• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والحج (1)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن الحمد لله ، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد :
فإن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام ، ومبانيه العظام . فرضه الله على عباده مرةً في العمر، من استطاع إليه سبيلاً، لا ليستكثر بهم من قلة ، ولا ليستعز بهم من ذلة ، فهو الغني الحميد ؛ من أطاعه فقد رشد ، ومن كفر فلن يضر إلا نفسه ، ولن يضر الله شيئاً . قال تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ) آل عمران : 97
والحج ، بالنسبة للفرد ، مدرسة إيمانية تربوية ، ومعلم طريق في حياته ، وحدث تاريخي، لا يزال يلهج بذكره ،. يمضي الحاج أياماً في رحلة قدسية ، أنسية ، يجتمع له فيها شرف الزمان ، وشرف المكان ، وشرف العمل :
1- فالزمان : عشر ذي الحجة، التي أقسم بها الرب ، عز وجل ، فقال : ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) الفجر : 2، وقال عنها نبيه صلى الله عليه وسلم : ( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل : ولا مثلهن في سبيل الله ؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله ، إلا رجل عفَّر وجهه بالتراب ) رواه البزار، وابن حبان، وصححه الألباني .
2- والمكان : بيت الله الحرام ، والمشاعر العظام ؛ منى، ومزدلفة، وعرفة . قال تعالى : ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران : 97
3- والعمل : أحب العمل إلى الله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا : يا رسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء )رواه البخاري. وأي عمل أعظم مما اختصه الله بها، وهو الحج الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) رواه مسلم.
والحج ، بالنسبة للأمة ، مؤتمر سنوي ، وتظاهرة عالمية ليس لها نظير ! تنصهر في رحابه مختلف الأعراق، واللغات، والبلدان، والطبقات، في وحدة إيمانية، ولُحمة أخوية ومناسك مشتركة، تدهش الناظرين ، وتدل على حكمة أحكم الحاكمين .
وقد وعد الله عباده المستجيبين لندائه شهود منافع مطلقة، لا حصر لها ، ولا حد، فقال : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) الحج : 27-28. وفيما يلي التماس لأهم تلك المنافع التي يشهدها حجاج بيت الله الحرام ، ويرجعون بها إلى أهليهم، ويبقى لهم غنمها :

 
أولاً : التوحيد والإخلاص :
إن القارئ لآيات بناء البيت ، ورفع قواعده ، والأذان بالحج ، يلحظ التلازم الوثيق بين هذا الحدث الكبير ، وتقرير التوحيد ، ونبذ الشرك . قال تعالى :
( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الحج : (26)
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة : 127-131
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق ) الحجٍ : 30-31
كما يجد المتتبع لسياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم إعلان التوحيد ، في عدة مشاهد مشرقة ، منها :
1- التلبية : ففي حديث جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهما : ( فأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك . إن الحمد ، والنعمة ، لك ، والملك . لا شريك لك ) رواه مسلم .
2- سؤال الله الإخلاص : فقد سأل ربه قائلاً : ( اللهم حجة، لا رياء فيها ولا سمعة ) رواه ابن ماجه . فإن بذل الأموال ، ومفارقة الأهل والوطن ، والتعرض للأخطار ، مظنة لتسلل العجب والرياء إلى النفس .
3- قراءة سورتي التوحيد؛ العملي، والعلمي؛ الكافرون، والإخلاص، في ركعتي الطواف
4- ذكر الصفا والمروة : قال جابر، رضي الله عنه : ( فاستقبل القبلة ، فوحَّد الله ، وكبره ، وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده )
5- الدعاء : وهو من أعظم مظاهر التوحيد ، حين يقبل العبد على ربه ، بكليته ؛ خائفاَ، راجياً ، طامعاً، راغباً ، راهباً ، منيباً ، متضرعاً، مبتهلاً . وقد وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم في ستة مواقف طوال في حجة الوداع : على الصفا ، وعلى المروة ، وفي عرفة ، وعلى المشعر الحرام في المزدلفة ، وبعد رمي الجمرة الصغرى ، وبعد رمي الجمرة الوسطى ، في سائر أيام التشريق .
فحري بمن أشهده الله هذه المواطن الشريفة ، أن يفقه هذه المعاني الشريفة ، وأن ينفض الغبار عن نفسه ، ويجلو صدأ قلبه ، ويذكي جذوة التوحيد في روحه . فكما أن الكعبة بيت الرب في الأرض ، فالقلب بيت الرب في العبد . وكما أن الكعبة يطيف بها الحجاج والعمار ، فيينبغي أن يطيف بالقلب الخوف، والرجاء، والمحبة ، والتوكل ، والإنابة ، والاستعانة ، والاستغاثة ، وغيرها من وظائف القلب السليم .
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم خير الذكر والدعاء ، ما يكون في خير يوم طلعت فيه الشمس ، يوم عرفة ، فقال : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفه ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ) رواه الترمذي ، وفي لفظٍ : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة ) رواه الطبراني ، وحسنه .


التعليقات ( 0 )