• ×

يوسف الزين

مدائن صالح عليه السلام وجوانب من العظات فيها (1)

يوسف الزين

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين:
سبق في حلقات مضت الكلام حول جوانب من الخطاب الدعوي لنبي الله صالح من الخطاب الدعوي لنبي الله صالح عليه السلام ، وكان من ذلك ما يتعلق بالتذكير بنعم الله تعالى عليهم ، والملاحظ أن صالحاً عليه السلام قد ذكر القوم بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، وهو مسلك نبوي سلكه موح وهود عليهما السلام ولهذا الأسلوب الدعوي أثر بالغ على المدعوين، وقد ذكر صالح عليه السلام لقومه عدداً من النعم التي أنعم الله بها عليهم، وهي في المقابل تدل أن القوم كانوا على مستو عال من الحضارة حيث برز في حياتهم جانبان مهمان:
 
الأول: التشييد والمباني يقول الله تعالى: }وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ { الأعراف 74 وقال عز وجل: }وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ{ الشعراء 149 وقال تعالى: }وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ{ الفجر 9 ويتضح من الآيات أن لهم أنواعاً متعددة من البيوت، فهناك البيوت المنحوتة في الجبال وهناك القصور التي تكون في السهول، قال ابن كثير رحمه الله: وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر ( الطين ) فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال
" البداية والنهاية " ( 1/159 ) وقال في تفسير قوله تعالى: }وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ{ قال ابن عباس وغير واحد يعني حاذقين، وفي رواية عنه شرهين أشرين وهو اختيار مجاهد وجماعة ولا منافاة بينهما فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشراً وبطراً من غير حاجة إلى سكناها وكانوا حاذقين متقنين لنحتها كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم ( التفسير 6/2592 )
وقال ابن عاشور: ومحل الامتنان هو أن جعل منازلهم قسمين: قسم صالح للبناء فيه، وقسم صالح لنحت البيوت فيه، قيل: كانوا يسكنون في الصيف القصور، وفي الشتاء البيوت المنحوتة في الجبال ( التحرير والتنوير 5/211 )
 
والملحوظات أن الجبال التي كانوا يتخذونها مساكن وينحتونها قابلة للنحت وليست صخوراً صماء، وهذا ما ذكره.
 
 
 
 
الزائرون لمدائن صالح
وفي كونها قابلة للنحت من الامتنان ما فيه فلو كانت صخوراً صماء لم يقدروا على نحتها، ولعلك لاحظت أخي القارئ أن ابن كثير وابن عاشور لم يتفقا على قول بشأن البيوت وكيفية انتفاع قوم ثمود بها، وحتى علماء الآثار لم يتفقوا على شيء محدد فيما يتعلق بذلك، وهل كانت المنحوتات عبارة عن بيوت أو قبور لكن حسبنا أن نقف مع النص القرآني }تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً{ وهذا المذكور لا يحصل لكل أحد خصوصاً عرب الجزيرة العربية وهي المنطقة الصحراوية التي تقل فيها مقومات الحضارة مع كون أغلب سكانها بدو رحل، وإذا علمت ذلك أخي القارئ الكريم، وعلمت صعوبة أمر البناء وما هو أصعب منه وهو النحت أدركت عظيم النعمة التي امتن الله بها على قوم ثمود أضف إلى ذلك الجانب الثاني الذي ذكرهم به صالح عليه السلام وهو:
 
الثاني: عنصر الزراعة المتمثل في البساتين والزروع والجنان كما في قوله تعالى }أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ{ الشعراء. وتوحي كلمة }هَضِيمٌ { بأن ثمار النخيل كانت مغذية سهلة للهضم، وكلمة } جَنَّاتٍ{ تشير إلى الرفاهية والسعادة التي كان يتمتع بها أولئك القوم
( السياحة ومعالم الدعوة في المواقع السياحية. د. علي الأحمد- مكتبة الرشد )
 
