• ×

يوسف الزين

قضية اللباس من خلال قصة آدم صلى الله عليه وسلم (1)

يوسف الزين

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قال الله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)) [الأعراف]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فالقارئ للقصة وما تلاها من تعقيبات يظهر له عدة أمور:
1- الامتنان على البشر جميعا بنعمة اللباس (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) وقد ذكر أهل العلم هاهنا أن اللباس المذكور نوعان الأول يستر العورات وهو معروف والثاني هو ما وصفه الله تعالى بقوله (وريشا). وهو ما يتزين به الإنسان، ومن المعلوم أن الإنسان إن لم يتمكن من تصنيع ملابس الزينة لوقع في عنت عظيم فكيف يمكن أن يخرج للناس بملابس نومه ونحو ذلك ولو قدر أيضا أن الإنسان لم يتمكن من تصنيع ملابس لستر عورته ونحو ذلك لوجد عنتا أيضا فإنه سوف يبقى بلابس الزينة طيلة حياته قائما وقاعدا ونائما ولا شك أن في ذلك حرجا ومشقة فالحمد لله الذي وهب الإنسان هذين اللباسين، وقد وصف الله اللباس هاهنا بأنه منزل ولهذا التعبير دلالة خاصة كما أن الخطاب لم يكن موجها للمؤمنين فحسب بل لبني آدم جميعهم
2- ذكر الله نوعا ثالثا من اللباس لا يوجد لدى محلات بيع الملابس وله تأثيره البالغ على النوعين الأول والثاني بل أنه هو الذي يضبط قضية اللباس كلها (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله : يتقي الله فيواري عورته فذلك لباس التقوى [تفسير ابن كثير: سورة الأعراف] وهذا اللباس –أعني لباس التقوى- يؤثر في لباس الإنسان الحسي تأثيرا بالغا فبقدر قيام التقوى في قلب العبد يكون لباسه موافقا لشرع الله، وإذا ضعفت التقوى أو انعدمت كحال الكافرين عياذا بالله فإنك ترى من التعري ما يندى له الجبين وما أخبار الفضائيات وما يعرض فيها من العري الكامل عياذا بالله عنا ببعيد.
3- (ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ختم الله هذه الآية بهذا الختام البليغ (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ليتذكر الإنسان الكثير من المعاني حول اللباس ومنها
أ. ما يحصل له لو لم يخلق الله اللباس وتصور أخي الكريم كيف يكون حال الناس بدون ملابس هل سيجلس بعضهم إلى بعض هل سينطلقون لقضاء حوائجهم؟ هل وهل وهل...؟
ب. ما عليه كفار قريش والعرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام مسلم رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال : (كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله، فما بدا منه فلا أحله. فنزلت (خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [رواه مسلم]. قال ابن كثير رحمه الله : كانت العرب -ما عدا قريشًا -لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش -وهم الحُمْس -يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا، طاف عريانًا. وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا يستره بعض الشيء وتقول. ثم ذكر البيت السابق [التفسير: سورة الأعراف]
4- في الآية الثانية من التعقيبات يتكرر نفس النداء (يا بني آدم) وهذه المرة على سبيل التحذير من كيد الشياطين وفتنته (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ) إنه نداء من ربك الرحيم العليم لئلا تقع في فتنة الشيطان وحبائله، والله غني عني وعنك ومع هذا فإنه يخاطبك هذا الخطاب بل ويقول عز وجل (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (28)) [النساء] ويزداد الخطاب رقة وعذوبة فيذكر الأبوين (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ )، وتبين الآية فتنة الشيطان التي فتن بها الأبوين عليهما السلام (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا). والملاحظ أن هذا الأمر كان هدفا للشيطان وقد أظهرته القصة في عدة مواضع يقول تعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ) [الأعراف : 20] وقال عز وجل (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ). فهذا أعظم أهداف الشيطان وأخطر وسائله في الصد عن سبيل الله، كشف العورات وإظهار السوآت ولم يزل الشيطان وأعوانه من شياطين الجن والإنس كذلك أعاذنا الله من شرورهم، وهم في مكرهم هذا يرضون في البداية بأدنى شيء يمكن إظهاره وخصوصا من قبل المرأة فكما تدرج الشيطان مع الأبوين عليهما السلام حتى أخرجهما من الجنة يتدرج هو وأعوانه في هذا الزمن ولعل أبرز مثال يدلل على ذلك موضوع حجاب المرأة المسلمة فقد كانت المرة في عامة العصور الإسلامية تلبس العباءة أو ما تسمى بالملاءة الساترة لجميع جسدها بما في ذلك الوجه والكفان، وقد أجمعت الأمة على ذلك إجماعا عمليا يقول الشيخ بكر أو زيد رحمه الله : وقد جرى الإجماع العملي بالعمل المستمر المتوارث بين النساء المؤمنين على لزومهن البيوت فلا يخرجن إلا لضرورة أو حاجة، وعلى عدم خروجهن أمام الرجال إلا متحجبات غير سافرات الوجوه ولا حاسرات عن شيء من الأبدان واستمر العمل بذلك حتى إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري. [حراسة الفضيلة ص 37-38]
وقد أثبت ذلك الأستاذ عبد الله الداود ودعم من خلال الصور الفوتوغرافية والتي تم التقاطها على يد بعض الرحالة الأجانب ومصوري بعض الصحف خلال أوائل القرن الميلادي المنصرم في مصر والشام وألبانيا والهند وتركيا وغيرها ونشرت بعضها مجلة الدنيا المصورة عام 1930م ومجلة البلاغ الأسبوعية عام 1928م، ويعلق على ذلك فيقول : إنها خدعة عظمى تؤلم النفس، وكارثة كبرى في الوعي أن ينخدع المسلمون بتوهم أن كشف وجه المرأة كان هو الأصل في العالم الإسلامي، وأن انتشار التعري، وقلة الاحتشام التي نراها في واقعنا الآن كان هو السمة الغالبة منذ مئات السنين ولكن الحقيقة التي ينبغي أن يرجعها للعقول وأن تكون راسخة في المفاهيم أنه قبل عام 1924م – 1343هـ كان الحجاب التام والسابغ هو الأصل في جميع أنحاء العالم الإسلامي ولا وجود للتبرج والتكشف الذي نراه حاليا، فهو طارئ على دين المسلمات ومبتدع في واقع المسلمين" من كتاب [هل يكذب التاريخ؟ ص 64] وقد نجح الشيطان وأعوانه في كثير من بلاد المسلمين فاخرج المرأة من بيتها ثم دعاها إلى الكشف عن الوجه ثم بعد فترة بإلقاء العباءة ثم اختلاط بالرجال ثم .... إلى أن وصل في بعض بلاد المسلمين إلى ما يسمى بملابس البحر وكان ذلك كله بالتدريج.
وقد يقول البعض أن هدف الشياطين كشف العورات وهذا لم يحصل! والجواب أن إظهار المفاتن والتفنن في التعري جزء من كشف العورة، كما أن الشيطان يكفيه من البعض المخالفة اليسيرة ليدعو الآخرين فيما بعد لتقليدها ومن ثم التوسع بعد ذلك قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور : 21].
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين والحمد لله رب العالمين .
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.


التعليقات ( 0 )