يوسف الزين

(فأرسلنا عليهم ريحا صرصراً)

يوسف الزين

 0  0  2.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد 
     سبق في حلقات مضت الحديث عن الشبهات التي عارض بها قوم عاد نبيهم هوداً عليه السلام وفي هذه الحلقة وما يتلوها أتعرض بإذن الله لنهاية القصة وما جرى للقوم بسبب كفرهم وتكذيبهم.
     أولاً: قال الله تعالى عن هود عليه السلام والمؤمنين معه: (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) [الأعراف : 72] (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [هود : 58] تأمل أخي القارئ الكريم انجى الله هوداً عليه السلام والمؤمنين معه من ريح صرصر عاتية تدمر كل شيء بأمر ربها انجاهم عز وجل برحمة منه وقطع دابر المكذبين إنها رحمة الله بعباده المؤمنين الصادقين فتأمل هذا أخي الكريم وسل الله أن يرحم هذه الأمة برحمته الواسعة والتي قال عنها عز وجل (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف : 156] 
     ثانياً: ذكر الله تعالى كيفية تعذيبه لقوم عاد في عدة مواضع من كتابه مجملا ومفصلاً وسوف اكتفي بمواضع التفصيل وهي ما جاء في سورة فصلت (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) [فصلت : 16] وفي سورة الأحقاف (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) [الأحقاف : 24-25] وفي سورة القمر (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ) [القمر : 21-20] وفي سورة الحاقة (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً * فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة : 6-8] 
     وفي هذه الآيات وصف دقيق للعذاب ومدته وحالهم بعد نزوله بهم والعذاب هو الريح الصرصر العاتية وهي الباردة الشديدة البرد وقوله (عَاتِيَةٍ) أي عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة [ابن كثير-التفسير: القمر، الحاقة] وجاء وصفها في موضع آخر بالعقيم (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) [الذاريات : 41] وهي التي لا خير فيها لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر [الجلالين] وجاء في وصفها أيضا (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً) [العنكبوت : 40] والحاصب الريح التي فيها حصباء [الجلالين] والحصباء حجارة صغيرة.
     وأما مدتها فهي (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) [الحاقة : 7] ومعنى حسوما أي متتابعات كما نقله ابن كثير رحمه الله عن جمع من السلف [ابن كثير-التفسير، الحاقة] وجاء وصف هذه الأيام بالنحس وأنها نحسات يقول ابن القيم رحمه الله معلقا: فلا ريب أن الأيام التي أوقع الله فيها سبحانه العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم لأن النحس أصابهم فيها، وإن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين فهي نحسن على المكذبين سعد للمؤمنين وهذا كيوم القيامة فإنه عسير على الكافرين يوم نحس لهم يسير على المؤمنين يوم سعد لهم [بدائع التفسير 4/96] وما ظنك أخي القارئ الكريم بريح شديدة الهبوب شديدة البرد تستمر سبع ليال وثمانية أيام ما الذي يمكن أن تصنعه؟ وهذا ما سأتكلم عنه في الفقرة التالية.
     وصف الله الحال عند نزول العذاب فقال: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [الأحقاف : 25] قال ابن القيم رحمه الله: أي كل شيء يقبل التدمير ومن شأن الريح أن تدمره ونظائره كثيرة (بدائع التفسير 5/155) ويقول سيد قطب رحمه الله : والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس ، فهذا الوجود حي وكل قوة من قواه واعيه وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه [في ظلال القرآن-الأحقاف]

     ووصف الحال بعده فقال تعالى (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) [الأحقاف : 25] يقول سيد قطب رحمه الله : وقد أدت الريح ما أمرت به، فدمرت كل شيء (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة لا ديار فيها ولا نافخ نار [في ظلال القرآن-الأحقاف] وقال تعالى في سورة الذاريات عن  (مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات : 42] أي كالبالي المتفتت [الجلالين-الذاريات]
     وأما حال المكذبين المستهترين أنفسهم وحالهم بعد نزول العذاب فقد جاء دقيقا مفصلاً (تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ) [القمر : 20] وهو تشبيه بليغ لحال أولئك العتاة الطغاة الذين يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع ويقولون (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت : 15] والحقيقة أنني وقفت مشدوها أمام هذا الوصف البليغ المؤثر ولعلي أجمل لك بعض ما وقفت عليه ملخصا من كلام الراغب الأصفهاني، فقد عبر الله تعالى بالنزع فقال (تَنزِعُ النَّاسَ) ونزع الشيء جذبه من مقره كنزع القوس عن كبده وقيل فيه: تقلع الناس من مقرهم لشدة هبوبها (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ) عجز الإنسان مؤخره وبه شبه مؤخر غيره قال تعالى (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ) وقوله (مُّنقَعِرٍ) قعر الشيء نهاية اسفله وقوله (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ) أي ذاهب في قعر الأرض وقال بعضهم: انقعرت الشجرة: انقلعت من قعرها  وأراد تعالى أن هؤلاء اجتثوا كما اجتث النخل الذاهب في قعر الأرض فلم يبق لهم رسم ولا أثر [مفردات الراغب] فياله من تشبيه ما أبلغه وأعظمه ونعوذ بالله من حال كهذا الحال وللحديث صلة بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.


التعليقات ( 0 )