قال ابن باديس رحمه الله في سياق حديثه على حضارة العرب معلقاً على الآيات الواردة في سورة الشعراء }أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ { الآيات.
أما المغزى الذي سيقت هذه الآيات لأجله فهو الإنكار عليهم: كيف يستعينون بنعم الله التي يسرها لهم على الكفر به، وإنذارهم أن الكفر بها وبمؤتيها سيكون سبباً في زوالها، وفي ضمن هذا عرفنا حالتهم التي كانوا عليها في تعمير الأرض وهي حالة أمة بلغت النهاية في الحضارة المادية وفنونها من زرع الأرض وتلوينها بأصناف الشجر منظمة، وتقسيم المياه على تلك الغروس إلى ما يستلزم كل ذلك من علم بحال الأرض وطبائعها وأحوال الأشجار المغترسة وطبائعها، وأحوال الفصول الزمنية وأحوال الجو، وأحوال التلقيح والآبار والجني، وعلم بأصناف التمتع من مناظر ، ومجالس ومقامات ومآكل، ثم القيام على حفظ ذلك العمران من إفساد الأيدي السارقة، وكل هذا مما يستلزمه وصف القرآن لحالهم لأجل تذكيرهم والتذكير بهم، وقد ذكرهم القرآن في مواضع بإتقانهم لنحت الحجر والشجر آيتا الحضارة المبصرتان، ومن يعرف الحضارة الرومانية بهذا الوطن- الجزائر – يعرف أنها ما قامت إلا على نحت الحجر وغرس الشجر، وإن نحت الحجر ليستدعي حاسة فنية خاصة، ويستدعي مع ذلك قوة بدنية، وقد نعتهم القرآن في نحتهم للحجر بحالة ملابسة فوصفهم مرة بأنهم " آمنون " ومرة بأنهم
" فرهون" والفاره هو الذي يعمل بنشاط وخفة، ولا يأتيه ذلك إلا من خبرته بما يعمل وعلمه بدقائقه واعتياده له. ( تفسير ابن باديس ص397- دار الكتب العلمية ط1/1416هـ).
أخي القارئ الكريم: هذه جملة من النعم التي عرضها صالح عليه السلام على قومه وأمرهم أن يتذكروها كما قال تعالى: }فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ{ وينبغي للداعية والمربي حيال النعم عدة أمور:
1-       الشكر بالقول والفعل، يقول تعالى: }وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ{ وقال عز وجل: }اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ{ وماذا يملك المخلوق الإنساني المحدود الطاقة من الشكر على آلاء الله وهي غير محدودة؟ }وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا{ وهذه النعم تغمر الإنسان من فوقه ومن تحت قدميه وعن أيمانه وعن شمائله، وتكمن فيه هو ذاته وتفيض منه، وهو ذاته إحدى هذه الآلاء الضخام. ( سيد قطب – في ظلال القرآن 5/2899)
2-       ينبغي على الداعية والمربي التذكير بالنعم بشكل مستمر كما هو أسلوب القرآن ولا مانع من التفصيل الدقيق تأمل } وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ {  وقال تعالى:
}فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ.أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً.ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً. فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً. وَحَدَائِقَ غُلْباً. وَفَاكِهَةً وَأَبّاً. مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ{.
3-       يقول تعالى: }وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا{. فقد نتمكن من عد بعض النعم لكن لا يمكنك إحصاؤها وحصرها كلها، وهذا من بلاغة القرآن والتعبير الدارج بين الناس: نعم الله لا تعد ولا تحصى، فلاحظ أخي الفرق بين القرآني وتعبير الناس، يقول ابن سعدي رحمه لله: }وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ{ - عدداً مجرداً عن الشكر }لاَ تُحْصُوهَا  {فضلاً عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات من جميع أصناف النعم مما يعرف العباد ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى }إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ يرضى منكم اليسير مع الشكر مع إنعامه الكثير.
 
 
 
 
وإذا نظرت تريد معتبرا      فانظر إليك ففيك معتبر
أنت الذي يمسي ويصبح     في  الدنيا وكل أموره عبر
أنت المصرف كان في صغر    ثم استقل بشخصك الكبر
أنت الذي تنعاه خلقته         ينعاه منه الشعر والبشر
أنت الذي تعطى وتسلب     لاينجيه من أن يسلب الحذر
أنت الذي لا شيء منه له     وأحق منه بماله القدر
( تفسير ابن كثير سورة فصلت
الآية 52-54   7/3112 )
 
 
هذا أخي القارئ الكريم شيء مما يتعلق بالنعم، وشيء مما يتعلق بما سلكه نبي الله صالح عليه السلام في تذكير قومه ودعوتهم إلى الله عز وجل من خلال تذكيرهم بنعم الله عليهم وما في ذلك من العظات والعبر وأرجو الله أن ييسر بمنه وكرمه ما يتعلق بناقة الله في القصة في مقال قادم بإذن الله } ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وأن نعمل صالحاً ترضاه وأصلح لنا في ذرياتنا إنا تبنا إليك وإنا من المسلمين { والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


التعليقات ( 0 )