• ×

يوسف الزين

( أتبنون بكل ريع آية تعبثون )

يوسف الزين

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين..

     أما بعد سبق في الحلقة الماضية الحديث عن شفقة هود صلى الله عليه وسلم وأن هذا من الجوانب الواضحة في دعوة المرسلين ومن ذلك أيضا أنهم عليهم الصلاة والسلام كانوا مع دعوتهم إلى التوحيد وعبادة الله عز وجل ينبهونهم إلى ما يقعون فيه من أخطاء سلوكيه مخالفة لأمر الله وكان قوم هود صلى الله عليه وسلم معروفين بقوة الأبدان وكانوا يفتخرون بذلك قال الله تعالى (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) [فصلت : 15] . فقد اعتزوا بقوتهم وكمال أجسامهم والمباني التي عندهم وكانوا مهرة في البناء وظنوا أن ذلك يغنيهم عن الله وعن رحمته وما علموا أن مصيرها الزوال وقد قال لهم هود صلى الله عليه وسلم محذراً (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131)) [الشعراء] . والريع هو المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد(مفردات الراغب مادة ريع)والمصانع قال مجاهد : البروج المشيدة والبنيان المخلَّد (تفسير القرآن العظيم 62589) ووصف الله عز وجل قوم عاد فقال (ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد).
     انه لا حرج على الإنسان يبني بيتاً يؤيه ويحفظه ويحفظ أبناءه ومتاعه بل أن الله عز وجل ذكر البيوت وأنها سكن في جملة النعم المذكورة في سورة النحل فقال تعالى (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل : 80] من جملة النعم سواء كانت مباني ثابتة أو بيوت شعر متنقلة و الأثاث فيه من جملة النعم وفي الآية وصف للبيوت بأنها سكن والكلمة توحي بالسكون والطمأنينة وهذا أمر مشاهد فان الإنسان إذا دخل بيته شعر بالسكون وراحة البال هذا هو الغالب وهو أحداهم وأعظم مقومات السكن وجاء في شعر العرب
     لبيت تخفق الأرواح فيه *** أحب إلي من قصر منيف
     ولبس عباءة وتقر عيني *** أحب إلي من لبس الشفوف
     فإذا خلا البيت من هذا المقوم وهو السكن والراحة أما لكثرة المشاكل بين أهله أو لانشغال أهله بتذويقه وتجميله بشكل مبالغ فيه صار وبالاً على صاحبه وسبباً في نكده وتنغيص عيشه بدلاً من السكن والراحة وبالتالي فان من شكر الله على نعمة السكن والمباني ونحوها عدة أمور :
        أولها: ألا تكون على سبيل العبث كما حذر هود عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال (أتبنون بكل ريع آية تعبثون ). قال ابن كثير رحمه الله :و أنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج بل لمجد اللعب واللهو وإظهار القوة ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام ذلك لانه تضييع للزمان وأتعاب للأبدان في غير فائدة واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة[تفسير القرآن العظيم 62589] وما أجمل ما قاله الشاعر في تصوير واقع بعض المسلمين اليوم:
       عازف يسلبه اللهو صوابه *** يحسب المجد على ثغر ذبابه
     وغني يبتني قصراً ولا يملك بابه *** وفقير يسرق اللقمة من ثغر ذبابه
     ثانيها: عدم التفاخر والتباهي بالمباني إلى درجة توحي بالركون إليها وكذا الانغماس والانهماك الشديد في التجميل وصرف الأموال فيما لا طائل من ورائه , وهذا لا يعني عدم البناء والتشييد كما سبق .
     ثالثها: أن يتذكر الإنسان أن مآل الدنيا كلها إلى زوال كما قال عز وجل (أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً وأنا لجاعلون ما عليه صعيداً جرزا). فليست زينة للإنسان بل هي زينة للأرض (زينة لها) لاحظ قوله (لها) وليست لك و إما زينتك الحقيقية التامة من غير منغصات فليست في هذه الدار بل في الجنة إذا عملت الصالحات في الدنيا مخلصاً لله وهذه هي الزينة الدائمة التي لا انقطاع لها.
    
     رابعها: أن يقرأ عن بيوت الجنة وقصورها وخيامها وأثاثها وهذا كثير في كتاب الله ومن ذلك قوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)). وروى الأمام مسلم في صحيحه من حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من صلى اثنتي عشر ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة ) قالت أم حبيبة فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال عنبسة وعمرو بن أوس والنعمان بن سالم رواة الحديث وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن قيس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا , في كل زاوية منها أهل مايرون الآخرين ,يطوف عليهم المؤمنين , وجنتان من فضة آنيتهما ومافيهما , وجنتان من كذا آنيتهما ومافيهما ...وفي رواية (جنتان من فضة آنيتهما ومافيهما وجنتان من ذهب آنيتهما ومافيهما )
     وهذا يعينه على الشكر لأنه يعلم إذا شكر وآمن واتقى فان الله قد وعده بالزيادة فقال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم : 7] . وبقدر شكر الإنسان في الدنيا وقيامه بطاعة ربه يزداد نعيمه في الجنة نسأل الله الكريم من فضله والحمد الله رب العالمين وصلى على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.


التعليقات ( 0 )