ، حزب الله ، أو حزب الشيطان ، صبغة الله ، أو صبغة الذين لا يعلمون ! (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) البقرة : 138، ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة :50
وهذه الأمة، وإن بدت متخلفةً مادياً وعسكرياً، بسبب تقصير أهلها بالأخذ بأسباب القوة والإعداد، إلا إنها تؤي إلى ركن شديد من العقائد، والشرائع، والأخلاق، ما أن يأذن الله بالفتح والفرج، حتى تعود لخيريتها، وتؤدي دورها الذي أكرمها الله به ، قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) آل عمران : 110، فلا ينبغي للمؤمن أن يهون، ولا يحزن، مهما بلغ الحال من الهزيمة الظاهرية : ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران : 139
وما أحرى الأمة، بجميع فئاتها وتخصصاتها، أن تتخذ من موسم الحج موسماً للتلاقي، والتباحث في مصالحها المختلفة؛ فتعقد المؤتمرات السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والاجتماعية، في موسم الحج، ويتكرر ذلك كل عام، إذاً لانحلت مشكلات كثيرة، وتذللت صعاب جمة، وبدت الأمة أمام خصومها قويةً متماسكة .


التعليقات ( 0 )