• ×

يوسف الزين

قوم هود عليه السلام (الخاتمة)

يوسف الزين

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
قال الله تعالى (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ ) [الأحقاف : 26]
هذه الآيات كانت ختام قصة عاد الواردة في سورة الأحقاف وفيها من المعاني والعظات للدعاة ما يحسن الوقوف عليه تدبره من ذلك :
أولا : قوله تعالى (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ ) أعطاهم الله هذه الحواس ومكنهم في الأرض لا ليتفاخروا ولا ليعرضوا بها عن الحق بل ليتدبروا بها لأنها إنما خلقت لذلك وقد هدد الله عز وجل الذين لا يستعملون هذه الحواس فيما خلقت له من تدبر الحق وسماعه فقال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف : 179]
وذكر الله هذه الحواس الثلاثة مقترنة في عدة مواضع من كتابه الكريم عددت منها تسعة مواضع وفيها هذا ما يؤكد أهمية العناية بهذه الحواس، خصوصا وأنها المنفذ التي ينفذ منها العلم للإنسان وبها يتعلم ما ينفعه في دينه ودنياه .
يقول الله تعالى (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل : 78] يقول الشيخ السعدي رحمه الله معلقا : خص هذه الأعضاء الثلاثة لشرفها وفضلها لأنها مفتاح لكل علم فلا يصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة، وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الحالة اللائقة به وذلك لأجل أن يشكروا الله باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله فمن استعملها في غير كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المعاملة .
وقال أيضا في قوله تعالى (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) [الملك : 23] وهذه الثلاثة هي أفضل أعضاء البدن وأكمل القوى الجسمانية .
قال الله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء : 36] يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله معلقا : إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب . أمانة يسأل عنها صاحبها ، وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعاً . أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة ، وكلما روى الإنسان رواية ، وكلما أصدر حكماً على شخص أو أمر أو حادثة . { ولا تقف ما ليس لك به علم } . . ولا تتبع ما لا تعلمه علم اليقين ، وما لم تتثبت من صحته: من قول يقال ورواية تروى . من ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل . ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية . [في ظلال القرآن 4/227]
أخي الكريم يستفاد مما سبق عدة أمور :
1-أن التذكير بالنعم منهج سلكه القرآن كما اتبعه أنبياء الله الكرام عليهم السلام وينبغي على الدعاة سلوكه أيضا واقتراح لذلك مسلكين :
     الأول : التذكير بأن هذه النعم الثلاثة من أجل النعم وأعظم الحواس، وأجلها القلب ولذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم صلاح الجسد مرتبطا بصلاحه فقال (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) [متفق عليه] وجعل الله عز وجل الجنة جزاء لمن فقد عينيه وصبر على ذلك ففي الحديث القدسي إن الله قال (إذا ابتليت عبدي بقف حبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة) [رواه البخاري] قال الراوي : يريد عينيه . والنصوص في منزلة ومكانة النعم كثيرة .
      الثاني : التذكير بعظمة ثواب من حفظ هذه الحواس خصوصا كما في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فاقرؤوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [رواه البخاري] فالجزاء من جنس العمل فمن حفظ قلبه وسمعه وبصره في الدنيا عن المحرمات تمتع بها أعظم التمتع في الجنات، نسأل الله الكريم من فضله .
2-أن يعتني الدعاة والمربون والموجهون بهذه الحواس وخصوصا قلوبهم ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) [رواه مسلم]
قال النووي رحمه الله ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن في الجسد مضغة). [شرح مسلم 16/357] وقد نبه الشيخ ناصر الدين الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين على خطأ شائع وهو الاكتفاء بكلمة قلوبكم دون أعمالكم من أنها ثابتة في صحيح مسلم وينبني على ذلك فهم خاطئ وأنه لا عبرة بالعمل وليس هذا مراد من الحديث بل المراد أن النظر يكون للقلوب والأعمال ويفيد حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الجوارح مربوطة بصلاح القلب فإذا صلح القلب صلحت الجوارح. وإذا فسد القلب فسدت الجوارح وهذا يدعو العاملين لهذا الدين من الدعاة والمربين إلى العناية بغذاء قلوبهم عناية فائقة وألا يدخلوا عليها ما يكون سببا في ضعفها أو فسادها وإذا حصل ذلك فيبادروا إلى عاجها بالتوبة النصوح ومغذيات القلوب من الذكر والتلاوة وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ... الخ
وصدق الشاعر حين قال
إن العقيدة في قلوب رجالها *** من ذرة أقوى وألف مهند.
ثانيا : قوله تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[الأحقاف : 27] ويؤخذ من هذه الآية فائدة نفسية أشار إليها الشيخ السعدي رحه الله وخلاصتها : أن تذكير الناس بما هو أقرب لعقولهم وإدراكهم هو المطلوب فقد ذكر الله تعالى قريشا بقوم عاد وهم قريبون منهم كما ذكرهم بقوم ثمود وفرعون وقوم لوط وكل هذه الأمم أهلكها الله بذنوبها ومساكنهم على طريق كفار قريش التجاري أو قد بلغتهم أخبارهم. يقول رحمه الله والمذكر والمعلم إذا سلك هذا الطريق اجتهد في إيصال العلم والخير إلى الناس بالوسائل التي يفهمونها ولا ينفرون منها أو تكون أقرب لإقامة الحجة عليهم، نفع وانتفع . [قصص الأنبياء 47]

 
النبي صلى الله عليه وسلم وقوم عاد
تقول عائشة رضي الله عنها (كان رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا رَأى مَخِيلَة فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ، فَإِذا أمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عنه، فَعرَّفَتهُ عائشةُ ذلك ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَما أدْري ؟ لَعله كما قال قومٌ : {فَلَمَّا رَأْوهُ عَارِضا مُستَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قَالوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا})
وفي رواية قالت (فَكَانَ إِذَا رَأى غَيْما عُرِفَ فِي وَجْهِهِ ، قالت: يا رسول الله ، النَّاسُ إذا رَأوا الغَيمَ فَرِحُوا ، رَجَاءَ أنْ يَكُونَ فيه المطرُ ، وَأراكَ إذا رَأيتَ غَيْما عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكرَاهِيَةُ؟ فقال : يا عائشةُ ، وَمَا يُؤمِّنُني أنْ يكونَ فِيه عَذَابٌ ؟ قد عُذِّبَ قومٌ بالرِّيحِ ، وقد رَأى قومٌ العذاب ، فقالوا : {هَذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}) [رواه البخاري]
وعنها رضي الله عنها قالت (كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قال : اللَّهُمَّ إني أَسأَلُكَ خَيرَها، وَخَيرَ مَا فيها ، وَخَيْرَ مَا أُرسِلَتْ بِهِ ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا ، وَشَرِّ ما فيها ، وشَرِّ ما أُرسِلتْ بِه ، وَإذا تَخَيَّلتِ السماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ ، وَخَرَجَ ودَخَلَ ، وَأقْبَلَ وَأدبَرَ ، فَإِذَا أمَطَرَت سُرِّي عنه ، فَعَرَفَتْ ذلك عائشةُ ، فَسألَتْهُ ؟ فقال : لَعَلَّهُ يا عَائِشَةُ كما قال قَوْمُ عَادٍ : {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضا مُستَقْبِلَ أوديَتِهِمْ قَالُوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرنَا}) [رواه مسلم] .
وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يذكر عذاب قوم عاد ويخاف أن تكون الريح إذا عصفت عذابا يسلط على أمته كما جاء مصرحا به في رواية مسلم رحمه الله وفي هذا عظة عظيمة يقول الإمام النووي رحمه الله "فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه وكان خوفه صلى الله عليه و سلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف" [شرح مسلم 6/449]
ويؤخذ من الحديث مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك الفعل ، وهذا الذي ذكرته رضي الله عنها انفعال حقيقي وليس متكلفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لما قام في قلبه من تعظيم الله عز وجل والخوف منه سبحانه وبحمده.
وكان صلى الله عليه وسلم يذكر الريح ونصرها للمؤمنين وإهلاكها للعصاة المتجبرين فيقول صلى الله عليه وسلم (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبو) [متفق عليه]
والصبا: بفتح الصاد الريح الشرقية
والدبور: بفتح الدال الريح الغربية.
اللهم كما نصرت نبينا صلى الله عليه وسلم وأهلكت عادا بجند من جندك انصر المجاهدين في كل مكان وأرحم المستضعفين واجعل لهم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية.
وبهذا أتختم هذه الحلقات حول قصة هود عليه وعلى جميع أنبياء الله أفضل الصلاة وأتم التسليم والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.


التعليقات ( 0 )